دعوة للابتهاج

دعوة للابتهاج

كاظم الجماسيللعيد الذي سيحل غداً بيننا ذكريات حافلة بالمفارقات، على المستوى الشخصي عندنا كأفراد ولدوا وعايشوا ظروفا تفترق في كثير من توصيفاتها عن ظروف الأجيال اللاحقة، وإذا ما قورنت(استلابات) الأجيال اللاحقة بـ(امتيازات) جيلنا نحن المولودين أبان خمسينيات القرن الماضي،

 حين كنا ننعم ببعض صور(الترف) النسبي في مناحي الحياة العامة، يمكن لنا ان نصفها في ابسط الأحوال امتيازات عيش إنسانية..سنلمس مفارقة واضحة ولكنها مؤسفة مع ما حصلت عليه أجيال الثمانينيات والتسعينيات وما بعدهما حتى اللحظة الراهنة.ومازالت ذاكرتنا ندية بحدائق بغداد العامة سواء الرئيسة الموزعة على أكثر من بقعة في مركز بغداد، او تلك المنتشرة في مختلف مناطق العاصمة أيضاً، مازلنا نتذكر حديقة الأمة وأشجارها الوارفة التي تظلل خمائل الجوري والرازقي التي يغسلها طوال النهار رذاذ النوافير المتدفقة، مثلما نتذكر متنزه بارك السعدون والمتع التي لا يمكن ان تمحى من ذاكرة العوائل البغدادية، ومن ثم المساحات الخضر الواسعة لمتنزه الزوراء، ومن ثم جاءت بعدهما جزيرتا بغداد و الأعراس وغيرها من المتنزهات العامة والخاصة، ولم يك الأمر مقتصراً على الحدائق والمتنزهات،بل كانت في حوزتنا خيارات باذخة، ونحن نتجول في شارع الرشيد او شارع السعدون اوشوارع وساحات الباب الشرقي او في منطقة العلاوي ، ننتقي فيلمنا المفضل لنشاهده بين عشرات العروض السينمائية التي تتبارى دور العرض المنتشرة بكثافة في تلك الشوارع والساحات، بل يتعدى الأمر ذلك إلى انتشار تلك الدور السينمائية في معظم المناطق السكنية في صوبي بغداد، الكرخ و الرصافة، ولن تقف المتعة عند هذا الحد، بل تمضي ابعد من ذلك لتمضي سهرة مبهجة انت وعائلتك، متفرجين متفاعلين مع احد العروض المسرحية التي كانت مسارح بغداد تحفل بها، فهنا مسرح الستين كرسي، وهناك قاعة الخلد وهنا قاعة الشعب وهناك خشبة مسرح بغداد، وخشبتي مسرح الرشيد والمسرح الوطني فيما بعد، فضلا عن قاعات العروض المسرحية المنتشرة في أروقة الجامعات وبنايات الثانويات، بل حتى بعض المدارس الابتدائية.ولم يعدم عشاق الرياضة أماكن فارهة الى حد ما لممارسة هواياتهم الرياضية، فالملاعب كانت تنتشر كما النبت الطبيعي في كل أرجاء بغداد، سواء تلك التي تعود الى الدولة او تلك التي يصنعها الشباب الطافح بالفتوة في المساحات الفارغة بين الأحياء السكنية، لتقام عليها كرنفالات الفرق الشعبية التي لا يجتمع فيها هواة الرياضة ومشجعوهم من الذكور فحسب، بل كانت هناك أيضاً بنات المحلة المتحمسات لفريقهن المفضل الذي يضم بنحو أكيد الأخ والحبيب وابن المحلة أيضاً.أما عشاق التشكيل فلا تفوقهم فئة من فئات عشاق أصناف الفن والإبداع في ممارسة عشقهم على صالات الغاليرهات سواء المملوكة للدولة ام تلك التي يمتلكها بعض عشاق الفن الرفيع، فهنا قاعة كولبنكيان وهناك قاعة الاورفلي وهنا قاعة الرواق وهناك قاعة الرواد وهناك قاعة جمعية التشكيليين فضلا عن قاعات الكليات والمعاهد وكذلك اسيجة المتنزهات والحدائق لتقام عليها معارض في الهواء الطلق.  لقد كان زمنا مكتنزا بالمتعة توجته أماكن اللهو الليلية من بارات ونوادٍ ومراقص شكلت متنفسا صحيا لطاقاتنا يوم كنا نضج حياة وتوقا، وقد تعمقت هوة المفارقة بين امتيازات جيلنا والأجيال التي تفتح وعيها فأصطدمت بهول الحروب وفجائع الاستبداد وباتت منكسرة غير آبهة بالمستقبل قانطة يائسة، واليوم ونحن على أعتاب السنة السابعة بعد الزلزال – الانعطافة(9/4/2003) والعيد يطرق ابوابنا، ينبغي لنا جميعا ان نبتهج حقا، على الرغم من الإحباط الكبير الذي نعانيه في لا مبالاة ساستنا بمصائر الملايين التي رشحتهم لقيادة دفة السفينة، ينبغي لنا أن أنبتهج لا لشيء، وإنما ليس من خيار لنا سوى الابتهاج وإدامة روح الفرح كنوع من أنواع المقاومة الوجودية ضد كل أسباب الحزن وبواعث النكوص، وكل عام ونحن والقراء أينما حلوا بألف بهجة وسرور. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top