قصة قصيرة: رائحة الخوف

قصة قصيرة: رائحة الخوف

فلاح الحسن

كان يهمُ بتقبيلها تحت غطاء دافئ، تصحبه قرصةُ بردٍ في ليلةِ شتاءٍ مُبكرٍ على غَير المعتاد حين دخلت عليهم مجموعة من رجال الامن السري،

فزتْ "رحمة" مرعوبة كأن جاثوم مخيف شلَ حركتها، خنقها، أحاط رقبتها بيديه ليقطعَ أنفاسها، فرأته حقيقة ولم يك حلماً، خطفوه من بين ذراعيها. اخترقت صرخاتُها جدران الشارعِ الممتدِ في عمقِ الخوفِ الذي غطى المدينةِ بأكملِها، يرتدُ صداها من بيوته المتصدعة ثم يتصاعد مُخلفاً وجعاً ينكأ الجراحات المغمسة بآهات لا تنتهي. تتلاشى تضرعاتها في عُتمةِ المكان الذي فقد زمانه وتوقف لحظتها. لم تنفع توسلاتها بهم، تتلقى ضربات كعوب مسدساتهم، لم تشعر بسيلان الدمِ على وجهها رغم حرارته وهو يسيلُ على جبينها، لم تمسحه أو ترفع خُصلات شعرِها الأسودِ الفاحم الذي طالما تغزلَ به وهو بين ذراعيها غارقاً بتفاصيلها. ركلها أحدهم بحذائه الضخم على بطنها وفتح آخر اصابعها المتعلقة به وسَحَبَها بكلِ ما اوتي من قوة، ارتطمَ رأسُها بالجدار. لم تعرف أن فمها ينزف، كانت تحاولُ منعهم من سرقةِ فرحتَها. فَشِلتْ محاولاتُها وانكسرَ كل شيء بداخلها بَعد أن توزعتْ على جسمها البض جروحٌ وكدمات بألوان متعددة من الأحمر الى القاني الى الداكن الى الأزرق المسود ثم فضاءات الروح المنكسرة في اعماقها.

اخذوه، سيُغيبُ عنها ولن يعرف أحدٌ له مكاناً كما اعتاد أهلُ المدينة، كما تخطفُ الذئابُ أفراخَ الحيوانات ليلاً. سيُساق "سلام" الى غرفٍ مظلمةٍ خارج حدود الزمان والمكان، لِيُلاصق جسده الطري الاسمنت البارد في ليالي الشتاء الطويلة مُلتحفاً بصليلِ الحديدِ ومفاتيح السجان وسلاسلِ الأقفالِ الصدئة وصريرِ الأبواب الحديدية. كم هو ثقيلٌ الظلامُ هناك! الساعاتُ ليست كالساعات عندما يفقدَ القابعون في تلك الزوايا الاملَ بوجود ضوء خارجها.

استيقظت على صراخات "رحمة" زوجة "سلام" جارنا بعد أن اقتحموا بيته. تملكني شعورٌ غريبٌ لم انجح في ازاحته عن كاهلي، فقد بثَ بداخلي خليطاً من الأحاسيس المتضاربة- توجسٌ من المجهول وارتباك غير مفهوم تصحبه صعوبة في التنفس، وإعادة تفكير بما مَر، وحسابات لما يُمكن أن يحدث، ينتهي برعشة تعتري جسدي كله. انه الخوف بدأ يجتاحُني ويترك بصمته الأولى على روحي فقد قضيتُ ليلة البارحة لغاية هزيع الليل الأول مع "سلام" الذي اعتقلوه قبل قليل.

اشعرُ بخوفِ "رحمة" الذي تَغوّلَ فيها وتشعبَ، منتظراً أن يقتحموا عليّ الدار. لم أفكر طويلاً وارتديتُ معطفي الطويل ورفعتُ ياقته بعد أن لففتُ رأسي وجزءاً من وجهي بكوفية أبي المرمية على الاريكة وغادرتُ المنزل، مرتبكاً مخافة ان يلحظوا وجودي، وكأن العيون خلفَ جدران البيوت النائمة تُلاحقني، تتربص بي. أُسرِعُ الخطى ويزدادُ الهاجسُ الذي تقمصني ويجعلني أفقدُ السيطرةَ على خطواتي كطفلٍ اتعثر بمشيتي واقدامي تترنح غير ثابتة! وصلتُ الى نهايةِ الطريق المؤدي الى المدرسة القديمة، دخلتُها حتى لا يراني أحدٌ من المجموعة التي اقتادت سلام، فأنا أعرف كلَ حجرٍ فيها وها هي تكلمني:

- معقولة! هذا انت؟ أصبحتَ ضخماً طويلاً ملتحياً، كم كنت تكره المدرسة وتعتبرها عقاباً لك!

