منازل العطراني.. سرد درامي عن الخيبات وضياع الحلم.....

منازل العطراني.. سرد درامي عن الخيبات وضياع الحلم.....

- مؤيد داود البصام

مرت على العراق خلال قرن ونيف أحداث جسام، كان المفروض ان تصدر من الاعمال الروائية ما يغطي هذا الزمن ويناقش التجربة بكل احداثها ومآلاتها،

الا اننا لو احصينا ما قدم من نتاج روائي لايوازي أقل من الربع لما حدث في هذه الحقبة الزمنية، ومن أهم الاسباب التي لم تسمح بظهور نتاج سردي يغطي جوانب هذه الحقبة، عدم الاستقرار السياسي وتداول السلطة عبر الانقلابات العسكرية، التي تنفرد بكونها الالهة لانقاذ شعبها ومن يخالف الواقع الجديد، تهتز العصا الغليظة، والذي يأتي لا يرحم ولا يعرف للآخر رأي، وعلى الرغم مما اتاحه وجود الكثير من الأدباء خارج العراق خارج عتبة الخوف من السلطة الحاكمة، لكن المسالة ظلت تسير على وقع مسيرة السلحفاة، ولهذا عندما تصدر رواية تنقل لنا احداث السنين الماضية عبر القرن العشرين وما قبله من تاريخ العراق بصراحة دون أي انحياز، فأننا نقف متمنين أن يلتحق الاخرين ليقدموا لنا وللأجيال القادمة ما يخشى عليه من الاندثار والنسيان، ويضيع تاريخ الحقب التي مرت على العراق من دون ان تتراكم التجربة ليقرئها الجيل الذي يلي الجيل او ما قبله.

والخاصية المهمة لرواية (منازل العطراني) الصادرة عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق، ب 253 صفحة من القطع المتوسط، للكاتب والناقد جمال العتابي- اول عمل روائي له - أنها تسجل تاريخ حقبة مهمة تناوبت فيها مجموعات مختلفة السلطة ثلاثة مرات لحكم العراق وكل واحدة جاءت عبر انقلاب حمل الافكار المغايرة والمضادة للذي من قبله، (ولكنهم جميعا كانوا يتكلمون كمدافعين عن الشعب العراقي، وانهم حملة شعلة بناء دولة العدالة والسعادة والرفاهية) وهي بهذا تشكل مادة دسمة للتحولات في الواقع ومؤثراته على طبقات المجتمع، والمتغيرات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية على المجتمع والفرد، والعمل الروائي ليس عملا توثيقيا بمعنى كتابة تاريخ، ولكنه يوثق سرديا بالقيم الجمالية والتأملية ما لم يستطعه المؤرخ بالمادة التاريخية الجافة، ليدخل إلى أعماق النفس البشرية ويحرث في دواخلها، وهذه نقطة مهمة تبعد الراوي من الانحياز، وعلى سبيل المثال للحصر: (الحرب والسلام لتولستوي، والأخوة الاعداء لكانتزاكي....الخ).

العنوان ورمزية الحركة.

