المرويات رمزيات الماء البدئي

المرويات رمزيات الماء البدئي

ناجح المعموري

لفت انتباهي الشاعر علي أبو عراق بخزان ذاكرته المهم محتفظاً فيه ومتباهياً بكل ما استمع له ودونه من مرويات الذاكرة الشعبية وشكرته عندما بعث لي ما أصدر من التقاطات شعرية وأعطاها حياة نابضة بالروح

وكل ما يوحي بأن المكتوب جديد أو قديم للغاية حتى حاز لحظته المغايرة في الحاضر / الجديد وهذا الذي لمسته تكرر مثيراً لي وأنا أقرأ مجموعتين لراوية جديدة هي نوال جويد.

كانت مرويات الماضي التي اختزنتها وسجلتها بروح شفافة وصادقة تطفح فيها شعرية المفردات العامية التي ابتكرتها المرويات الذكورية أو النسوية وعاشت قانعة بالتداول بين الافراد والجماعات في الليل والنهار، لكني واثق بأن المساءات هي زمن الاتصال والتداول لأن الليالي طويلة، خصوصاً النسوية. ومن يقرأ حكايات نوال جويد يشم رائحة ليالي الشتاء في الأهوار ويتعايش مع ما تفوح به المياه وكأنها تمنح شيئاً من المخزون فيها مادياً أو نفسياً وروحياً. ولذا أنا أعتقد بأن الاهوار باقية بمقاومتها على الرغم من الموت الذي قررته السلطة لها، لأنها أدركت جيداً بأن الأهوار / الماء وما اختزنه هو الحياة التي ستبقى، والسلطة لا تريد هكذا بقاء وحياة أزلية. لأن السلطة تعرف منذ أن ادركت ما تريد وعرفت ما يجعلها باقية ومستمرة وهو القوة ومعاينة كل فرد لديه روح مختلفة، ومضادة وأول ما يستهدفه الفرد هو السلطة. وهذا أمر خطير ومقلق لها.

من هنا يتحول الماء الذي هو أول الموجودات في الحياة لحظة الخلق والتكوين هدفاً للسلطة، لأنه قوي، بارد وحار، كريم تزدحم به الأهوار، ويلتقط التهامس والأصوات المرددة للشعر والغناء، بمعنى الماء قوي وجبار، معاند مثلما حصل له في البدئية الأولى اسطورة الخلق والتكوين السومرية.

الماء هو الحياة البدئية، وهو السهل والبسيط، القوي جداً والضعيف، استطاع انتاج كل جماليات الحياة وفاضت به السطوح المائية، حتى ما اعتاد الافراد والعيش معه والحياة فيه هو مائي ولهذه الاسطورة التي كونت آلية نشوء السلالية فيه، حازت كونيتها العظيمة وظلت متكررة بما انطوت عليه من مقدسات وطقوس مع كل ما رافقها من شعريات هي جمال السطوح المائية، التي صارت غناء ورقص، تضعيفاً ينطوي على اشارات ارسال للاخر العشيق حتى تدنو اليه ومنه لحظة التشارك الثنائية بين العاشق والمعشوقة وهما اكثر مفردات الشعر والغناء حضوراً وتردداً وصدى في طقوس المعابد وصلوات الحنين للاله الاعظم " انكي / ايا " المجد للماء، والخلود له وللافراد والكائنات كلها التي لا تقوى على البقاء بعيداً عنه.

اختزن الاله انكي بدئية التشكل الرمزي الاول وتكونت الرموز حيث كان الماء ابرز الصور والاشارة والعلامات الدالة عليه. وظل هذا الاله يتابع عبر التفاصيل الطقوسية البدئية كيف تتكون اللغة معتمدة على اشاراتها ورموزها ولم تكن معقدة تلك الآلية الاولى العظيمة بل هي سهلة، مرنة، طيعة، شفافة القت من عطر بدئيتها شعرية اقترنت مع شبكة الرموز والعلوم الرمزية الغفيرة متجاورت الرموز وتجاوزت حدود المطلوب نحو ما تحلم به الانثى عبر رموزها الغفيرة وشعرها المرتل في الصلوات وسط المعابد، للجمال العظيم للحظة التي تتبلور بها اندماجه العاشق والعاشقة وكلاهما يؤديان الصلاة اما الاله وحراسه الكهنة وهو يلتقط تأوهات الحب ودبكات العاشق الفرحان وهو يلتقط معشوقته ويضمها بين اصابعه وبالتالي تضيع بين يديه وينشغل وسط المعبد بلمسة الجسد المائع واستعادة صلادته.

