مراجعة لكتاب: تاريخ كامبردج للأدب العربي الحديث

مراجعة لكتاب: تاريخ كامبردج للأدب العربي الحديث

لطفية الدليمي

صدر شهر تموز الماضي 2022 عن المركز القومي للترجمة في مصر ترجمة عربية لكتاب (الأدب العربي الحديث)، وهو الجزء الرابع من تاريخ كامبردج للأدب العربي Cambridge History of Arabic Literature الذي دأبت جامعة كامبردج على إصدار أجزاء عديدة منه منذ عقود عدّة ؛

فقد صدرت من هذا التاريخ تسعة أجزاء تتناول أدب الحقبة الأموية، والعباسية، وحقبة مابعد الكلاسيكية، وأدب الأندلس ؛ بل وحتى ثمة جزء يتناول الأدب والدين والفلسفة في العالم العربي في السنوات التأسيسية للأدب العربي. نهض بالعبء التحريري للجزء الذي صدرت ترجمته عن المركز القومي للترجمة الدكتور الراحل محمّد مصطفى بدوي (1925 – 2012) الذي عمل أستاذاً للادب العربي والانكليزي في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، وهو معروف بمساهماته الكبيرة في حقل التأليف والترجمة وتعريف الأدب العربي لغير الناطقين باللغة العربية ؛ فقد ظلّ أستاذاً في جامعة أكسفورد على نحوٍ متّصل منذ 1964 حتى 1996. أودُّ الاشارة هنا إلى أنّ هذا الكتاب المترجم الصادر عن كامبردج ليس هو ذاك الذي ألّفه بدوي بعنوان (موجز تاريخ الأدب العربي الحديث A Short History of Modern Arabic Literature) وصدر عن جامعة أكسفورد عام 1992.

يبدأ الكتاب (كعادة كلّ تواريخ كامبردج) بقائمة كرونولوجية (تبعاً للترتيب الزمني) للوقائع والأحداث المفصلية في المنطقة العربية منذ الحملة النابليونية على مصر 1798 حتى عام 1991، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّ الكتاب يغطّي قرابة قرنين من زمان الأدب العربي فضلاً عن تأكيده أهمية التداخل البنيوي بين النتاج الأدبي والحراك السياسي والمجتمعي ؛ فالأدب ليس نتاج منطقة فراغ ذهني أو ميتافيزيقي حتى لو كان المسعى الاصلي يتجه نحو غايات ميتافيزيقية.

يقدّمُ بدوي في بداية الكتاب تنويهاً شديد الأهمية للقارئ، يكشفُ فيه أنّ مؤلفي الفصول المختلفة طُلِب إليهم رفعُ كلّ الإحالات المرجعية والتنويهات على متون الكتاب بغية إختزال الحجم وعدم الإثقال على القارئ بتفصيلات غير ذات أهمية له.

الكتاب جهدٌ تحريري كما بيّنتُ سابقاً ؛ لذا فالمتوقّعُ أن ينهض المحرّر بالعبء الأكبر في عملية توليف الفصول وجعلها كلاً متسقاً بدل أن تكون ثوباً مرقعاً، وقد نجح الدكتور بدوي بقدر مايختصُّ الأمر به نجاحاً هائلاً. بالاضافة إلى الجهد التحريري المتطلّب شارك بدوي في كتابة مقدّمة ممتازة للكتاب أراها الجزء الوحيد في الكتاب الذي عرض لنا السياقات الثقافية والمجتمعية التي نشأ في خضمّها الأدب العربي الحديث. جاءت المقدّمة في قسمين:

القسم الأول: وعنوانه (الخلفية The Background) عرض فيه بدوي الممهّدات التي قادت إلى فكر النهضة في المنطقة العربية. تناول بدوي في هذا القسم الفترة العثمانية، والحملة النابليونية على مصر، ثم صعود نجم محمّد علي، وطرق بعد ذلك تحديث التعليم وتأثير هذا التحديث في نشأة الأدب العربي الحديث، ثم تناول أثر الطباعة وولادة حركة الترجمة والصحافة، وتأثير الخديوي إسماعيل في حركة التغريب Westernization، ثمّ يتناول بدوي موضوعة التغريب والإسلام ونشوء مفهوم جديد للأدب بالاقتران مع تنامي طبقة جديدة من الجمهور القارئ. يحدّد بدوي في نهاية هذا القسم ثلاث فترات لتطوّر الأدب العربي الحديث:

الفترة الأولى: فترة الترجمات والاقتباسات وبزوغ الكلاسيكية الجديدة (النيوكلاسيكية)

الفترة الثانية: صعود الرومانتيكية والحركة القومية (لابدّ – كما أرى - في هذا المقام من تفكيك العلاقة المشتبكة بين الوطنية والقومية. هنا نرى القومية شكلاً من الحسّ الرومانتيكي المقترن بنشوء الأمة – الدولة).

الفترة الثالثة: فك ارتباط الأدب مع الرومانتيكية بالتزامن مع تعاظم مشهد الايديولوجيات المتصارعة.

أما في القسم الثاني وعنوانه (الترجمات والاقتباسات في أعوام 1834 – 1914) فيتناول فيها المستعرب الأمريكي بيير كاكيا، أستاذ الأدب العربي في جامعة كولومبيا، موضوعات مركزية أهمها المساهمة الجوهرية للمسيحيين العرب (السوريين بخاصة) في ترجمة الأعمال الادبية الغربية وإعلاء الحسّ القومي العربي.

يتناول الكتاب الشعر العربي الحديث في ثلاثة فصول، تناول الأوّل منها شعراء المدرسة الكلاسيكية الجديدة، وتناول الثاني الشعراء الرومانتيكيين ؛ أما الثالث فتناول شعراء الحركة الحداثية.

تناولت الفصول الثلاثة التالية موضوع الرواية. إختصّ الفصل الخامس ببدايات الرواية العربية ؛ فيما تناول الفصل السادس الرواية العربية (الناضجة mature) خارج مصر، وتُرك الفصل السابع لتتناول فيه الأستاذة المستعربة هيلاري كيركباترك من جامعة بِرن، وبشكل حصري، الرواية المصرية منذ نشر رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل حتى عام 1980. لابأس من الإشارة إلى أنّ الفصلين الخامس والسادس كتبهما الأستاذ روجر آلن Roger Allen، أستاذ الأدب العربي بجامعة بنسلفانيا الذي عرفناه علماً من أهم أعلام الغربيين المتخصصين بالأدب العربي (والرواية العربية الحديثة بالتحديد)، وله في هذه الميادين مؤلفات مهمّة ومترجمة إلى العربية.

إختصّ الفصل الثامن من الكتاب بالقصة القصيرة، ونكفّل بكتابة هذا الفصل الدكتور صبري حافظ الأستاذ بجامعة لندن. أعقب هذا الفصل فصلان تناولا المسرحية، تناول بدوي في أولاهما بدايات الأدب المسرحي العربي من مارون النقاش حتى عشرينيات القرن العشرين ؛ أما الفصل التالي فتغطي فيه دراسة الدكتور علي الراعي الأدب المسرحي في الوطن العربي من ثلاثينيات القرن العشرين حتى العقد الثمانيني فيه.

توزّعت الفصول الأربعة الأخيرة من الكتاب على موضوعات: الأسلوبيين Stylists، ويقصدُ بهم كُتّاب النثر الفني إبتداء من كتاب (الانشاء) للشيخ حسن العطّار ثم من أعقبوه من أمثال الرافعي والمنفلوطي ومي زيادة وطه حسين،،،، إلخ. تلا ذلك فصل عن النقّاد العرب وحركة النقد العربي، ثمّ تناول الفصلان الأخيران (وهما أكثر فصول الكتاب إسهاباً بحسب رأي محرّر الكتاب الدكتور بدوي) الكاتبات النسويات العربيات ثمّ شعر العامية العربية. سوّغ المحرّر طول الفصلي ن الأخيرين بأنّ موضوعيهما لم ينالا قدراً مستحقاً من البحث والدراسة في الأدبيات العربية والعالمية. إنتهى الكتاب – كما هو متوقّعٌ بقائمة مكثفة من المراجع وفهرس شامل للأسماء والعناوين.

