عملتان لحقيقة واحدة

آراء وأفكار 2024/02/11 09:50:30 م

عملتان لحقيقة واحدة

أحمد الزبيدي

من دون ميعاد، ذهبنا : دكتور مؤيد آل صوينت وأنا إلى مقام السيدة زينب في القاهرة، ضمن مشاركتنا في فعاليات معرض القاهرة للكتاب، وصادف يوم الذهاب عطلة رسمية في العراق، بمناسبة ذكرى وفاة الإمام الكاظم (6 / 2 / 2024م) وكنا نتصور أننا سنشاهد - نوعًا ما - قليلًا من (التناص) مع الحزن الشيعي العراقي.

وجاءني هذا الظن، بعد أن شاهدنا بعضًا من اليافطات ذات العلامة الشيعية، ففيها رجاء من (علي بن أبي طالب) أن يمد لهم بساط الجنة، وتلك ترتجي بزينب الشفاعة .. وإذا بنا نشاهد فرحًا عارمًا ومحلات توزع الأكل المجاني بين الفقراء، وهم _فعلًا_ كانوا فقراء بأعلى درجات الفقر، يقفون بطوابير طويلة ليحصلوا على طبق صغير من الفول ! وتحت وطأة هذه الدهشة، رحنا نبحث عن سر هذا الاحتفاء . أيمكن أن يكون طقسًا شعبيًا مألوفًا، كالذي شهدناه في مقهى الفيشاوي الملاصق لجدران(سيدنا الحسين)؟ ليس غريبًا على المصريين الجهر بالموسيقى، ولكن المشهد يوحي بمناسبة خاصة ، وما عساها أن تكون ؟ فعاصمة الشيعة (العراق) حزينة جدا على الكاظم وشهادته بالسجن ؟ وهنا جدّته (زينب) أيقونة الحزن الشيعي وصبره ، بل لا يُذكر أي إمام معصوم أو غير معصوم من الشيعة إلا وكانت العتبة التي يمر من خلالها الحزن .. فلِمَ هذا الابتهاج ؟ هنا سألنا رجلًا طاعنًا في الزّي المصري ودالًا على حاله الفقيرة، فأجاب بدهشة أخرى : (الله انتو متعرفوش ؟ دا اليوم ميلاد السيدة زينب!!).

كانت إجابته هذه كفيلة أن (تخيّب !) الجدل بيننا حول أراء علماء الشيعة ، وحقيقة مكان قبر رأس الحسين في القاهرة، وحقيقة قبر زينب فيها؛ والصراع بين قارّتي آسيا : (العراق وحليفه السوري) وأفريقيا وسيدتها (مصر) .. الصراع أو الجدل ليس حول أيّ هذه الحضارات القديمة مَنْ اخترع الكتابة أو سن القوانين، وليس عن الأقدم في تنظيم القوانين .. هنا الصراع عن الأولى بالمقدس ؟ فالسلطة العراقية حزينة _ جدًا _ على إمامها الكاظم، وفقراء السيدة فرحون جدا جدا بذكرى ولادتها وفي يوم واحد لا غير!! .. هنا السرديات هي مَنْ تحدد الحقيقة، وهي من تصنع (التاريخ) وتؤرشفه لا شأن للعقل ولا قيمة معرفية له، فمَنْ يحكم هو الوجدان الجمعي. ففي العراق تنحر القبائل العراقية الغنية المواشي قربة لله ولإمامهم الشفيع، ويأكلون اللحم بحزن مضاعف! وهنا تأكل القبائل المصرية الفقيرة الفول المدمس بفرح غامر قربة لله _ أيضًا _ لذكرى ولادة جدّتهم ..هنا زينب المصرية مختلفة تماما عن زينب الشامية، أو العراقية،! فالسيدة السورية، حزينة على موت حفيدها، ومناصرة (للمقاومة!).. ورأس الحسين لا يغضب من الجدعان، حين يرقصون ويغنون قرب ضريحه ويقدمون القهوة (المضبوطة) بمقدمة موسيقية صعيدية، ويشهرون تماثيل فرعون، الذي طغى على موسى وربه . بينما رأس الحسين في العراق لا يسمح بأي طقس موسيقي خارج حدوده التي تحتفي به، ولا تقدم القهوة إلا حزنًا عليه ... لا توجد حقيقة واحدة، لا يوجد تاريخ واحد، لا يوجد قبر واحد للجسد وأول أسباب التعدد لأن الدين الواحد قد تقاسمته الإيديولوجيات المتعددة على سبعة وثلاثين فرقة .. ولقد أدركت، جيّدًا، لِمَ علينا أن نحرك عتلة الساعة لتغيير فارق الوقت بين القاهرة وبغداد، فالاختلاف ليس حصرًا على الوقت ودورة الكرة الأرضية، يبدو أنه اختلاف في (الثقافة) أيضًا وفي التاريخ والدين والحقيقة .

التفتُ إلى صاحبي وقلتُ له : علامَ نتجادل حول الحقيقة الواحدة؟ وعن حقيقة دلالة الآية القرآنية تلك أو هذه؟ وعلام نتجادل حول من أولى بالخلافة؟ وحول متى يجب أن نصوم ؟ ومن البصير الذي رأى هلال العيد ؟ فإذا كان (الجسد) الواحد له أكثر من قبر، والسردية لها أكثر من راو مختلف، وكل يدعي بأنه الراوي العليم! أدركت (مثالية) الدين الواحد! وهو لا يعدو أن يكون مسوغًا افتراضيا لنظام اجتماعي تتسلط قوانينه على وفق نظامه الاقتصادي والاجتماعي وأدركت معنى قول نيتشه : (السادة تفرض أخلاق العبيد) .

ما تذكرناه، في تلك اللحظة، كيف كانت الطرق مزدحمة جدا، في بغداد، وصعوبة الوصول إلى المطار، بسبب كثرة شيعة الإمام الكاظم السائرين على أقدامهم وسياراتهم إلى الكاظمية ليعزّو الإمام وجده الحسين وجدته زينب ،والمذياع الصوتي في الطرق كلها مزدحم بالحزن الهائل على موت الإمام .. وكيف كانت الطرق في القاهرة مزدحمة جدا بسبب كثرة شيعة زينب السائرين على أقدامهم _ فقط_ إلى مقام السيدة ليهنّئوها وأخيها الحسين بميلادها.. والموسيقى عارمة بالفرح الذي يخربط إيقاع السائرين!! وفي بغداد كان لزاما علينا أن نتوقف لنأكل طبقًا من اللحم الحزين، وفي القاهرة كان لزاما علينا أن نأكل طبق الفول السعيد .

ولما قضينا من اليوم المفارق! كل حاجة، ورجعنا إلى وسط البلد، على موعد اللقاء مع الصديقين: الكاتب علي حسين والروائي خضير فليح الزيدي، وحسب موعد المكان زمانه، وإذا بنا أمام مسجد تلتصق جدرانه بـ (حانة خمر !) . إن المدن العريقة وحدها من لا تؤمن بحقيقة واحدة.. وبها تجد الإنسان أكبر من (الحقيقة) .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top