عن المؤلف لا عن  المتمردون  فقط

عن المؤلف لا عن المتمردون فقط

علاء المفرجي

قبل ان نبحر في ثنايا كتاب (المتمردون)، يضع المؤلف علي حسين أمامنا سؤالا متمردا، من هو الأنسان المتمرد؟.. وربما نشاركه الإجابة على سؤاله هذا، او لنا في تصورنا عن ماهية الانسان المتمرد رأيا، ولكي يثبت صحة اجابته قدم لنا في نهاية الكتاب قائمة بمئة كتاب وكتاب عن الانسان المتمرد.

من بين قراءاته للكتب التي بدات قبل أكثر من أربعين عاما، عندما وجد علي حسين نفسه صغيرا بين رفوف من الكتب واكوام من العناوين، كعامل في مكتبة بزاوية شارع من شوارع وسط المدينة، تلتقط عيناه هذه العناوين وتستعرض الحروف، لتختزن الافا من العناوين والطبعات النادرة لأمهات الكتب، هو الذي يقاوم فضوله، لتلمس وتقليب أوراق الكتب التي اقتناها قبل أن يصل البيت.

وكان من الطبيعي ان تنتظم هذه الكتب بعناية وبفهرست خاص، غير موجود إلا في رأس علي حسين، فالكتب تبوب تبويبا لا عهد للقراء، بل ولبائعي الكتب به، حيث الطبعة الأولى، والترجمات الكثيرة للكتاب نفسه، بل وتشابه بعض الموضوعات، وتناص موضوعات القصص والروايات. درجة أنه يردد دائما بين أصدقائه أن (لا تسألوا غيري عن الكتب!)، ورغم الانا الطافحة في كلامه هذا، واللا تواضع فيها، فأنك لا بد أن تستسلم لواقعيتها، إنطلاقا من معرفتك الطويلة بهذا العاشق الغريب للحرف.

(المتمردون) هم باقة ضمت ما يقارب الثلاثين اديبا ومفكرا وفنانا، ومختصا بجنس معرفي معين، إختارهم المؤلف الذي يصرخ في الغلاف الأخير من الكتاب (أنا أتمرد إذا أنا موجود)، وطبقا لمفهومه عن المتمرد، فـ (علي حسين) يصلح أن يكون القارئ المتمرد، فهو ليس قارئا عاديا، فقد تمرد على ناموس القراءة، والأسلوب الذي يتبعه في ذلك، ومعنى أن تكون القراءة عشقا بل ولهاً.. فليس غريباً أن يختار هؤلاء المتمردين.

فإذا كان علي يبحث عن المتمرد في حياة هؤلاء الذين أثروا حياتنا بأعمال فكرية وأدبية وفنية ستظل علامة من علامات بحث الإنسان عن عالم أكثر عدالة.. فعليه أن يبحث أيضا عن أولئك القراء الذين يبحثون عن كتب " نتصفحها بمتعة ناسين الصفحة التي قرأناها ما أن ننتقل الى الصفحة التالية. وكتب نقرأها بخشوع دون أن نجرؤ على الموافقة أو الاعتراض على فحواها. وأخرى لا تعطي سوى معلومات ولا تقبل التعليق. وهناك كتب نحبها بشغف ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب " كما يقول البرتو مانغويل.

يقول علي حسين "المقهى في تلك الايام كان المكان المناسب الذي اتصفح فيه الكتب التي اشتريها من مكتبات شارع السعدون، فالفضول يحاصرني ولا أطيق صبرا حتى اصل البيت، في المقهى تاخذ يداي بملاعبة الورق ، قرأت مقدمة " الغاضبون " والتي يقول فيها كامل زهيري ان صفحات هذا الكتاب تقدم للقارئ ادب الاحتجاج او الادب الغاضب او المغضوب عليه".

من هو الإنسان المتمرد إذا؟ هو كما يرى علي حسين: أنه الانسان الذي يقول "لا" لكل ما يحيط به.. لكن رفضه هذا لا يعني أنه يتخلى عن كل شيء. بل هو يقول "نعم" أيضا لكل موقف صحيح يتخذه تجاه الحياة.

"وعندما كبرت ونضجت وقررت ان أؤلف كتبي وان اكتب مقالات عن الكتب التي رافقتي اثناء مسيرة حياتي".. فقد بدأ علي حسين عاملا في مكتبة، لايملك من الوقت إلا ما يكرسه لهذا العشق، ووجد ان الأمر ليس بالهين، فاذا كنت يعطي رأيه من قبل شفاهة ولأناس لم يقرأوا هذه الكتب، فما يكتبه سوف يترك اثرا، تماما مثل مانغويل، الذي صادف في أواخر ظهيرة أحد الأيام سنة 1964 في العاصمة "بوينس آيرس" وكان الكاتب الأرجنتيني (خوري لويس بورخيس 1899-1986) في طريقه من المكتبة الوطنية التي كان يعمل مديرا لها، إلى مكتبة (بغماليون) الأنجلو ألمانية التي كان زبونا دائما لها، حيث يلتقي المهتمون بالأدب. اختار بورخيس عنوانين من الكتب ثم دنى من شاب يعمل في المكتبة وعرض عليه أن يأتي ليقرأ له بصوت مرتفع في المساء، كعمل بدوام جزئي إن لم يكن لديه عمل آخر، إذ أن والدته بلغت التسعين وأصبح التعب ينال منها بسهولة، مما يضطره للبقاء بجانبها.. مانغويل هو الذي ألف فيما بعد مجموعة من أشهر الكتب التي تعتبر قصائد مدح في محبة القراءة والكتب والمكتبات.

وأشير الى ملاحظة عن الكتاب، فأن المؤلف لم يختر من الكتاب العرب سوى عبد الرحمن منيف، رغم أن – وهذا رايي المتواضع – كان الكثير من الادباء العرب من تنطبق عليهم هذه الصفة، وهم كما أرى: نجيب سرور، وحسين مردان، ومحمد شكري، ومحمد الماغوط.. والكثير منهم.

ويكفي أن أذكّر أن عليا قد ألف قبل هذا الكتاب كتب عديدة، لا تجعله مختصا إلا بالقراءة، فقد كتب عن ملهميه وعن الكتب التي قرأها صبيا: سؤال الحب، دعونا نتفلسف، في صحبة الكتب، غوايات القراءة، مائدة كورونا، كتب ملعونة، أحفاد سقراط.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top