كتاب مشحوف خريبط مرويات محفوظة وتأزت بالتجاور مع بعضها وتم جمعها ولملمتها بعنوان واحد، هو الاكثر قوة، دالة على قوة المرأة الممنوح لها حضوراً نادراً ما تعرفت عليه النسوة ايام زمان التقطت الراوية حكاياتها من الزمن الاجتماعي وتوجد فيما بينها وتتحول الى مرويات تمنحنا فرحو وسعادة وتوفر لنا فرصة تكوين شبكة معقدة من المسموعات يقود اليها ونلوذ بها، لان مساءات الاهوار تحتاج احلاماً وتريد انيساً، فلا غير الصوت بحضوره الهادئ والقوي يرمم ما يحتاجه الجسد عندما يشعر بالبرد.

اشار الاستاذ سعيد الغانمي بأن المرويات هي الاكثر اهمية لانها تحدث في الزمن الاجتماعي ومثل هذه المرويات بطبيعتها تدخر حضوراً بهياً للشخص الجريء وتتعامل معه عبر محكيات عن تحققاته التي سجلها الزمن الاجتماعي وصار بطلاً، لكنه غير ملحمي.

توصلت الراوية نوال جويد الى مهارة الاستعادة والروي من اجل التسهيل بواسطة لهجة شعبية، مرنة / لينة، شفافة وكان اللهجة العامية اختزنت في ذاكراتها بعضاً من جمال لغتها الاولى التي هي البدئية في عصر ما. لذا تمكنت اللهجة العامية من الوصول الى سيادة شفوية تجازوت كل ما هو شفوي الشعر، الغناء، المسرح وتحررت كلياً مثلما قال محمود درويش عن نحوها الضابط والحركات المانحة لها الجمال كله.

لم تكن مهمة وضع معجم للمرويات كهوامش في خواتم المرويات الشعبية، لان المفردة ومعناها سلالة زمن الماضي وليس سهلاً التعرف على المفردة وما تعنيه ومثل هذه المحاولة تجربة انثربولوجية تمنح الكاتب فرصة التدوين وتسجيل المفردات ومعانيها وحفظ زمنها الماضي الذين حاولنا استعادته عبر جمع الحكايات وتدوينها والتوصل الى ما انطوت عليه من دلالات ومعان. في محاولة الشاعر علي ابو عراق برزت الحياة اليومية وتفاصيلها الاجتماعية ومصاعبها وآلية مقاومة المصاعب التي تفضي الى ما هو اصعب واعقد.

وكلما ازدادت الحياة بمتعبها اشتدت الانشغالات بضرورات التعرف على ما يساعد الافراد على حلول تفتح منافذ جديدة للتعرف على حلول يقدر عليها الكائن، تجعل من حياته معيوشة ومقبولة. وبالتالي يذهب الكائن الفرد، المرأة الرجل، والجماعات معاً من اجل صياغة انموذج لما يريده الجميع، ويتفق عليه، بمعنى التوصل الى الهوية الخاصة التي صاغها الكل، اعتماداً على المرويات والمصاعب والمتاعب بوصفها رأسمالها الاجتماعي والثقافي.

فالهوية مكون اجتماعي عام، وفردي، لكنها بنموذجها الاجتماعي المتفق عليه هي الاقوى في تمثيلها للوحدة الاجتماعية والثقافية، بل هي سيرورة لاستمرار وتتابع التماثل والتمايز الذي يسعى اليه الجميع.

وتستقر الهوية مع كل الحيازات المتغذية يومياً بالتجارب والمصاعب وحلولها، حتى تصير نوعاً للخزان البدئي الخاضع للاستجابة المستمرة وتتمركز بالتالي " هابيتوس " الموحد لمفاهيم الافراد ومعرفتهم للحلول التي تتضمنها المرويات كنوع من الخبرة والمعرفة.

انا اعتقد بأن المرويات وكل الاحتياجات الثقافية اليومية هي بذور الهابيتوس المعتاد عليه واستمرار التغذية به كحلول لبعض الاشكالات، حتى تحول متمركزاً للافراد والجماعات لانه يعني الثقافة الاجتماعية المختزنة لدى الافراد ويتكشف بالتالي تكوناً معبراً عن قوة الوجود والمقاومة ويصير دالاً على ما يمثل بالنسبة للافراد او ما يعبر عن هوية الجماعة وتظل هذه المكونات الثقافية مستجيبة للسيرورة شبيهة الاحلام بارتحالها مكتنزة بيوض خزانها الاجتماعي والتاريخي الرابح بقصصه كما قال بول ريكور. فالتطور التاريخي الحتمي وحركته من عتبة لاخرى، ومن جماعة لاخرى جديدة واشار بورديو الى ان كل هابيتوس هو خاص وهو ياتياً.

وسأحاول مرة اخرى الحديث عن اللهجة العامية وما قاله المفكر الكبير مصطفى صفوان.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top