مع افتتاح معرض العراق للكتاب 2022 .. الكتب: تلك الكائنات المتفردة الخالدة

مع افتتاح معرض العراق للكتاب 2022 .. الكتب: تلك الكائنات المتفردة الخالدة

لطفية الدليمي

الكتاب تاريخ وذاكرة حية وقصة مستدامة لايخفت بريقها مع السنوات. نتشكى كثيراً من إختلاف شكله الفيزيائي وتغاير طبيعة تداوله وتسويقه وغلبة موضوعات بذاتها دون سواها ممّا تريد كبرى دور النشر تسويقه في سياق ستراتيجيات ثقافية نغفل خلفياتها في العادة ؛

لكنّ الكتاب هو الكتاب ! هو المعشوق الذي لانستطيع المرور به والتمعّن فيه مثلما نفعل مع أكسسوارات أو عطور أو حلى ذهبية أو سيارات فارهة. ثمة في الكتاب جوهر يستعصي على التقادم والفناء. إنه فكرٌ مكنوز في أوراق أو مصنّفات ألكترونية. لايفارق ذهني صورةٌ متخيلةٌ أراها كثيراً: كم كانت حيرة كلكامش ستبدو عظيمة لو عرف بوجود مخلوقات في الكون إسمُها (الكتب). أظنه كان سيبطلُ رحلة بحثه الملحمي عن الخلود. مالَهُ والخلود إذا كان سيخلدُ بين دفتي كتاب ؟ الخلود هو خلود الأفكار في نهاية المطاف. ليس مايخلدُ في هذا العالم سوى شيئين إثنين: الكتب (لتكن الافكار، لافرق !)، والافعال النبيلة. كل ماسوى ذلك قبضُ ريحٍ مآله إلى عدم مستديم.

نمتعضُ كثيراً عندما نشهدُ، وعلى نحو يومي، قصف دور النشر لرؤوسنا بسيلٍ لاينقطع من جديد الكتب المؤلفة والمترجمة في شتى الصنوف المعرفية. الامتعاض هذا ليس سوى إشارة مضمرة إلى حسرة في نفوسنا: كم سنقرأ من هذه الكتب ؟ ومتى ؟ أليس من طلسمٍ شفري مثل حجر رشيد يفكك لنا هذا القانون الشرطي في حياتنا: نحن محكومون بعدد محدود من الكتب التي نستطيع أن نقرأها ونحاول معها فهماً وتمثلاً بقدر ماتتيحه إمكانياتنا الذهنية والجسدية. حتى مع شغف كبركان متفجر لانستطيع التعامل مع أكثر من ألفٍ أو ألفي كتاب أو ربما ثلاثة آلاف لمن أوتي شغفاً عظيماً ووقتاً مديداً. أين هذه البضعة آلاف من ذلك السيل الجارف من الكتب التي نراها ويسيلُ لها لعابنا حباً ثم لانستطيع لها قراءة ؟ لكن تبقى كثرة الكتب – إنتاجاً وتداولاً وموضوعات – بَرَكَة في حياتنا. مثال الكثرة هنا مثلُ كثرة النساء أو الرجال في العالم. هل يُبْطِلُ الرجالُ محبة النساء بداعي كثرتهم ؟ وهل تكف النساء عن محبة الرجال بذريعة زيادة أعدادهم ؟ الكثرة بركة مستحبة، وتتيحُ لك خيارات كثيرة أفضل مما تحب.

كل عظماء العالم ومفكريه وفلاسفته كان لهم الكتاب صديقاً ومعشوقاً أبدياً. لاإنجاز مؤثراً في تشكيل العالم ودفع ارتقائه العلمي والتقني والفلسفي من غير قراءة وكتاب. كل الدول تحرصُ على إقامة معارض للكتب ؛ فالكتاب فضلاً عن أهميته البراغماتية صار عنواناً للدولة مثل جهازها القضائي ودستورها ونوعية صناعاتها المميزة وتراثها الفكري وأيقوناتها الأدبية والفلسفية. هل نعدد بعضاً من أعاظم معارض الكتاب ؟ إنها كثيرة: معرض فرانكفورت والرياض والشارقة والقاهرة ولندن وهونغ كونغ وبوينس ايرس.... إلخ. كل دولة ليس فيها معرض كتاب سنوي إنما هي دولة ناقصة القدرة في توظيف سياساتها الثقافية الناعمة لخدمة توجهاتها الستراتيجية العليا.

