يوم رمضاني من أيام زمان

يوم رمضاني من أيام زمان

مهدي حمودي الأنصاريلنتخيلْ أننا عُدنا بالزمن للماضي مئة عام، لنجدَ أنفسَنا وسط أناسٍ بسطاء في قرية نائية، لا نلمح فيها أيًّا من مقوِّمات الحياة الحديثة التي نعهدها، فلا طرق ممهَّدة ولا حتى إنارة كهربائية، فقط بيوت طينية متجاورة وزروع وأشجار متكاثفة، حياة بسيطة وهادئة، ليس هناك ضجيج لسيارات، ولا مباراة كرة قدم يُهلِّلون من أجلها، الصوت المرتفع الوحيد هو صوت مؤذن القرية، والذي ركب دابته ليجوب القرية ليعلن أن\"غدًا صيام على ما أفتى مفتي الديار\".

يا لها من فرحة غامرة، ترى كيف كان هؤلاء يقضون هذا الشهر الكريم؟ وهل كانت الأجواء مختلفة عما نعرفه نحن اليوم؟ وإن كان ثمة اختلاف فهل اليوم هو الأفضل أم قديمًا؟ كان أجدادنا رحمهم الله يروون لنا كيف كان رمضان قديمًا، وكيف أنهم يجتمعون بالمسجد في نهار رمضان ليعقدوا ندوة لقراءة القرآن، فيقرأ كل واحد منهم جزءًا حتى يتموا المصحف، ثم يتفرقون كلٌّ إلى بيته ليقضي وقت القيلولة أو إلى عمله أو حقله، وفي هذه الأثناء كانوا يتذوقون حلاوة الصيام بذكر الله وصلة الأرحام، حيث كانوا يتزاورون ويصل كل واحد منهم رحمه، الأمر الذي بلا شك أصبح نادرًا في عصرنا الحالي، ربما بسبب انشغال الناس الزائد بأعمالهم وتجارتهم. في عصرنا الحالي تمتلئ الثلاجات بشتى الأصناف في هذا الشهر الكريم، الذي من المفترض أنه شهر الزهد والتقشف من ملذات الدنيا، حتى أصبح رمضان للأسف عبئًا ماديًّا عند بعض الأسر الفقيرة التي لا تستطيع تلبية كل ذلك، أما قديمًا فلم تكن هناك ثلاجات ولا تكييفات ولا حتى مواصلات كالتي نعهدها اليوم، ورغم ذلك كانوا يسعدون برمضان –في اعتقادي - أكثر منا نحن، وبالتالي لم يعرفوا أمراض التخمة ولا تصلب الشرايين ولا ضغط الدم والسكر، حياتهم بسيطة، أقل القليل يكفيهم، ليس هناك أفضل من متعة قراءة القرآن وتدارس الأحاديث وسير الأولين، كانوا يجتمعون بمكان واسع يسمى الحوش يجلسون ليحلوا ما يعن لهم من مشاكل، لا نميمة ولا بغضاء ولا تحاسد بينهم. ثم يحين وقت الإفطار فيذهب الكل إلى المسجد وقد أخرج كل بيت ما يستطيعه من طعام وشراب إلى المسجد، فيصلون ويختمون صلاتهم ثم يفطرون، ويقف أحدهم خارج المسجد ليدعو المارَّة إلى الإفطار، الكل في تجمع وفرحة لا يدانيها شيء، فرحة الصوم وفرحة اللقاء، يتفاكهون بغير إفحاش ويتحابون بغير ضغينة، ثم يذهب كل واحد منهم إلى بيته ليكمل إفطاره مع زوجته وأبنائه، ربما يكون الطعام بسيطًا لكن يجمعهم جوّ من الرضا يسمو بهم إلى الغاية المرجوَّة من هذا الشهر الكريم، والذي جعله الله زهدًا في كل شيء، حتى تطغى الروح على الجسد، وتتحرَّر من أسر الشهوات لتتفكر في أمر ربها الخالق القدير، على عكس ما يحدث الآن؛ إذ تحوَّل رمضان إلى موسم لتناول كل المشتهيات ومتابعة كل ما يعرضه التلفاز من برامج ومسلسلات ومسابقات وغير ذلك.  انتهى الإفطار فما يلبثون أن يذهبوا إلى المسجد حتى تحين صلاة العشاء، والمسجد تنيره (مصابيح) ليست كالتي نعرفها، وإنما بفوانيس تُضاء بالنفط، فيصلُّون التراويح في جو إيماني بديع، ثم يذهبون إلى بيوتهم وقد حمدوا الله على نعمته، وأن يُتمّ عليهم الشهر وقد غفر لهم. وفي أمسيات رمضان يحلو التسامر والتزاور، حيث يكونون في نهار رمضان ممسكين تقريبًا عن الكلام من فرط التعب والإعياء، فإذا حل المساء رجعت إليهم الحيوية وتشوقوا إلى الأقاصيص والعظات والأحاديث، فكانوا يجلسون عند بيت أحدهم ليتناولوا سير الأوائل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الشؤون الحياتية، تسليتهم في هذه الأوقات هو التمر و اللبن او الشاي حيث كانت هي أطيب المأكولات المميزة في رمضان، ويسود جو من الألفة والمحبة بينهم نكاد لا نراه اليوم، حيث أصبحت العلاقات الإنسانية تحكمها بعض المصالح والاعتبارات الاجتماعية التي أرستها رغوة المدنية الغربية التي لم تعد علينا بأي نفع في رأيي، وهذه ليست دعوة للرجعية ولكنها دعوة لعدم الابتعاد عن تقاليدنا العربية الأصيلة، وعدم طغيان المادة على كل عاداتنا اليومية وحتى الدينية. يجيء وقت السحور، فكانوا يؤخرون وقت السّحور قبل صلاة الفجر قليلا، فيأكلون ويشربون ويحمدون الله خالقهم، ثم يؤذن للفجر فيتوضأون ويذهبون للمسجد لأداء صلاة الفجر في جماعة، وكان المسجد يكتظ بالناس في هذه الصلاة عن غيرها، ربما نظرًا لعلمهم بفضلها، فيدعون الله أن يديم عليهم فضله، وأن يسترهم في الدنيا والآخرة، لكن للأسف في الحاضر نجد المساجد في صلاة الفجر تكاد تكون خاوية من الناس إلا من رحم، رغم أنه قديمًا كان عدد المساجد في كل قرية أقل بكثير مما هو عليه الآن.انتهت الصلاة فيجلسون ليقرءوا جزءًا من القرآن ثم يذهب كل واحد إلى حقله وقد طلعت شمس يوم جديد بكل بطء وتؤدة مؤذنةً بالخير، وما هي إلا لحظات حتى تتربع في كبد السماء مشعَّة بهية تنير الحقول والسماء، تبعث شعاعها الدافئ في كل الأرجاء، الكل في سكينة وعمل وتسبيح، متوكلين على الله ربهم راجين فضله ونعمته.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top