وجهة نظر.. ظواهر مؤلمة استوطنت في دار سيد الفنون

وجهة نظر.. ظواهر مؤلمة استوطنت في دار سيد الفنون





في حفل اختتام مهرجان بغداد لمسرح الشباب العربي الأول، الذي تضمن عرض مسرحية (قصر الشوك) لفرقة شباب تونس، وحفل توزيع الجوائز ، كان لا بد من تأشير الكثير من الحالات، لا بل على ما يبدو ظواهر مؤلمة استوطنت في دار سيد الفنون.. المسرح، ذاك الصرح الذي كانت خطانا تتهيب كثيرا في التسلل إلى أعتابه، وكنا ننحني خجلا لو تجاوزنا على زمن لحظة شروع المسرح بالعرض، وكانت هناك طقوس، وكانت تقاليد، وكانت مراسيم تقام في حضرة هذا السيد، عالي القامة، ولكن.. أخ من كلمة اللاكن، كل ما مررت عليه لا معنى له وسط فوض، وتشظي، يوم الضجيج العالمي.. يوم الثلاثاء الفائت، وانحدار هذا التقليد انحدارا مأسوفا عليه بالثلث والربع، والخمس والنسخ، وبكل الأوصاف والأسماء.
أقول ذلك وأشعر بفجيعة أرقى الفنون، وأصمت معبأة بحيرة المكان الذي كنت أظن لم تتسخ يداه بعد بحمى الانفلاتات، والانقلابات، والهبوط بلغة التعاطي مع الأشياء، بدلا من صياغة مواقع القبح، وتحويلها إلى جمال، وخاب الظن وسع الصورة المختلة الإيقاع، والمهتزة الأبعاد..
هكذا كانت.. عوائل بكامل عدتها وعديدها.. بشيوخها وأطفالها ونسائها الملتحفات، لا تدري شيئا عن هذه المناسبة، إنما وجدت من هذا اليوم فرصة لدخول المسرح مجانا بدل أن تدفع تذكرة قيمتها خمسة وعشرين ألف دينار.. وتعال وأسمع التعليقات، وطبيعة لغتها، وتفاهتها والحرية، التي لا تعرف حدودها عند حدود الآخر.
شباب متبرج، متشتت، متدلع، يرتدي قبعات قيظ الصيف على مدرجات المسرح، يطلق أعيرة من الصفارات الشفاهية، ما ترهق من به صمم، وحديث متصل عن العلاقات الغرامية، (واستعراضات دنجوانية)، وتعليقات من العيار الثقيل، يذوب الصخر من فرط فجاجته.
سيدات بمعية أطفالهن حجزن مقاعد العرض للصغار لا لتربيتهم على تذوق المسرح، وتعود ارتياده، بل لمتابعة ألعابهم المفضلة على جهاز الايباد، والذي تابع معهم لعبة القطار، عدد كبير من الجالسين خلفهم من المحرومين من امتلاك مثل هذه الأجهزة الحديثة، بينما نحن الكبار واقفون نتابع العرض وقوفا.
أما إدارة المسرح، أو المهرجان الغائبة الحاضرة، فلها غايات أخرى، غير منع دخول الأطفال، لاسيما الرضع، ومنع الدخول إلى المسرح بالألبسة البالية والنعال، كما تفعل الشعوب المتحضرة، والسيطرة على هدوء القاعة، وتنظيم عملية الجلوس، ومنع عملية الحجز كما يحدث في السينمات، أو المقاهي، ومنع استخدام الموبايل، وإطلاق الصفير، والتعليقات، والتصفيق في غير مواقعه.
 لكنها للأسف زادت الطين بله، وأجهزت علينا بموسيقى مرافقة لتوزيع الجوائز على الفرق المشاركة، كادت تشق جنبات المسرح، وأجبرتنا على الفرار، دون خسائر.
انتهى المهرجان وفاز البعض وخسر الآخر، وخيم الغناء المحتدم والهابط بلغته، على رقص الشباب المسرحي المنتصر في حرب البسوس، وتبعثرنا من بين أرجلهن مهزومين، نعظ الأصابع ندما على شيء كان أسمه المسرح وطقوسه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top