كل شيء هادئ على الجبهة الغربية .. تحفة بصرية من سينما الحرب

كل شيء هادئ على الجبهة الغربية .. تحفة بصرية من سينما الحرب

متابعة: المدى

قدم المخرج»ادوارد بيرغر» النسخة السينمائية الالمانية الاولى من رواية «كل شئ هادئ على الجبهة الغربية « للكاتب اريك ريمارك والصادرة عام 1929 بعد شوط طويل من المعاناة مع رقابة دور النشر التي رفضت افكارها المناهضة للحرب وقد سجلت تجربة الكاتب نفسه عن الحرب، وهو ذات المصير الذي ستعاني منه الرواية عقب سنوات، اذ اعتبرها النازيون عملا مفسدا لروح المقاتلين الالمان الشباب فأمروا بإحراق نسخها.

عام 1930 قدم المخرج لويس مايلستون النسخة الامريكية الاولى من الرواية واعتبرت في حينها تحذيرا مبكرا من مخاطر الحروب المستقبلية، لكن هذا النداء ضاع في خضم حرب عالمية ثانية ستقع بعد سنوات وتدمر معظم اوربا. في عام 1979 قدم المخرج «ديلبيرت مان» نسخة امريكية ثانية من الرواية ذاتها باداء ريتشارد توماس وارنست بورغنين. لكن نسخة المخرج الالماني بيرغر (انتاج نتفليكس) والمرشحة للاوسكار القادم مختلفة بالكامل ومدهشة الى حد كبير بروحها المنحازة للإنسان ضد الحرب وبالتقاط مساحات الصمت الدال وسط ضجيج الرصاص في سردية بصرية (كما في فيلم ترينس مالك خط احمر رفيع) تتصاعد وتيرتها بالتناغم مع تاثير الموسيقى-نقر طبول مخيف يستهل ما سيقع من اهوال- ودوما عبر انشغالات تستثمر التأثير الحسي للصورة، لا سيما في دقة ادارة مشاهد الحرب في الخنادق باعتماد اللقطات البعيدة ومتوسطة البعد التي تمنح المشاهد فرصة مثلى للإحاطة بجوانب الحدث والدخول الوجداني في تفاصيله.

بقدر قليل من الكلمات وبمساحة واسعة من الصور السينمائية البليغة متقنة التشكيل (اقرب الى اللوحات الفنية) وبتكوينات سمعية وبصرية نفذت بمهارة عالية ستغدو هذه النسخة خطابا سينمائيا قادما من جحيم الحرب، نداء أليم من جهنم سيمحو عديد الافلام الحربية السابقة بقدرته الفنية العالية وتأثيره الناجز.

كل هواجس وامنيات المجند الشاب باول بويمر (فيلكس كامير) في الدفاع عن وطنه سرعان ما ستتحطم في خنادق الحرب، حيث تتمرغ الانسانية في الوحل وتقاد البشرية باشد نوازعها حيوانية، لا رحمة ولا تسامح، عنف وقتل لا حدود له، يتخفف حينا بصداقات لن يكتب لها الا ان تكون عابرة مثل ذكرى واهية. هذا المسار الاول الذي تنشغل به دراما الحرب هذه التي تنتقل بقطع مونتاجي مدروس بين ما يواجهه الجند من وحشية وترف حياة الجنرلات في الغرف المحصنة، فيما يتركز المسار الثاني حول جهود المستشار الالماني ماتثياس ازبرغر في التوصل مع الجنرلات الفرنسيين الى هدنة سلام توقف الحرب وهو حصل لاحقا في 11 نوفمبر 1918 واعتبره الالمان اتفاقا مهينا سيتسبب فيما بعد بصعود الحزب النازي لاستعادة مكانة المانيا-المهزومة في الحرب-في عموم اوربا.

في خضم دوامة القتل المجاني، سنتذكر في موقف عصيب ما اننا بشر في نهاية الامر ولا يمكن لنا ان نكون مجرد آلات صماء تنفذ ما يطلب منها دون ادنى احساس انساني. شكوك وتساؤلات سرعان ما تغيب حينما يحتدم وطيس المعارك، فتعلو لغة الحراب ثانية على ما سواها. مع هذه السرديات الحربية وبسببها سيحضر امامنا بشدة كتاب «حكاية الجند» لصاموئيل هاينز الذي وثق بكلماته البليغة-رسائل ومذكرات الجند-بقدر ما وثقته الكاميرا بالصورة.

في الغضون قدم المخرج «بيرغر «واحدا من اروع المشاهد التي تلخص محنة الانسان في الحرب، ايما حرب: اذا يقتل بول عشية فرار كتيبته جنديا فرنسيا بطريقة بشعة. وكلما اوغل بول في طعن خصمه، تناهى الى سمعه توسلات الجسد المنهار للإبقاء على النفس الاخير. ينهار بول بالبكاء ويحاول بعد فوات الاوان انقاذ خصمه من موت محقق، بقطرات ماء او بمحاولة مداواة جراحه. الحرب تخلق العميان، فبول ينهار تماما حينما يجد صورة في جيب ضحيته وهو يقف بين زوجته وابنته الصغيرة، وكأنه يكتشف او يشعر للمرة الاولى ان ما نقتلهم في الميدان هم بشر مثلنا تماما لهم من ينتظرهم في المنزل.

ما الذي بقي لدي انا الجندي الخاسر الذي توهمت يوما ما انني سأغزو باريس واضاجع نساءها؟ ما نفع الجند اذا انتهت الحرب؟

تذكر يا من بقيت على قيد الحياة أنك مدين لنا نحن الاموات الذين سقت دماؤنا سوح الحرب. وتذكر أيضا حينما يكون كل شئ هادئ في الجبهة الغربية ستظن أنك فقدت السمع. في نهاية الامر لست سوى زوج من الاحذية البالية مع بندقية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top