إيفين .. حفرٌ في الذاكرة

إيفين .. حفرٌ في الذاكرة

سليم سوزه

ثمّة كتب لا يستطيع المرء معها إلّا أن يتعايش ويتفاعل مع كل صغيرة وكبيرة ذكرَتها صفحاتها. قرأت مؤخراً كتاب “إيفين ..

حفر في الذاكرة” وهو كتاب سيرة ذاتية كتبه الأستاذ جورج منصور، السياسي الشيوعي العراقي والوزير الأسبق لمنظمات المجتمع المدني في إقليم كردستان العراق، عن حياته وتنقلاته وسجونه في معتقلات عدةٍ، أبرزها سجن إيفين سيء الصيت في طهران، عاصمة الجمهورية الإسلامية في إيران.

شخصياً، لست من روّاد قراءة كتب السيرة، إلّا أن هذا الكتاب سيرة من نوع آخر. هذا كتاب أقرب إلى روح الرواية منها إلى سيرة شخصية لسياسيٍ ما.

لقد كتب منصور سيرته في نمط روائي ثنائي المؤلف، إذ لم يكن وحده من يكتب الكتاب، بل كانت زوجته حاضرة وهي تتلو علينا بعضاً من القصص المؤلمة حين كان زوجها منصور بعيداً عنها، في السجون أو المنافي. ثمة أقسام وفصول تكتب فيها زوجته بلغتها آلامها ومعاناتها مع طفلها البكر الرضيع الذي وُلِد ولم يكن قد شبع من رؤية أبيه بعد. كان ذلك في نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم.

منصور الذي غادر العراق في نهايات السبعينيات بمساعدة حزبه، الحزب الشيوعي العراقي، نحو الإتحاد السوفيتي ليكمل دراسته الجامعية الأولية في موسكو ويحصل بعدها على شهادة الماجستير في هندسة تكنولوجيا الطباعة مع دبلوم عالٍ في الفلسفة، يسرد لنا حكايته المثيرة في 350 صفحة، يسردها من اليوم الأول الذي ترك فيه البلد بجوازٍ مزوّر وحتى اليوم الذي هاجر فيه الى كندا كلاجئ جديد. بين هذين التاريخين، أحداث وقصص شيقة وممتعة معجونة بشيء من الألم والمعاناة، إذ اضطر منصور العبور إلى الأراضي الإيرانية بطلب من الحزب الشيوعي العراقي كما فعل أغلب أعضاء حركة الأنصار في جبال كردستان بعد أن أصبحت كردستان منطقة غير آمنة جراء القصف الشرس للنظام العراقي البعثي في نهاية الثمانينيات.

من إيران، تبدأ معاناة منصور وهو يحاول عبور الحدود نحو أراضي جمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقاً. ألقت القوات الإيرانية القبض عليه على حدود تركمانستان وأودعته سجن إيفين الطهراني الشهير. بقي هناك قرابة العام وذاق كل أنواع التعذيب والقمع كي يعترف أنه جاسوس داخل إيران. صمد منصور ولم يعترف على رفقائه الشيوعيين داخل إيران حتى انتهى به الأمر حراً بعد عفو عام من المرشد الإيراني آنذاك، السيد الخميني. بعد ذلك، تزوج في طهران وأنجب ولده البكر وهو ما زال يفكر في طريقة للهرب من إيران. حالفه الحظ أخيراً أن يعبر الحدود نحو تركمانستان ومنها إلى سوريا التي انتظر فيها عائلته ليغادر معهم إلى وجهته الأخيرة كندا بعد قبوله كلاجئ فيها في عام 1989. ومن يومها يعيش منصور وعائلته هناك.

في الفصل الأخير من الكتاب، يتحدث منصور عن تجربته رئيساً لشبكة الإعلام العراقي في آب 2003، وهي أول شبكة إعلام عراقية تأسست بمساعدة الأمريكيين بعد الإطاحة بنظام صدام. استقال من الشبكة بعد أشهر ليصبح مؤسساً ومديراً لقناة عشتار الفضائية في كردستان العراق بين عامي 2005 و2006.

“إيفين .. حفرٌ في الذاكرة” كتاب مآسي ومعاناة مكتوب بلغة محترفة وشيقة. اتسم الكتاب برشاقة عباراته وحلو تعبيراته وحزن نغماته وجمال كلماته حتى أنني لم أكن أشعر بالملل إطلاقاً وأنا أقرأ هذه الرحلة الحياتية الحزينة التي جعلها منصور مادة قصصية أخّاذة بلغته السردية الممتعة وتدوينه الذكي لتفاصيل الحياة اليومية ودقائقها.

هذه رواية جديرة بالقراءة، ليس لأنها حبكة مبهرة من الأحداث والتواريخ، بل لأنها أيضاً واقع يذكّرنا بمعنى أن تفرض الحدود سطوتها على الإنسان، ويصبح هذا الإنسان مغترباً ومطارداً لمجرد أنه يحمل فكراً مختلفاً ومعارضاً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top