سهيل سامي نادر: الرحيل بعيداً عن عتبة الدار، تعليل وأشجان أخرى

سهيل سامي نادر: الرحيل بعيداً عن عتبة الدار، تعليل وأشجان أخرى

سعد القصاب

ما أن تغادرعتبة بيتك حتى تجد نفسك متوغلاً في أحراش هذا العالم، ومثل هذا النأي سيجعل منه مرآة لك، مرة تتطلع الى ماضيك فيه، وكيف أنسل زمنه من بين تعرجات أحداث بعيدة، ومرة أخرى حين يعكس علاقات مع حاضر مليء بالغرابة والعزلة والصمت،

خاصة، وانت تستوطن جزء ناء منه، وفي أرض هي ليست موطنك الأصيل، لكنك رحلت إليها جزعاً من واقع بات مليئاً بالفظاظة، وشديد الغموض، بل قريباً حتى من المجهول.

كانت مغادرة عتبة الدار أذن مناسبة لتعليل هذا الرحيل، وعبر سرد سيكون بمثابة نصوص مفتوحة، ضمها الناقد والكاتب سهيل سامي نادر في كتاب حمل عنوان " نزولاً من عتبات البيت، مؤسسة المدى،2020". مؤلفه هذا ينفتح على استبطان لزمن ما، يعاين تاريخ راجع، ماض كان من صلب الحياة، بل " يفيض عليها ويغطيها"، كما سيأبن في بعض المقالات حتى أصدقاء كانوا يرحلون قبل الأوان.

جاء الكتاب وفق سياق سردي قائم على فن المقالة. مقالات نشرت غالباً في أزمان متباعدة، وفي صحف ودوريات عدة، ومنذ سبعينيات القرن المنصرم. تعددت خلالها أشكال الكتابة، تأملات، نقد جمالي، وثقافي، وذكريات، ونصوص، جميعها وجدت بدافعية الحوار والنقاش الثقافي والمجتمعي، وحينما كانت الثقافة تلامس قليلا مثل هذا الاجتماعي. عدا كونها نتاج ممارسة صحفية بذريعة اهتمام جمالي وفكري برر هذا التنوع.

تندرج أهمية هذا النوع من الكتابات، بكونها قراءة مختلفة، واكاد أصفها بالمضيئة لشدة اشراقتها والتماعاتها، سواء للظاهرة الفنية أوالثقافية أوحتى الاجتماعية، كما تكشف عن اهتمامات الفضاء الثقافي ومنذ مايقارب الاربعين عاماً. تتخللها احالات، مضمرة حيناً وصريحة حيناً آخر، الى مسارات وتعرجات الدولة العراقية، كما تستبطن انعكاسات نتاج الانظمة السياسية المتلاحقة التي توالدت على هامش هذه الدولة، وعصفت بها، والتي يتمثل حضورها كعلاقة قوة جاهزة للتدخل في الحياة العراقية، عدا أن لها قابلية الاندساس بالقوة في الكتابة.

نصوص انطوت على ظرفيتها، لكنها، أيضا، حملت مزاج وانشغالات وتطلبات جيل ثقافي"ستيني" ينتمي اليه الكاتب، وصفه في إحدى مقالات الكتاب، بأن شخوصه كانوا " يحبون التصادم، وبعض خلافاتهم لغوية. أصحاب حجج، يتمردون حتى على أنفسهم، لاترضيهم الثقافة ولا الحياة. ترضيهم – قليلاً أو كثيراً – المذاقات".

منذ أن غادر طفلاً مدينته الاولى والعتيدة " البصرة"، عاش حياة مدينته الثانية "بغداد"، تلك التي منحته بعض كفاية نفسية واجتماعية وتذكارات لصداقات وتذكارات ومذاقات، حتى القبض عليها بعد العام 2003من قبل " أرادة سياسية غاشمة، شوهّتها وسلمتها بيد قوى تكرهها"، ما ترك أجيال ثقافية وفنية عدة في حالة خوف واضطراب واختيار هجرة ومنفى. الكاتب الذي غادر عتبات بيت آمن في احدى مناطق " بغداد"، دفعته حالة المدينة الى الفرار، والعيش في عزلة في مكان بعيد " كوبنهاغن". مثل هذا التاريخ الملتبس الذي سار باتجاه ماض غير مرجو له هو من أختصر عنوان هذا الكتاب.