ثمّة الكثير ممّا يمكن أن يقال بشأن طبيعة هذا الكتاب من حيث موضوعاته وهيكليته. أظنّ أنّ الاشارات التالية تصلحُ أن تكون نقاط شروع لمساءلة الكتاب:

1. قرنان في دراسة أي أدب عالمي هي فاصلة زمنية طويلة لو درسنا أي جنس أدبي لوحده ؛ فكيف الحال إذا إقترن طول الزمن مع تنوّع الأجناس الأدبية بين شعر ورواية وقصة قصيرة ومسرحية ونقد أدبي وشعر عامي؟!! ألم يكن الأفضل تخصيص كتاب مرجعي من كتب كامبردج لكلّ جنس أدبي لوحده؟ ربّما سيسوّغ القائمون على أمر تواريخ كامبردج أنّ هذه التواريخ تخاطب القارئ الاجنبي وليس العربي المتخصص ؛ وعليه سيكون الإختصار مطلوباً. هذا صحيح ؛ لكن مَنْ من الأجانب سيقرأ هذه التواريخ؟ إنّه المهتم بشؤون الاستعراب والعالم العربي ولن يكون قارئاً سياحياً عابراً ؛ وعليه فإنّ الايغال في الاختصار أراه مثلبة في هذا الكتاب.

2. نفهم بالبداهة أنّ كلّ عمل تحريري لابدّ أن يشهد جمعاً من المؤلفين ذوي الخلفيات الثقافية والفكرية المتباينة ؛ لكنّ أحد واجبات القائم بأمر التحرير هو إنتخاب مؤلفين ذوي خلفيات متقاربة كلّما أمكن ذلك (وهو أمرٌ شاق وليس بالمستطاع دوماً). نشهدُ في الكتاب تبايناً شاسعاً في خلفيات المؤلفين: هناك روجر آلن المتمرّس بالأدب العربي والمنطقة العربية وصديق معظم الأدباء العرب، ثم هناك المستعربون ومتخصصو الأدب العربي الذين لايرتقون لمرتبة آلن. لاأقول أنّ هذه مثلبة معيبة في الكتاب بقدر ماأريدُ القول أنّ تبايناً كبيراً في معرفة المؤلفين بالادب العربي وجغرافية وتاريخ المنطقة العربية سيكون أمراً بيّناً لكلّ قارئ مدقّق في حيثيات التفاصيل الصغيرة في الكتاب.

3. الكتاب في معظم مادته ذو طبيعة وقائعية وتاريخانية ؛ بمعنى أنّه يكتفي بعرض الوقائع وأرخنتها من غير الغوص عميقاً في دراسة الخيوط الخفية المؤثرة في تشكيل الأدب وصناعته، وليس هذا بالأمر الذي يقلّل من شأن الكتاب الذي يتوجّه لمخاطبة القارئ الغربي وليس العربي. هذا الكتاب سيكون بالتأكيد مصدراً ممتازاً لطلبة الدراسات العليا ؛ لكنّ الباحثين المدققين في تاريخ الأدب العربي سيكونون في حاجة لكتب أكثر تخصصاً.

4. الإختلاف بيّن في أسلوب الكتابة. واضحٌ أنّ المستعربين يكتبون بطريقة تعلي شأن الاعمال الكلاسيكية وتغفلُ شأن الأعمال الحديثة. الاتجاه الكلاسيكي بشكل عام له طغيان واضحٌ في نمط الكتابة وأسلوبها حتى لو كان الكاتب على دراية بالتوجهات الحداثية في الأدب العربي.

5. ربما كان المختصّون العرب أفضل من نظرائهم الأجانب في الكتابة عن الأدب العربي وبخاصة في الجوانب الحداثية منه ؛ لذا لو زيدت المساحة المخصصة لمساهمة المختصين العرب في مثل هذه التواريخ فربما سيكون أمراً له نتائجه المحمودة. نعرف أنّ بعض المختصين العرب قد لايتقن الكتابة باللغة الانكليزية الاحترافية، وهنا لابأس من ترجمة مساهماتهم إلى اللغة الانكليزية من قبل مترجمين إحترافيين ذوي معرفة بشؤون الأدب العربي.

خطوة ممتازة أقدم عليها المركز القومي للترجمة في مصر بترجمة هذا الكتاب المرجعي، ولعله سيكون بشارة ودافعاً لترجمة باقي أجزاء تاريخ كامبردج في الأدب العربي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top