تجارب في السينما: الغرانيق تحلق

تجارب في السينما: الغرانيق تحلق

علي الياسري

يرسم المخرج ميخائيل كالاتوزوف في فيلمه (الغرانيق تحلق) صورة الارتباط الابدي بين بوريس وفيرونيكا كمقدمة تسبق حتى العناوين وذلك ليعبر من خلالها الى الخلود الروحي لعكس تداخل الطبيعة الماورائية والحضور الفيزيائي بين شخصيهما في عالمين منفصلين لاحقًا لكنهما متحدين من خلال استشعارات رمزية تُلهم التواصل اسرار البقاء.

كانت الكاميرا بتنويعات اقتراب متغيرة في كل الاتجاهات عمودية وافقية لتغطي الظهور الباكر للحب كعاطفة سرمدية تحفظ ايقاع الفيلم، محاولةً تجسيد فضاءها الممتد دون قيود لاسيما والسيناريو كتبه فيكتور روزوف عن مسرحية له بعنوان (على قيد الحياة والى الابد) سيكرس البُعاد كطريق تضحية يختبر بقسوة ديمومة العاطفة. يتخذ الفيلم من الغرانيق كرمز للحرية وذلك لما يمثله اسلوبها في الطيران من اشارة مثالية للرسوخ والقوة مع امتيازها المهم في كونها كائنات تميل الى ارتباط طويل الامد يجعلها مثال للولاء والديمومة.

في هذا المشهد الذي تم تصويره بلقطة واحدة تتحرك الكاميرا ببراعة لتجسيد الارتباط الروحي. ففي بداية المشهد تقترب بطريقة توحي لوجود روح بوريس ترافق فيرونيكا التي تذهب لاستقبال القوات العائدة من الحرب على امل ان ترى بوريس يحقق حلمها باللقاء مجددًا بعد ان رفضت تصديق موته. يؤكد وجوده كروح الكاميرا التي تخرج من الباص لترتفع الى الاعلى بينما تضيع فيرونيكا في دخان الدبابات، حيث يقول لنا ان هذا الفراق هو نتيجة الحرب المفجعة. غير ان القدر لن يغير من حقيقة وجودهما المشترك وأصرته التي لا تنفصم والتي عبر عنها في مفتتح الفيلم. فكاميرا مدير التصوير السينمائي سيرجي أوروسفسكي تعمل على تواصل بصري يدعم الارتباط الروحي. الحرية التي يعطيها لكاميرته سواء بالحركة او الزاوية تغطي بتجلي واضح فكرته عن اللغة البصرية ودورها في السرد والنسق الدرامي حيث يقول: "يمكن للكاميرا أن تعبر عما لا يستطيع الممثل تجسيده، يمكنها تصوير احاسيسه الداخلية."

و ميخائيل كالاتوزوف (1903 - 1973) كان مخرج سينمائي سوفيتي جورجي الأصل، يعد من أهم المخرجين السوفييت، اشتهر بأفلام مثل الغرانيق تحلق 1957 و رسالة لم ترسل 1960 وأنا كوبا 1964 وأيضاً الخيمة الحمراء 1969 بطولة النجم البريطاني الكبير شون كونري. في عام 1969، حصل على وسام فنان الشعب لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. وفاز فيلمه الغرانيق تحلق بجائزة السعفة الذهبية عام 1958 بمهرجان كان السينمائي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top