يسعى نادر، في مقالاته الى أعادة انتاج "تاريخ" من علاقات، ومعارف، وأفكار، ومواقف، "حمل لهجة الثقافة". ثمة أسئلة ملحة لاحقت الكاتب ومضى إلى أن ينسج من خيوطها أراء ومضامين تعنى بالحياة العراقية ذاتها، بالدفاع عنها، وعن قيم المدينة فيها، وهي طبيعة تفكير وانشغالات كاتب مديني، حيث هموم هذا الفضاء الحضري، تاريخه، هي ذاتها أحلامه ونزاعاته وحكاياته التي لا تنتهي، وعن أشياء كانت فيه باتت مفقودة الان. عبر عناوين خمسة، هي بمثابة فصول، جاءت تسمياتها: مدن أحلام ونزاعات، آثار، أسماء وحكايات، تنويعات، والتي أطّرت مقالات الكاتب سهيل سامي، بموضوعاتها المتعددة، والشديدة التنوع.

الاحلام والنزاعات

عبر خطاب نقدي وفني، والذي يكاد ان يكون نصاً تأسيسياً في النقد الفني العراقي، وهو عن تجربة وممارسة فنية سميت بـ "بغداديات" للفنان جواد سليم، بوصفها "سلسلة لوحات تم إنجازها ما بين الأعوام1953ـ1958، تحمل او تنطوي على مقاربة تصويرية، حافلة بالاجتهاد، تمثلت موضوعات شعبية للحياة البغدادية". يعاين الناقد سهيل، هذه التجربة وفرادتها لدى جواد من خلال أنها قد ضمّت مشكلة ثقافية وفنية، لكنها في الوقت ذاته أخذت على عاتقها حلها،" فالبغداديات مكرّسة لبغداد، موضوعاً وثقافة وجماليات"، تمثلت صورة المدينة بعاطفة حانية "مخبأة في قلب رجل محب"، وهو الفنان جواد سليم.

الأعمال التصويرية والتخطيطية هذه، جاءت استذكاراً ليس لواقعية المكان بل تخيلاً لطبيعة الحياة الهانئة للمدينة بغداد، تلك التي عاشها الفنان، يقول سهيل عنها:" مشاهد ساذجة وهازلة بعض الشيء، لحظات صغيرة استعيدت من دون أحزان ثقيلة ولا أسف مزعج، ليس من اهتمامها أن تثير أسئلة شائكة أو تكترث بصراع، حزينة حزن الصور العائلية القديمة، وزمن أي مشهد منها يوازي في أهميته ولا أهميته تواريخ إنتاجها كصنيع فني، فالاثنان صنعا في مشغل منزلي واحد منح الأهمية للذوق والصنعة والأسلوب والإحساس". انها بمثابة مشروع جمالي ينتقي الحكاية والاسرار والمشاهد المدينية وأخرى عن الحياة البيتية.

إن مفردات الحياة الواقعية فيها هي بمثابة آثار ورموز، وطبيعة تعبير فني اقترنت ببعضها، وتضمنت جماليتها كمحتوى ثقافي وفني بصنيعة أسلوبية خلاقة. يتألف عالمها من فضاء تصويري يضم شخوصاً ومشاهد. الشخصيات معتنى بحضورها، ليس جراء ملامحها بل بأثر وجودها في المشهد التصويري للوحة، في بنائها وأنشائها التصويري. ثمة قوة للخطوط في تصوير الشخصيات تختزن أثر التعبير، في مقابل رمزية فلكلورية يتم استعارتها من مشهدية المكان المحلي، البيت/ المدينة، الذي يمكن وصفه بالمكان الثقافي. لقد كان للبغدايات عبر تمثيلاتها دوراً جمالياً، وتأثيراً أسلوبياً جاذباً في حركة الرسم العراقي الحديث.

في قراءته الثانية "ثقافيات المدينة قبل النحت"، يعاين سهيل تحوّل مزاج المدينة، وساكينها، بعد شق شارع الرشيد في العام 1908، في وسط بغداد، الرصافة. لقد بات ثمة طريق آخر، هو ليس الزقاق البغدادي الذي يؤدي الى جميع أمكنة المدينة، البيت، السوق، الجامع، وغيرها من مرتمسات المدينة. كان مثل هذا الفعل بمثابة اطلالة المدينة عن عالم بات يتغير في مدينة آلفت عتقها وعبقها التاريخي المصون. أو هكذا تتأسس الفضاءات الجديدة للمدينة كي تكون مرغوبة لإقامة التماثيل والنصب النحتية. لكن الفضاءات الجديدة في المدن القديمة لا تبعث، فقط، على الدهشة بل على التساؤل، لكون الفضاءات الجديدة لا تكتفي أن تكون أمكنة حديثة في صلب المكان التقليدي، بل هي علاقة، تثير الخيال وتفترض الخشية من التغير في آن معاً، كوننا مجبولون على تذكر ألفة الماضي، وكذلك، لأن أي مكان هو، أيضا، كفاية وجود وخبرة عيش.