تحددت حركة بطل الرواية بعنوانها وشخصياتها، وشخصيات، ضمن حدود الرقعة الجغرافية التي شكلت موقع ولادة وحياة البطل التي تمثلت بين المدينة والريف، وبما يوضح حقيقة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، منذ أن فرّ من السجن ومحاولته الاختباء من مطاردة السلطة له، وبهذا تشكل المعنى محصورا بالبقعة الجغرافية التي تحرك فيها البطل من لحظة هروبه من السجن ولنهاية الرواية، مما يشكل لدينا ما يسمى الرواية السيرية التي تتحدث عن (محمد خلف) ضمن هذه الدائرة، التي تمثل العمق الاجتماعي والفكري له، أضافة إلى أن المؤلف لم يتخلص من مرجعيته الايديولوجية التي يؤمن بها، فكان واضحا أنه يتكلم عن جانب من جوانب الحياة والواقع العراقي السياسي، وبحبكة استطاع أن يدور بنا في جزء من أجزاء العراق، ساردا وقائع الحياة بصورة تفصيلية بسرد غير ممل وشاعرية لا تلغي السرد من خلال البطل محمد خلف، رحلة جاءت لنا بعد نضوج البطل وتكوينه عائلة وهو مواكب للثقافة والاطلاع وقارئ نهم، أضافة لكونه رساما مما يعطيه صبغة خاصة في المشاعر والاحاسيس، وهي البؤرة التي اعتمدها السارد دون أن يخوض فيها بعمق في لحظة الوعي المتأخر وسنأتي عليها، إلا أنه ارتبط مصيريا بالنضال من أجل الانسان ما قبل تكوين العائلة وما بعد ذلك من خلال أنتمائه لحزب سياسي يطمح للوصول إلى الحكم، وبهذا حدد وجهة نظره وبنى عليها تفكيره وسوره، على الرغم من إنه قدم لنا البطل في خضم صراعه ونضاله لتغيير السلطة ولم يتعمق في سرد حياته والمؤثرات التي جعلته مناضلا في صفوف هذا الحزب الذي انتمى اليه، خصوصا وهو في الاصل من بيئة ريفية، وكانت لتجربة سجنه من قبل السلطات وهروبه بداية البؤرة التي ستشكل البحث عن الذات والتفكير بجدوى هذا الارتباط ليستعيد عبث ماهية الرحلة واعادة الرؤية الجديدة التي جعلت لذة وجوده ضمن عالم يتحطم أمامه، ويشترك افراد هذا العالم في تهديم اللذة والنشوة التي كان يحسها عندما يفكر بانتصار الجماهير وقيادة الحياة التي تبنى على المساواة والقضاء على الظلم.

الفكرة لاتنبثق مع أحتدام الصراع...

لا تتوقف الرواية عند مسيرة محمد الخلف، منذ هروبه لحين خلاصه، ولكنها تتناول افراد عائلته، والاشخاص القريبن منه، والعلاقات العائلية التي تمثل النسيج المترابط للعائلة العراقية، ضمن بناءها الريفي وليس المديني، الذي شكل مرحلة متأخرة من حياتها، مما جعلها صورة لاستعادة الماضي يتوضح فيها ما أصابنا من نكسات وفشل وأخطاء، أنها أشبه بالملاحم التي قرأناها لكتّاب القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، سيرة ذاتية وجماعية لوقائع مجتمع يعيش الاحداث السياسية ومتغيراتها بكل الابعاد التي تؤثر على حياته، وتشكل البناء النفسي والاجتماعي للافراد والعائلات، وقد أستطاع العتابي من اطلاعنا على هذه المؤثرات ليس بشخص محمد الخلف لوحده وانما بمجموع الاشخاص والشخصيات التي ظهرت اثناء تحركه وترحاله وهو يحاول التخفي والتواري عن انظار السلطة، ولهذا يوقفنا في الكثير من المواقف للحديث عن أحداث هي بعيدة عن لب الصراع الذي يخوضه مع السلطة، ليعطي لعمله مديات بعيدة في دراسة الانسان العراقي واهتماماته، فعندما نتناول شخصية زوجته نقف بروح الاستغراب لهذه المطاولة التي تتمتع بها دون أن يفصح لنا عن مقدار ايمانها بالمبادئ التي يؤمن بها زوجها، ولكنها تشكل الجزء المكمّل من المعادلة، حتى لتجدها تتساوى بالمقدار في نضالها اليومي لحفظ وبقاء العائلة بغياب رب الاسرة لتشكل هي القيادة من الجانب الآخر في عملية البناء للعائلة، بل وفي كثير من الاحيان تنفرد بالقيادة حتى وان كان بحضور رب العائلة، وهي حالة لازمت المرأة العراقية نتيجة غياب رب العائلة وبقاءها لوحدها في ادارة دفة الحياة والابقاء على ثوابت العائلة، نتيجة الاحداث التي مرت على العراقيين، أحداث الاحتدامات السياسية والانقلابات العسكرية، أو سلسلة الحروب التي خاضها العراق، أستطاع الراوي من مسك قضية لم تناقش بصورةعميقة في الادبيات العراقية، وهو نضال المرأة العراقية في استمرار حياة الاسرة، أن كانت متعلمة أو غير متعلمه، ولكنهما يشتركان في نفس المسيرة النضالية في تحمل مسؤولية بقاء العائلة، واستمرار وجودها في داخل مجتمع اختلطت في ثناياه الحياة والبيئة الريفية والمدنية.. (أوصدت الباب حين أدركت ضياع الأمل، أغلقت جفونها قبل الصلاة، وهي ممتلئة بالدموع، لم يطلع عليها الفجر./ ص253.).