توجهتُ مباشرةً الى صفي الأول، كان بابه مكسوراً كما توقعت. كنا نتعلقُ بمقبضه ونتأرجح بعد ان نرفع اقدامنا عن الأرض. ما زلتُ أجهل سر المتعة التي نشعرُ بها آنذاك وكانت السبب المباشر لكسر المقبض في كثير من الأحيان. حاولتُ الجلوسَ على آخرِ المقاعد في غرفة الصف حيث اعتدت أيام الدراسة، لكنه لا يسعني الآن، بعد أن تضاعفَ حجمي وكَبُرَ مرات ومرات. تزايد خوفي وتضخم في تلك اللحظة، واخذ يحيطُ بي، يسبقُني، يقفزُ امامي، صار أكبر مني، انتشرَ في غرفة الصف كله، سَدَ كلَ الفتحات والشبابيك! تسللَ إلَيَّ من أخمص قدمي صعوداً وانتشر في جسدي كله. اضطررتُ أن انتظرَ عودةَ السيارات المضللة ومن فيها الى أماكنهم في مباني الرعب السرية التي نسمعُ عنها حكايات لا تنتهي، ومعهم "سلام".

تبادلت مع خوفي أطراف الحديث، شَكى لي متاعبه:

- مهامي كثيرة جداً، عَليًّ اختراق العقول، اتغلغلُ فيها اشلها، امنعها عن التفكير، اسيطرُ على العقلِ الباطنِ والواعي حتى انتصرَ على الإرادة فيها، اهزُ الجسدَ وأسري فيه كصعقةٍ كهربائية، لِيُصبحَ طوع امري!

- هل صادفت صعوبات في مهمتك، أمْ كان الامرُ هينا؟

- أنا موجودٌ عند الجميع، قد اظهرُ على شكلِ إرتعاشةِ يدٍ أو قدمٍ أو تلعثمٍ في الكلام، اتحولُ بعدها لشيءٍ أعمقَ فأصبِحُ رعباً ظاهراً على كلِ من اتلبسه.

بعد ان اعتقلتْ الحكومةُ اغلب رفاقك، انتابني الفشل فقد اتعبني بعضهم ولم انفَذْ الى عقولهم والانفراد بأرواحهم. حاولتُ ان انتزعَ ثقتهم بأنفسهم، وسوستُ لهم، وجعلتهم يرون التهيؤآت حقائقَ. حاولتُ ان أندَسَ في ذهنِ أحدهم، لِأتمكنَ من تغيّرِ وظائفه الجسدية وأُغلق أبواب العقلانية في رأسه، لكن رفاقك من نوع خاص، يقضون على ما أدُسهُ فيهم. فأنتهج اسلوباً آخر- أتحول الى مقابض مجهولة بأصابعَ حديديةٍ تمسكُ بتلابيبهم وتسلبهم القدرةَ على الصمود، ليخبروا ضابطَ التحقيقِ بأماكن تواجدِ اصدقائهم وجيرانهم أو حتى من مَرَ سريعاً عليهم ملقياً التحية، يذكُرون أي شيء، اية معلومة مهما كانت تافهة لإبعادِ شبحِ اسلاك الكهرباء السوداء الضخمة التي تنزلُ وتصعدُ على ظهورهم بدلاً عن الهراوات تليها الصعقات الكهربائية التي تسري في اجسادهم عن طريقِ اعضائهم التناسلية لانتزاعِ اسرارِهم، لكني أفشل.

اقترحتُ على الشرطةِ السرية ان يَبثوا قصصاً عن آليات التعذيب ومسرحيات الليل المرعبة وصباحات الماء البارد ومنجزات التيار الكهربائي ومآثرِ القراد والقمل والأظافر المخلوعة وروائح ما يفرزه الجسد المحطم وروايات أخرى تتناقلها الالسن عن احواض (التيزاب) في ليالي السجن الطويلة. كانت من بنات افكاري تسريب مقاطع مصورة للزعيم وهو يتوعد معارضيه أو الذين يخالفونه الرأي بتقطيع اوصالهم.

زدتُ من اسئلتي لرفيقي غير المرغوب فيه وأنا أحاولُ ان أعرفَ مصيرَ رفاقي الذين غادروا متعجلين واخذوا معهم كل ذكرياتي الندية:

- هل صادفك "سلام" بعينيه السوداوين الواسعتين وشعره الفاحم وتسريحته المميزة؟ لقد كنت معه مساء الأمس واقتحموا بيته فجراً. حزني كبيرٌ عليه- لا تحده حدود ولا تقيده ضفاف.