العابرون من الاصدقاء

في الفصل المعنون" أسماء وحكايات، اصدقاء عبروا الافق"، سيلاحق الكاتب سهيل تفاصيل مخبأة، وتعبيرات، وتوصيفات غيرمعهودة، بل غالباً هي ذكريات عن ثلة من أصدقاء الكاتب، أو من رافقه في تنقلاته القليلة في العمل الثقافي والصحفي، يكتب عن النقد والكاتب" عمران القيسي" ومشابهات الطفولة في لبنان في خمسينات القرن الماضي. الحديث أيضا عن "جبرا ابراهيم جبرا"، حين يصفه وكأنه يشبه أحد ابطال رواياته. عملا معاً في رابطة نقاد الفن ومجلة فنون عربية، وحيث كان سرده لعلاقة تشكلت على انتباهات جادة، يقول نادرعنه:"وجوده هو، تهذيبه، طريقته في إعداد نفسه، في ذلك اللاضجيج، في المشي بخفي جمل، برشاقته حين يمرّ، في توقفاته التي توهمنا، في فكرته اللاشخصية التي يعرف أن يجعلها شخصية، لكن لا أسرار، أبداً لا أسرار، بل اقتراحات، كأن الأفكار لا تقال كلها لأن الوقت كان قد استنفدها وذابت".

كذلك الحديث عن الصحفي "رياض قاس"والناقد" سامي محمد "، والكاتب" سعود الناصري" هؤلاء الذين رحلوا" بسبب اليأس والالم، والضياع، وضغط السلطة المميت". فيما سيحضر " جوليان سوريل" بطل رواية الاسود والاحمر لستندال بوصفه بطلاً يتجاوزعصره، يحيا في الحب وشديد الطموح إليه.

جدل التنوع

في فصله الاخير والمعنون " تنويعات" يمضي سهيل بتقصي مواقف، وحالات، وافكار، وحوداث، مختلفة ومتنوعة، لكن رغم تعددية اهتماماتها، والتي تبدأ من مؤتمر فلسفي وتنتهي بالكتابة عن فنانين، مروراً بتأبين أصدقاء وتوصيف وجودهم الماضي. حيث كانت مقالات الكتاب شديدة النبل لجهة استذكارهم. نجد أن الانتباهة حاضرة بقوة في تفاصيل الكتابة وطياتها، تلك الانتباهة الدقيقة والمشغولة باحتراز يقظ، وكأنها تتكفل بأفعال وأثار الزمن أو ماتبقى منها، من أجل أن لا تهرب لحظة معاشة من دون توصيف.

في مقالته"بماذا عادوا من مؤتمر فارنا الفلسفي؟" كان ثمة أكثر من إشكال في هذا الحدث الفكري القديم، مرة عن التحفظ على مفاهيم مجردة التي تنظر الى الموجودات أو ظواهرها، ما بين ان تكون جوهراً ثابتاً أو نظاماً كلياً، ومرة في المشاركة العربية في مؤتمر فلسفي، حيث سيكون الغياب والحضور جدلاً، وسيشكل من نفسه "غيابان، غياب في الخارج وغياب في الداخل، الأول مظهر للثاني، والثاني يفسر بالحياة الاجتماعية والسياسية. وذلكم هوالتناول الصحيح". يتحدث عن حضور الفلسفة في الحياة العربية.

أو في مقالته عن صديقه الكاتب المغترب وليد جمعة الذي ألتقاه في المهجر، وتقدير التجربة الثقافية الستينية بوصفها زمن مختلف، لكنها تجربة جيل لم يقدم فيها سوى مواد ثقافية، وهي أيضاً سنوات شباب وتجارب وليست مجرد سنوات ثقافة وسياسة يراد لها دائماً أن يتم تدقيقها وتقويمها. كذلك كانت مقالته " ما الذي يجري في رواية "بطنها المأوى " لدنى غالي؟"، رواية عن الغربة والمنفى. يعاينها بطريق تفكيرهي ابعد من سرد ماض قاس، بل حكاية هروب تنتهي الى نوع من وجود مأزوم، حيث تتكرر المآزق والدوافع، وتتجدد بأشكال مختلفة، و"في سياق صعوبات الاتصال الإنساني وفك العزلة، تتحول العواطف إلى شوق دائم بلا موضوع، من هنا فهي تقلقنا وتثير فينا الدموع والجنون".

وصف الناقد والروائي سهيل سامي نادر في مقدمة كتابه، نصوصه وخطاباته التي ضمّها كتابه هذا، من انها تلك النصوص التي يحبها الصحفي الذي مارس" التنويع ومخلص لفوضى الحياة ودور الكاتب الاسلوبي". لقفد جاءت تلك الكتابات، أيضا، وكأنها مبادرة للتفاوض مع هذا العالم، لكنها حررت باسلوبية مختارة، ورفيعة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top