مرساة: مثلما لو كان الحرّ بردا

حيدر المحسن 2022/11/30 12:24:18 ص

مرساة: مثلما لو كان الحرّ بردا

 حيدر المحسن

الليلةُ مظلمةً وأنا وزوجتي مبللان بالعرق، عاريان تقريباً، وسقف الشقة وجدرانها مع الأرض الاسمنتية تشعّ سخونة تزيد من حرارة الجوّ، تنهدّت ليلى: «تكلّمْ معي». ثم صاحت بعد قليل: «تكلّمْ معي وإلا فإن عقلي سوف يضيع مني».

وشرع ابننا محمد بالبكاء، وهزّته ليلى بين ذراعيها المبللتين بعرقها وعرقه. الكهرباء عاطلة منذ أكثر من شهر، ونوافذ بيتنا الصغير مفتوحة على مستنقع المجاري القريب. مع تقدم الليل كان الهواء العطن يتخلل مسامات جلدنا لتستقر زهامته في عروقنا واللحم والعظام. "الولد يموت من الحرّ وأنت ساكت". قالت ليلى ملتاعة، الظلام والحرّ والرطوبة، بالإضافة إلى التعاسة التي ترمينا فيها حالة الإعواز، والتي ليس لها حلّ بسبب سوء الحظّ الملازم، كلّ هذا جعل لصوت معبودتي صدى موحشا، فتخيّلتها عجوزا تجلس قربي، وكان ضياء القمر يصبغ شعرها بظلال بيضاء. الطفل يتعرّق بغزارة، وامرأتي تسيل عرقا، وأنا كذلك. القمر ما هو إلا تمثال شاخص في السماء يحكي للجميع عن فقرنا وأحزاننا، بينما يشعّ بأفانين السعادة للأشخاص الموقّرين بالغنى في هذه الحياة الفانية. حدائق غنّاء ونسيم يشبه ما يلطّف جوّ أهل الجنة، مع فراهة في العيش بكلّ معانيها، ونعيش بالمقابل نحن الفقراء في الجحيم ونحن أحياء. بكى الطفل، وكانت معبودتي تهوّي جسده الضئيل بثوبها المرمي إلى الجانب بسبب الحرّ والسخونة:

«الذباب والبق لايعيشان هنا. النمل الفارسي وحده يتحمل هذا الجحيم». قالت ليلى، وعاد محمد إلى النوم بين ذراعيها، وكان يبتسم أثناء نومه. أمه تئن وتلعن الظلام والصيف وتشتم النمل. في تلك اللحظة علا أذان العشاء، وفزّ الطفل من رقدته، وأخذ يبكي. حاولت زوجتي أن ترضعه لكنه تقيّأ. القمر في النافذة سمح لنا برؤية القيء، غطّت رائحته على أبخرة المجاري الطافحة.

«يبعث لك البلاء».

صاحت زوجتي به، وصفعته على وجهه، وقامت تحمله إلى الحمّام. عادت، بعد أن صفعت باب الحمّام، وكانت تشتم الظلام والحرّ والنمل الفارسي. عاد محمد إلى النوم مباشرة بعد أن ألقمته ليلى ثديها، وهو يرضع، تنهَّد تنهُّد حمامة. لم تكن هناك ريح وكان احتراق لهيب الشموع واضحا ومستقرا. ليلى تفترش الحصيرة مع ابنها على الأرض، وكنت منسجما، لولا الحرّ والعرق الغزير، في انحناءات جسمي وسط الكرسي بالقرب من النافذة، أغمض عيني أحياناً، وأتنفس ببطء وانتظام، أحاول أن أستنشق هواءً فيه بعض النقاوة، وأخرج من جوفي الهواء القديم. أقول في نفسي ليس هناك حدود للأذى الذي يقع للناس في بلدي. إن مقدارا صغيرا من الاهتمام من قبل الحكومات بشعبها يكفي ليبتعد الناس عن التفكير بالثورة. وماذا عن الخطف من قبل العصابات الذي يتعرّض له الأثرياء، والذي أزال النعمة التي كانوا يتمتعون بها، وكذلك السجن والتوقيف لعامة الناس، والمعارك بين العشائر والتي يمكن أن تطال البريء والمجرم والقدّيس والضالّ. فهل أنت بعيد عن كل هذا وتبتئس؟ قلت في نفسي، يمكنني بعد حين أن أنسى الأوقات الصعبة، الأوقات السيئة. عندي خمس وأربعون عاماً. ألم تكن في حياتي أوقاتاً حلوة؟ لا يمكن أن نقول إلى الجحيم بكل شيء وكل إنسان لأن الكهرباء عاطلة والمجاري طفحت منذ أيام. أين ذهب الشعور الغريب الذي يسيطر عليّ عندما تضع زوجتي ثديها في فم الطفل، وتتحدث معه بشكل جميل. أفتح عيني الآن وأحدّق في باطن كفيّ وظاهرهما، لا يمكن لشيء أن يخفي حقيقة أنهما كانتا ترتجفان، ولو قليلاً. لكن ليس هذا كل شيء. هتفت بي ليلى:

«أنت ساكت، كيف تطيق هذا الحرّ ولاتتكلم؟ تكلّمْ، قل أيّ شيء!".

واهتزّ كتفها من الحرّ فجأة مثلما لو كان الحرّ برداً!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top