معارض الكتب مشاريع مكلفة مالياً ومعقدة في جوانبها اللوجستية (التنظيمية)، وهي في العادة مما لاتنهض بأعبائه سوى هياكل مؤسساتية مدعومة بإمكانات الدولة. تبدو مؤسسة (المدى) متفردة في هذا الجانب ؛ فهي تنهضُ بعبء إقامة مثل هذه المعارض منذ سنوات عديدة من غير أن تكون مسنودة بإمكانات دولة. هذه حقيقة مؤكدة يجب أن نضعها دوماً محلّ أعظم مستحقات التقدير في عالم النشر والكتاب.

أتابعُ منذ سنوات عشرٍ، وربما أكثر قليلاً، مسيرة النشر في مؤسسة (المدى). متابعتي الحثيثة هذه لها سببان: أولاهما عام يكمنُ في أنني بحكم تكويني الثقافي واهتماماتي الفكرية أتابعُ، بقدر الاستطاعة المتاحة، ماينشرُ في دور النشر العربية والعالمية، والثاني سبب خاص ناجم عن مساهماتي الاسبوعية في الكتابة بجريدة (المدى) فضلاً عن أنّ كتبي المؤلفة والمترجمة تصدر عن دار (المدى). لمستُ في الثلاث سنوات الاخيرة ارتقاء واضحاً في نوعية الموضوعات التي تصدر في هيأة كتب مترجمة عن (المدى). ثمة موازنة ثنائية دقيقة صعبة الاشتراطات والتحقق يجب أن تحافظ عليها كل دار نشر محترمة: أن تحقق مقروئية مقبولة لكتب ذات مستوى فكري معقول وليست من تلك النوعيات التي تتناغم مع مزاج السوق والطلبيات السائدة. أستطيعُ القول بثقة مقبولة أنّ (المدى) حققت نجاحاً جيداً صعب المنال في الايفاء باشتراطات هذه الثنائية عسيرة المنال، ولأجل أن لايكون الكلام عاماً مسترسلاً من غير شواهد سأشيرُ في الفقرات التالية إلى كتب حديثة نشرتها (المدى) أرى فيها مثالاً على نجاح ثنائية (المقروئية / المثابات الفكرية العالية):

- سوء حظ: ذكريات صحفي في زمن الانقلابات

سيرة في غاية الامتاع – برغم سوداوية وقائعها وفنتازية زمنها العراقي -، كتبها الاستاذ (سهيل سامي نادر). هي أكثر من سيرة. فيها تفاصيل دقيقة تكشف عن الواقع العراقي أفضل كثيراً من بحوث أكاديمية مشاعة. أعجبني كثيراً في صفحاتها الاخيرة الوصف الباثولوجي الدقيق لحالة (نوبات الذعر) التي عاناها نادر في مغتربه الدانماركي. نادر شخص متفرد بمواهبه وايثاريته التي ضاعت (أو ضيّعت) بفعل مقادير الزمن وخصال فردية خاصة به.

- في البحث عن الزمن: رحلاتٌ في بعد مدهش

رحلة رائعة في موضوعة (الزمن) في جوانبها الثلاثة: التاريخية والفيزيائية والفلسفية. كتبها (دان فالك) الصحفي المولع بالصحافة العلمية، وهو فضلاً عن الصحافة حاصل على دكتوراه في الفيزياء. كتبتُ عن الكتاب عرضاً نشرته (المدى) في أحد أعدادها.

- بحثٌ لم ينته: سيرة ذاتية فكرية

هذه سيرة ذاتية يتداخل فيها الشخصي بالمعالم الثقافية والسياسية للعالم منذ بدايات القرن العشرين وحتى وفاة كاتبها ذائع الصيت، السير كارل بوبر، عام 1994. أعترفُ أنّ هذه السيرة الذاتية عالية الدسامة وتمثل مادة قرائية مستطابة لمن إعتاد مجاورة الاعالي الفكرية والفلسفية.

- اللانهاية والعقل: علم وفلسفة اللانهاية

هذا كتابٌ لم أتوقع أبداً أن تعمد دار نشر عربية إلى ترجمته ؛ لكن (المدى) كسرت توقعاتي وفعلتها. كتابٌ رائع كتبه الرياضياتي – الفيلسوف – مؤرخ العلم (رودي روكر)، وترجمته الاستاذة (رزان يوسف سلمان) ترجمة رصينة تستوجب الاشادة.