- المحاجرُ والغرفُ المظلمةُ الضيقة مليئة بهم يا صديقي، متشابهون، كنت أُجالسهم بعد أن يتعبَ المحققون منهم، أتذكرُ أحلامهم وشغفهم وولَهَهم وانتظاراتهم التي لا تنتهي!!!

- كانوا ينتظرونه داخل البيت بعد اقتحامه، كنا اتفقنا على مغادرة البلاد، لكنهم كانوا أسرع من الحلم

- لا اعرفه، لم التق به سلامك هذا. اليك أحد تجاربي الفاشلة مع أحدهم بعد أن واصلَ صمته إلى أن التحفَ جَسَدهُ لثلاثة ليالٍ برصيفِ الشارعِ، واضاءه المصباحُ المعلقُ في أعلى العمود الذي قُيّدَ عليه قبل اعدامه في الساحة العامة. كانت أشعة الضوء تسقطُ خَجلى على ثقوبِ الرصاصات التي اخترقتْ صدره بعد ان واصلَ سكوته الابدي! كانت تطوفُ حوله ممتداً على الرصيف أغاني الامهات البعيدة:

(نمْ يا ولدي، أغمضْ عينيك واحلم بصباحاتٍ أجمل من رصاصِهم! نمْ- فنومك بداية البدايات ونهايتهم. نومك هذا، سيوقظ النائمين). سيسمعُ هذه الاغاني كل الذين سيلتحقون به في عروجهم الأخير، بعد مرورهم بأقبية الشرطة السرية. جلستُ بمحاذاة جسده المسجى، استرقُ السمع لتلك التراتيل واحاولُ تفسيرَ فشلي في أن أنالَ من صمته الصاخب الذي صمَ آذان المحققين على اختلاف طرقهم وتفننهم في سبر أغواره. أصبحَ طعمُ الهواءِ قربه ثقيلاً ورطباً، كنت أحسِبُ المسافات بين ثقبِ رصاصةٍ واخرى وقسوتها وكمية كرهها للحياة وهي تمزق سنواته العشرين. عددُ الرصاصِ يفوقُ عددَ طموحاته ورغباته!!! يفوقُ همساته لحبيبته، ويتجاوزَ عددَ قبلاته لها. كان اصلبَ من تلك القطع المعدنية النحاسية اللون التي انهتْ حياته. لم يرعبه دويُها وهي تشقُ الهواء نحوه، يسبقُها صوتُ انفجارِها وانطلاقتِها من فوهة البندقية، فشدَ من وقفته واعتدل لحرارةِ اللقاء قَبلَ أن تصلَ اليه، ثم سقطَ على الرصيفِ لينام، رغم الرصاص المشتول في جسده كورقةِ خريفٍ منسية، تسحقها أحذية قوات الشرطةِ السريةِ على قارعة الطريق.

عادَ الَيّ بعدَ أن توقفَ عن الحديثِ ونظرَ بتمعنٍ وكأنه يخترقني، هزني بعنف وكأنه تذكرَ شيئاً يخصني، شعرتُ برعشةٍ تسري بي كلسعةِ برد. حاولتُ ان استجمعَ قواي لِأبعده عني. فجأةً، فقدتُ القدرةَ على النطق وكأن أحداً يشدُ لساني إلى حنجرتي! أختنقُ به، ارتعدُ، تدمعُ عيناي، ترتجفُ يداي، تتصلبُ قدماي. ينظرُ اليّ وهو جالسٌ كضابطِ التحقيق امامي، يتفحصُ ثنايا وجهي، يدسُ أصابعهُ في أنفي، يسحبُ هواءَ الغرفةِ، يفرغها تماماً ويحكمُ عليً بالإعدام خوفاً!

أخرجُ له من كلِ زويا الغرفة، من الازقة كُلِها، من بيوتِ الفقراء ومن فتحات الشبابيك، من أغصان الأشجار المتدلية، من الأغاني، من مقابر الشهداء المعدومين، من آهات الزوجات، من بكاء الثكالى، من أعماق اقبيتهم السرية وسراديبهم المتعفنة!

تعليقات الزوار

  • سعادة السفير الحبيب / نضالكم شوف لنا يا من عشتو حاله الرعب والدمار / يبقى سلام شجاع بصوت الحق

  • رائع يا مبدع كالعادة. .....محبة كبيرة ...

  • Hwaidah Najib

    الواقع المؤلم للأسف أبدعت في الوصف

  • تحياتي دكتور بالها من مقالة تذكرك بعذاب والم احرار العراق في ضل طاغية العصر والبعث المجرم ويالها من حقبة اليمة عشانها وسمعنا عنها بعد سقوط الطاغية حفظ كم الله وكم نحن بحاجة لتذكير الجيل الشبابي دوما وامانة في اعناقنا

  • بدر الازبكي

    راقي .... لا تنكا الجرح .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top