جداريات تشرين والاعتراف الجمالي من جائزة تميّز

آراء وأفكار 2022/11/21 11:19:19 م

جداريات تشرين والاعتراف الجمالي من جائزة  تميّز

شهد الراوي

بإعلانها فوز الأعمال الفنية، التي أنتجتها ثورة تشرين بمسابقة تحمل اسم الفنان الملهم “ضياء العزاوي” تكون “جائزة تميّز” قد نقلت هذه الأعمال من حقل الاحتجاج الشعبي إلى مجال الفن بالمعنى العام للكلمة.

و” تميّز” مؤسسة معمارية رصينة مقرها جامعة كوفنتري البريطانية، يديرها مجموعة من الشباب المعماريين المهتمين بالإرث المعماري والفني، وتشترك في لجان تحكيمها مجموعة من معماريين معروفين على مستوى العالم، وكانت الخالدة زهاء حديد قد ترأست واحدة من أولى لجانها.

إذن، نحن بصدد تقييم أكاديمي غير متحيز للمعنى الثوري، الذي حملته رسومات الغرافيتي تلك، والتي رافقت الحدث العراقي الأهم ومنحته معناً جمالياً يشير إلى الأهداف المدنية لتشرين ويعززها.

في مناسبة سابقة، كنت قد كتبت عن هذه الأعمال في مقالاً نشرته الدورية الأمريكية ( Virginia Quarterly) في عددها سبتمبر ٢٠٢٠، أطلقت حينها على تلك الأعمال “ التجسيد المادي لمعنى الأمل في جماليات الثورة” وقلت: أن تلك الأعمال الجميلة والعفوية، بمعنى ما، هي تعبير من نوع آخر يتجاوز لحظة الاحتجاج إلى ما هو خالد وأبدي في الفن.

والمعروف أن شعار تشرين كان المطالبة باستعادة فكرة الوطن، التي غيبت لصالح مفاهيم جديدة مثل المكونات والكتل والطوائف وغيرها.

اليوم، إذ تستعيد هذه الأعمال حضورها من خلال فوزها بـ “جائزة ضياء العزاوي” للفن العام، وهي المسابقة الأحدث في مسابقات “تميّز” فأنها تستقر في التاريخ كمعطى جمالي يبدو مستقلاً عن لحظة ولادته، ولكنه لا يبتعد عنها، تستعاد معه فكرة الوطن الذي تبناه المخيال الشعبي بعد واقعة تشرين. كما أن تلك الأعمال تعد الولادة الحقيقة لفن الفضاء العمومي، الذي تأخر في الدخول الى العراق بعد أن حقق حضوره في معظم مدن العالم وعواصمه، حتى صارت ظاهرة” الغرافيتي” تشكل مدخلاً أنثروبولوجياً لقراءة علاقة المجتمعات الجمالية بالفنون من خلال متاحف الجدران والجسور والمرافق العامة والشوارع.

أنه سحر الثورة عندما يأتي ممسوساً بالحب والشغف والرغبة العميقة بالتغيير، فيقترح ماكيتاً صغيرا للوطن الحلم، في نفق التحرير، يأتي بهذه الفنون مع ولادة جديدة وشابة للهوية الوطنية، التي منحتها تشرين موضعاً تاريخياً فاصلاً في الذاكرة العراقية .

لذلك لم نستغرب حين شهدنا تلك المحاولات، التي استهدفت محوها أو تشويهها بغية محو كل ما يتعلق بالاحتجاجات وسؤالها الوطني العميق.

فبين حين وآخر يتسلل أبناء الظلام وأعداء الحياة والفن، ليعبثوا بتلك الرسومات، ثم يعيدها التشرينيون ثانية الى الوجود، في معادلة لعبة الوطن- اللاوطن.

أعترف، أنني تلقيت خبر فوز هذه الأعمال مباشرة من الصديق أحمد الملاك رئيس لجنة “ تمّيز” بشيء من الارتباك في بداية الأمر، فأن تشرين في ذاكرتي وفي عمق مشاعري، هي حدث متأصل على نحو كلي، لم أفكر في فصل مجرياتها عن بعضها، ولم أضع مسافة بين منتجاتها الفنية والجمالية وأسلوبها البطولي في المواجهة ورمزية شهدائها الخالدين.

كنت سعيدة مع شيء من الحزن، وكنت مبتهجة مع الكثير من الحداد على أولئك الشباب الذين غابوا عن حياتنا وتركوا هذا الجمال المصحوب بالأمل.

إن فوز تخطيطاتهم على الجدران بجائزة رفيعة، يمثل اعترافاً فنياً بنقاء ثورتهم، مثلما يؤكد أن غيابهم كان لأسباب تنتج الجمال أيضاً .

بدأ الانسان أولى ممارساته الفنية على جدران الكهوف، كما يخبرنا تاريخ الفن، وعاد الإنسان يقدم رموزه الفنية على جدران المباني، لتأكيد فكرة أن فضاء الفن ليس متحفياً بالضرورة، وليس من الدوام وجوده في القاعات ذات الاضاءة الخافتة، أنه رفيق رحلة الإنسان العادي بيومياته العادية والثورية على حد سواء.

هذه مناسبة مهمة، أن نتذكر أهمية الحفاظ على جداريات تشرين، ونحرص على بقائها وإدامتها. فهي لم تكن مجرد ألوان وخطوط وضعت على واجهة ساحات الاحتجاج، بل أنها رمزيات لثورة كتبت على نفسها الخلود في ذاكرة البلد وأجياله.

هناك ثورات عظيمة في تاريخ العالم، ليس لديها سجل جمالي؛ تشرين وحدها، وربما هي الحالة النادرة، التي تجسدت في الشوارع والساحات، كما طبعت خطابها على الجدران بألوان كثيرة الشبه بملامح رموزها اليافعة.

الأمر ليس أرشيفياً يخلد ذكرى ثورة معرضة للنسيان، بل هو عمل من أعمال الذاكرة، التي تملك شروط استمرارها وتدفقها في الزمن على هيئة احتجاج، يحمل معه كل ذلك المعطى من الجمال الذي لا ينسى.

المفارقة، أن جائزة المسابقة، لن تتوجه لشخص أو مجموعة أشخاص بحد ذاتهم، أنها تتوجه نحو تشرين بكل معناها الوطني وكل تجلياتها الاحتجاجية، فهي أول جائزة تمنح لمجهولين - معلومين، لمجاميع من فنانين وثوريين لم يتركوا تواقيعهم على أعمالهم، منحت الجائزة لغياب له صوت الحضور، لذلك هي جائزة لكل تشريني، بل لكل عراقي ما زال يحلم بوطن.

تعليقات الزوار

  • علي الجميلي

    من اجمل المقالات التي قرأت و هي تعبر عن عمق مشاعر الكاتبة تجاه تشرين و من اجمل الاخبار التي سمعت. سلمت روحك الجميلة يا سيدتي.

  • نابو سومر

    انها تشرين ولن تموت فهي تمثل وطن وليس اشخاص او مكونات او طوائف او دين بل هي كل شيء… سلمت يا بنت العراق…

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top