- كارل ماركس وولادة المجتمع الحديث

هذا عمل من طراز الاعمال التأليفية التي تتطلب حفراً فكرياً صبوراً ودقيقاً. بانوراما فكرية مخدومة بوثائق مهمة كثيرة. ألّف الكتاب المؤرخ السياسي والتاريخي (ميخائيل هاينريخ) وترجمه الاستاذ (ثامر الصفار). كتاب رائع لمن يبتغي استكشاف الجوهر النبيل لماركس والفكر الماركسي.

- ذرات اللغة

كتاب رائع يبحث في أساسيات اللغة: ممّ تتكون اللغة ؟ وكيف تنشأ ؟ وهل اللغة سلسلة عناصر أولية مثل الذرات التي تكوّن كلّ المواد في عالمنا. يطوف الكتاب في عوالم علماء باحثين في هذه الموضوعات مثل تشومسكي. كتب الكتاب عالم اللسانيات (مارك بايكر) وترجمته إلى العربية الاستاذة (رزان يوسف سلمان).

- لماذا نقرأ الادب الكلاسيكي

سياحة فكرية وتاريخية مبهجة يوضح فيها الروائي (إيتالو كالفينو) كيف دخلت أعمال أدبية دون غيرها في المعتمد الادبي الغربي وصارت تعدُّ كلاسيكيات عالمية. الكتاب مكتوب بلغة كالفينو التي لاتشبه لغة سواه، وبعباراته المميزة لرؤيته الابداعية. كتبت عن الكتاب مادة مستفيضة منشورة في (المدى).

* * *

ثمة إشارة مميزة يجب التوقف عندها، أعني بها ظاهرة الطبيب / المترجم. أشيرُ إلى إسمين كبيرين في هذا المجال:

- الدكتور علي عبد الامير صالح الذي يعمل بمواظبة عظيمة على ترجمة روائع الاعمال، ومنها نسبة جيدة صدرت عن المدى. من الاعمال الحديثة التي صدرت له مؤخراً (فيلسوف القلب: الحياة القلقة لسورين كيركيغارد) للفيلسوفة (كلير كارلايل)، ورواية (العلاج بالمياه) للروائية (صوفي ماكنتوش). أراها خطوة محمودة عندما أدار الدكتور صالح دفة بوصلته الترجمية تجاه عوالم الفلسفة والفكر ولم يكتفِ بروائع ترجماته الروائية.

- الدكتورة رشا صادق: كانت معرفتي الاولى بها عبر كتاب (في البحث عن الزمن) الذي أشرتُ إليه أعلاه. وجدتُ فيها شغفاً عظيماً ورشاقة وتمكناً في الفعالية الترجمية صياغة وخلفيات فكرية. واضحٌ من أعمالها أنها تشبع موضوعاتها قراءة لكي تزيد الترجمة ثراء. قرأت بعد كتابهاعن الزمن سلسلة ترجماتها الروائية: (رجال مهمّون)، (قضية المانغا المتفجرة)، الرجل في القلعة العالية)، وهي كلها أعمال مهمة لروائيين ذوي إمكانيات تخييلية وقدرات كبيرة وبخاصة (فيليب ديك) أحد أكبر أساطين رواية الخيال العلمي المعاصرة والذي تحولت رواياته إلى أفلام سينمائية ذائعة الشهرة. أتمنى أن تواصل الدكتورة صادق تعاونها مع دار (المدى).

* * *

من المهم في هذا المقام الاشارة إلى الادب الروسي وترجمات الدكتور (تحسين رزاق عزيز) الباهرة.

كانت الاشارات السابقة إلى كتب قرأتها ؛ وإلا لو أردنا تعداد الكتب المميزة المنشورة عن (المدى) فكثيرة وأكبر من قدرتنا على قراءتها وتمثّلها. مائدة (المدى) عامرة بأطايب الطعام، ولازالت كثرةٌ من الكتب تنتظر دورها في جدول قراءاتي.

وعدتنا (المدى) بالكثير وأوفت بجزء ليس بقليل من وعدها في ظروف محلية ودولية مأزومة تفرضُ ظلالها الثقيلة على عالم النشر والكتاب. بعضُ واجبنا أن نعضّد (المدى) ونبارك انطلاقة معرض (العراق) الدولي للكتاب، وأن نأمل في عناوين لكتب جديدة تجاهد في ملامسة التخوم الفكرية العالية ولاترضى بوديان الفكر وقيعانه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top