مساءلات حول ايديولوجيا التناص

مساءلات حول ايديولوجيا التناص

د. نادية هناوي

ذهبت جوليا كريسطيفا إلى أن الثقافة الأوربية انفلتت من هيمنة الرمز في القرون الوسطى، فغدا الخطاب الأدبي في العصور الحديثة موصوفا بأنه (سيميائي) لا يخضع للتاريخ وإنما هو خارج التاريخ أي في درجة الصفر وأن ذلك ما جعل هذا الخطاب محتملا.

واتخذت من مؤلف فرنسي عاش في حدود القرن الخامس عشر هو أنطوان دولاسال(1344-1460 أو 1462) مثالا على هذا الطرح، وحللت كتابه(جيهان دوسانتري) المنشور عام 1456 واهتمت بكتاب(انطباعات جديدة عن أفريقيا) للشاعر السريالي رايمون روسيل(1877-1933)

وبحسب كريسطيفا فإن الأدب الأوربي أدب سيميائي يقر بالدليل وليس بالرمز. وغايتها أن تنفي عن الكتاب أنه تقليد لأصل، لذلك عدت كتاب(انطباعات عن أفريقيا) عملا أصيلا وأنه وضع السرد الفرنسي على أعتاب مرحلة جديدة كأول كتاب نثري قابل لان يحمل اسم رواية، فهو عبارة عن تجميع لحكايات ورسائل علمية أو مراسلات سفر في شكل خطاب تاريخي أو فسيفساء لا متجانسة من النصوص، وفيها يسرد دولاسال أحداث حياة طويلة أمضاها في الكتابة والقتال وجباية الضرائب، وكان غرضه تربويا أخلاقيا.

ولكي تثبت كريسطيفا صحة نفيها للتقاليد، اجترحت نظريتها في التناص transtextuallity أو التعالي النصي، وهدفها هو إثبات الأصالة لكتاب ينتمي إلى ثقافة غالبة/ فرنسية، ونفي تبعيته وتقليده لكتاب سابق ينتمي إلى ثقافة مغلوبة/ عربية. وترتكز نظريتها على فكرة أن الرمز منغلق ونهائي وأفلاطوني بينما الدليل مفتوح ولا نهائي كفضاء كتابي متسع وله بؤرة، فيها تجتمع أشتات النصوص. ووصفت كريسطيفا هذه البؤرة بالمسرح لأنها متنقلة لا استقرار لحركتها فلا تُعرف بداية النص من نهائيته، وكل نص يُحتمل فيه أن يكون له واقع ثابت أو يوهم به بما يساهم هو دائما فيه ويكون صفة له أيضا.

وهذه الحركية تجعل كل نص متغيرا في طبيعة نسقه السيميائي ضمن سيرورة اجتماعية ما، فينظم نفسه بنفسه ومن ثم(لا يمكن له التشكل في اللحظة الأولى ولا في اللحظة الثانية من لحظات تمفصله ولا في كليته) وبهذا يصبح النص عبارة عن إنتاجية مفتوحة(إنه ترحال للنصوص وتداخل نصي ففي فضاء نص معين تتقاطع وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى)

ومن المهم هنا التركيز على جوهر نظرية كريسطيفا والمتمثل في أن التناص اشتغال نصي وعبر لساني، ليست له حدود أو أطر ثابتة. وكل الأجناس والأنواع هي عبارة عن تداخلات وتعالقات وانفتاحات ومن ثم لا حدية فيها بل لا قيمة لاجناسيتها.

وهذا أمر ليس خاصا بكريسطيفا، فعموم النقاد ما بعد البنيويين هم ميالون بشكل غير مباشر إلى إلغاء التجنيس من خلال قولهم بالانفتاح النصي. ولكن كريسطيفا تتفرد في أن قصدها من التركيز على النص والتناص ليس خلخلة مفهوم الجنس، إنما قبل ذلك إلغاء فكرة أن للنص أصلا سابقا، ذلك أن السبق يعني وجود لاحق لما هو أصل وهذا ما تراه غير ممكن، تقول:(النص الأدبي خطاب يخترق حاليا وجه العلم والايديولوجيا والسياسة ويتنطع لمواجهتها وفتحها وإعادة صهرها ومن حيث هو خطاب متعدد ومتعدد اللسان أحيانا ومتعدد الأصوات غالبا).

ولا مراء في أن مراد كريسطيفا من نفي الأصل وتأكيد لا تاريخية النص، هو مراد أيديولوجي، يخدم وجهة النظر الثقافية التي فيها يُنتفى الفارق التاريخي الكبير بين الأدب الأوربي الذي عمره بضعة مئات من السنين وبين آداب الحضارات العريقة التي يمتد عمرها إلى آلاف السنين، فضلا عن تجسيد فكرة أن الثقافة الاوروبية نشأت وهي تؤسس نظامها من دون أية قواعد أو أصول سابقة اغتنى بها هذا النظام فكان لها الفضل في ان يشيد عليها ثقافته. وفاتها ان الثقافة العربية كانت هي المتاخمة والسائدة في الجنوب الأوربي وان الشعر العربي فرض تقاليده على شعراء اسبانيا عبر القرون الثمانية التي فيها حكم العرب الأندلس. ولو لم يكن الشعر الغزلي يمارس على وفق تقاليد القصيدة العربية لما تعرض قائلوه إلى اضطهاد محاكم التفتيش.