لقد حاول الروائي من خلال تغيير ضمير السارد أن يبرز دلالات رمزية يتحكم فيها بالابعاد النفسية لشخوصه، وعلى الرغم من عمق البناء النفسي الا أنه افقدها أن تكون رواية تعدد الاصوات، وما تحمله تجاربه من عمق المؤثر في المسيرة السردية، وهو ما جعل الصفحات ما بعد صفحة 205 سردا وثائقيا، وخرج عن السرد الروائي.

البؤرة. .....

اذا نحينا جانباً كل السرد في تاريخ وقائع حياة (محمد الخلف وابنه خالد) الذي سيتحرك بشكل فاعل في آخر الرواية، وجميع الشخوص الذين شكلوا دراما الرواية، فانه خرج عن التوثيق عندما زرع الشك في تفكير البطل، عندما تفحص حياته أثناء تنقلاته بين المدينة والريف، وأتاح له التأمل والتفرغ لمناقشة ذاته، بعد أن مرت عليه كل هذه الاحداث ليتسائل (لماذا. ...؟؟؟) (لماذا هذا التوارث الأبدي للخسارات الدائمة؟ كم أتمنى أن أهدم هذه الأصنام والأسوار في موطني) وما الجدوى أذا كنا نقاتل ونقتل في القاعدة، والقيادة في واد آخر، مما أعطى للسرد موقع الرواية، خارج حدود أن تكون عملا وثائقيا، ووضعت حداً فاصلاً بين محمد الخلف المتدحرج بكل كيانه وتفكيره ضمن حدود فكرة واحدة، ونقله خلال لحظات التأمل التي اتاحه الاختفاء والاختلاء بذاته الا من جهاز الراديو الذي يربطه بالعالم، بذور الشك الذي يساعد الانسان للبحث عن الأنا الموصل ضمن الفهم الديكارتي إلى الشعور بالعجز، ولهذا فان الرواية التي تصل لحدود هذا الادراك بالقطيعة بين عنصرين يكونان لب القضية في حياة الكائن، تكون قد حققت كشفها الذي يضئ لحظة التواصل بين المتلقي والسارد، وتخرج عن كونها سرد وثائقي، وتقدم سردا دراميا يحدث التقاطع والتحول، وهو القلة من الروايات التي صدرت خلال نصف قرن عن احداث العراق، أن لحظة اليقظة الفكرية طالت وأكلت من الجرف الكثير، وضاع من تاريخ العراق الكثير، ونحن نركض وراء السراب (أوصدت الباب حين أدركت ضياع الأمل)ص253...لم تكن دموع هذه الزوجة الصابرة، على صغائر لم تحققها في حياتها أنما في ضياع الحلم الذي وصلها دون أن يحدثها بذلك من أرتبطت مصيرياً به،(أنت لا ترين مجد النضال!، نساء المناضلين يرين اللعنة، يغشنها، يرتكنن لرجالهن أن يتحدثوا عن أمجادهم وحدهم!، ولا بُد من كبش للمحرقة)،وما زال الجرح نازفاً لاننا أدركنا الحقيقة متاخرين، بعد أن أصبح ماء النهر على حافة البيوت...

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top