وما تريده كريسطيفا من وراء تأكيد ان الدليل اشتغال سيميائي عرفه الأدب الأوربي هو انه ليس امتدادا للأدب الشرقي الذي فيه الرمز اشتغال ميتافيزيقي. وفسرت في الهامش على عجالة سبب تحديدها الشعر الصيني وليس العربي، وهو تفسير يعوزه كثير من الدقة، قائلة:(ان الشعر العربي وأن لم يؤثر بشكل آلي في شعر جنوب فرنسا فانه قد ساهم مع الخطاب الجنوبي في تكون وتطور الغنائية الغزلية.. ان العالم العربي.. كان قد دخل من خلال طرفه الشرقي في علاقة مع الشرق والصين ففي سنة 751 تلاقت جيوش خليفة بغداد مع جيوش إمبراطورية تان tan على ضفة نهر تالاس.. ان اللقاء والتداخل شيء حاصل بين الثقافتين العربية والصينية) بمعنى أن لا فضل للثقافة العربية في نهضة أوربا وأن الثقافة العربية تأثرت فقط بالصينية خلال الفتوحات الإسلامية وتنسى أن للعرب قبل الإسلام إرثا ثقافيا من أمم وحضارات قديمة كالبابلية والفرعونية والإغريقية وغيرها.

إن أمر تجاهل هذه الحقائق التاريخية طبيعي يشترك فيه غالبية النقاد والمفكرين الغربيين الذين يحملون فكرا استشراقيا فيه عقدة التفوق الحضاري موجهة صوب الآداب القديمة عامة والأدب العربي خاصة، فصوروا البلاغة العربية والفلسفة الإسلامية متأثرة وليست مؤثرة وأن علماء المسلمين وفلاسفتهم وسيط لنقل الفكر والأدب القديم الإغريقي والروماني، وتضيف كريسطيفا هنا ثالثا هو الأدب الصيني.

وأهم دليل على إتباع دولاسال تقاليد السرد القديم هو سيميائية المرأة فهي(خائنة وجاحدة ودنيئة بوجود شاهد هو راو يتكلم إلى جمهور) وهذه نفسها نجدها في(حكايات ألف ليلة وليلة) كتقاليد راسخة شاعت في العصور الوسطى.

وترى كريسطيفا ان ما جعل الدليل خاصا بالأدب الأوربي هو انتهاء زمن الشفوية كثقافة صوتية وخطاب تواصل إخباري مباشر للجمهور بعد ان أصابه الالتباس في القرن الخامس عشر. وبتناغم الانزياحات إلى ما لا نهاية فرض "الانفصال" تحول السرد من كونه ثقافة شفوية إلى ثقافة تبادل. ولكن كريسطيفا لم تثبت صحة فرضيتها في أن الشفوية انتهت ولم تترك أثرا ثقافيا في الأدب، وكيف تثبت وهي تريد بنفي أثر الشفوية تأكيد مقصدها في نفي أي سابق أو أصل.

وعلى الرغم من ذلك، فان الشفوية ـ زمن دولاسال ـ بقيت متلبسة بالكتابة أو متخللة فيها سواء في تكرار الانزياح أو في ازدواج الصوت، وهو أمر لم تستطع كريسطيفا تجنبه فقالت:(ان كل كتاب في حضارتنا نسخ للكلام الشفوي فان الشاهد والسرقة الأدبية لهما أيضا نفس الشفوية على الرغم من ان أصلهما الخارجي (الشفوي) يحيل على بعض الكتب السابقة على كتاب أنطوان دولاسال لكن هذا لا يمنع كون الإحالة على نص مكتوب تشوش على القوانين التي تفرضها الكتابة الشفوية على النص كقانونين هما التفصيل والتكرار اللذان يفضيان إلى زمنية معينة) وإذا كانت كريسطيفا تحط من قيمة الشفوي/ الرمزي على حساب إعلاء قيمة الكتابي/ السيميائي، فإنها بذلك تحط من قيمة التاريخ الأدبي حين تفترض أن ليس له قوانين، أساسها شفاهي. فالمهم بالنسبة لكريسطيفا هو ان إحالات دولاسال لم تكن على كتب لها انساق كتابية وأصول شفاهية.

ولا يخفى أن التكرار والفصل سمتان، أسست لهما الحكاية الخرافية ووطدتها كتابة الملاحم ومنذ ذلك التاريخ وهما تقليدان شفويان يفرضان نفسيهما على السرد الشرقي والعربي سواء الرسمي منه أو الشعبي. وإذ لا نستغرب من إعلاء كريسطيفا شأن الكتابة لان برأيها الثقافة الأوربية ثقافة كتابية فوقية، لكننا نسألها: كيف تكون الثقافة الشرقية ثقافة شفاهية وهي التي أنتجت آلاف المخطوطات التي من كثرتها ابتدع العرب نظام تصنيف وفهرسة وكان ابن النديم ت 384 هـ أول المصنفين للكتب في العالم بكتابه(الفهرست)؟!.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top