مثقفون: التكريم يكمن بوعي أثرهم وبمراجعته بوصفه منجزا تاريخيا تأسيسيا

مثقفون: التكريم يكمن بوعي أثرهم وبمراجعته بوصفه منجزا تاريخيا تأسيسيا

هل من وسيلة لاستعادة رموزنا الفكرية والثقافية

لا نأتي بجديد إن تحدثنا عما تعنيه الرموز الثقافية الفكرية في المجتمعات المتحضرة فهي بالنسبة لهذه المجتمعات، قيمة عليا، بل وثروة وطنية لا يمكن التفريط بها تحت أي ظرف، حتى وإن اعترضت أفكارها قيم هذا المجتمع، وأفكاره،

حيث يكفي أنها جزلت بعطائها المعرفي درجة استحقت بها الخلود والشهرة. فالكاتب والروائي الكبير اندريه مارلو لم يكن ديغولياً بل يسارياً وشيوعياً ليمنحه ديغول اليميني امتياز حقيبة الثقافة مرتين في بلد علامته الاساسية صناعة الجبن وصناعة الثقافة مثل فرنسا، ويفخر هذا الأخير وهو أول رئيس للجمهورية الخامسة، أن يتوسط بعمل نجله سكرتيراً للروائي الفذ فرانسوا مورياك. وأمير بافاريا لم يكن أحمقاً ليترجل عن عربته، فقط ليخلع قبعته وينحني عند العربة التي تقل بيتهوفن تحيةً لمروره.

ومرة عندما أرادت إيطاليا أن تكرم مخرجها الكبير فريدريكو فلليني بعد أربعين عاماً من مسيرته الابداعية، بشخص رئيس جمهوريتها ساندرو بيرتيني بمنحه نيشان الاستحقاق من رتبة الصليب الأعظم، وهو وسام لا يمنح لأقل من منصب رئيس أو ملك. حضر رئيس الجمهورية بيرتيني في الوقت المحدد لمراسيم التقليد، لكن فلليني تأخر أكثر من نصف الساعة، وعندما حضر، توجه الى بيرتيني، بقصد الاعتذار عن التأخير، ولكن قاطعه بيرتيني قائلا: لا عليك إنه يومي وليس يومك. . فسيذكر التاريخ أن في زمن بيرتيني كٌرم المخرج العظيم فيللني.

هكذا تعامل الرموز الأدبية والفكرية في العالم المتحضر، بوصفها رموزا وطنية أسهمت بشكل كبير في رفع شأن البلد، -وذلك لعمري إنجازا كبيرا لها-.

وهل لي أن أذكر ما فعلته بلدان العالم لهؤلاء الرموز في بلدانهم، من خلع اسمائهم على شوارع وساحات، وتحويل بيوتهم الى متاحف تضم مقتنياتهم وآثارهم في الحياة، ومراكز دراسات تحمل أسماءهم، أو جوائز كبيرة تحمل اسماءهم، أو صورهم في طوابع البريد او العملة الوطنية، أو إقامة ي لهم، وغير ذلك من صور الاستذكار والتكريم.

ما الذي فعلناه نحن لرموزنا، غير جلسات التكريم والاحتفاء والاستذكار وربما التأبين -لا فرق -والتي لا تسمن ولا تغني عن جوع؟ فإذا كان الكثير منهم قد قضى في مدافن الغربة وقسوة المنفى، في أعوام تسلط الدكتاتورية فإن من يعيش بين ظهرانينا بعد زوالها، مازال يعاني قسوة النسيان وشظف العيش والإهمال المتعمد.

كان على المؤسسات المعنية بثقافة البلد، وبالتحديد وزارة الثقافة ان تتهيأ قبل وقت طويل، وقبل ان تحل علينا ذكرى مئوية السياب، بأن تشهر استعداداتها المختلفة لهذه المناسبة الوطنية الكبيرة، وأن تخصص لها الميزانية المالية التي تستحق، بل وتعلن عن برنامجها، لا أن تعالج هذه المسألة باحتفالات سريعة، لا تظهر الدور الكبير الذي احدثه هذا الرمز للأجيال اللاحقة.

فالسياب ليس شاعرا حسب، وليس أديبا فقط، بل أنه فعل ما لم يفعله الكثير من أقرانه، فهو يتصدر طليعة مؤسسي الشعر الحر في الوطن العربي رفقة نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، بل يذهب مؤرخو الشعر أن له السبق التاريخي في هذا المجال. الشاعر الذي أصبح الشعر العربي قبل ثورته هذه غير الشعر بعدها، وهذا يكفي إنجازا عظيما له.

والشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر أضناه الروتين القاتل وهو يجاهد للحصول على راتب تقاعدي يكرم له شيخوخته، والسبب فقدانه (إلاضبارة)!!، وإلاضبارة لمن لا يعرفها هي رزمة الأوراق التي توثق بيان خدمته الوظيفية في مؤسسات الدولة لأكثر من ربع قرن..هكذا إذن.. مبدع كبير بقامة حسب الشيخ جعفر بحاجة إلى (دليل) يؤكد خدمته لوطنه والدليل هنا(اضبارة) لا يمكن لها بأية حال أن تلخص العطاء الإبداعي الثر لهذا الشاعر الذي ترك أثراً لا يمحى في مسيرة الإبداع العراقي والعربي.أتساءل إن كان القائمون على جائزة سلطان عويس قد منحوا جائزتهم هذا الشاعر الكبير بموجب ما ورد في إضبارته من علاوات وترفيعات وخدمة وظيفية سليمة!! أم هم منحوها له بوصفه قد (أسهم في قيام حركة الشعر العربي الجديد وفي إثرائه، فقد طور القصيدة المدورة العربية بطريقة جعلتها امتداداً للشعر العربي في عصوره السابقة، كما أعطتها جدة متميزة في النص المعاصر،& وتمكن بخبرته من صياغة النص الشعري في توازن لغوي وجمالي وفني، وفي أشكال متنوعة ومستويات عدة طور فيها التقنيات الغنائية والدرامية والسردية، موظفاً المأثور الشعبي والتراث العربي، وتكشف نصوصه عن تواصل مع الحضارة الإنسانية، كما تعكس إفادته من المنجز الشعري العالمي الحديث مع تفرد صوت الشاعر وانفتاحه على الفكر والفلسفة والفنون المواكبة لروح.

وغائب طعمة فرمان مؤسس الرواية الحديثة في العراق، واحب الاسهامات المهمة في السرد العراقي.. يكرم في الدوحة، حيث أحتفت بسيرته وبثقله الأدبي المؤثر عبر جائزتها المرموقة بأختيارشخصية أدبية تركت بصمة واضحة في مسيرة الأدب العربي.

وفي موسكو أقيم له تمثال في موسكو في مكتبة اللغات الأجنبية بروسيا الاتحادية، التي كان الكاتب غالباً ما يرتادها للمطالعة، في اتحاد الكتاب الروس.. نعم في موسكو وليس في إحدى ساحات بغداد التي بدأ منها رحلة الحياة الوعرة، وحيث ولد وشبّ وأبدع الكثير في سنوات شبابه . ربما إن مدينته لم تعد تذكره رغم كونه قامة عملاقة في ميدان السرد الروائي العراقي والعربي.

والقائمة تطول: علي الوردي، زها حديد، جواد سليم، فائق حسن، طه باقر، فيصل السامر، رفعة الجادرجي، الجواهري.. وغيرهم الكثير.

نستذكر ونستعيد رموزنا الثقافية بالأماسي والجلسات الثقافية وربما بالحديث عن ذكرياتنا معهم.. هل يكفي ذلك..؟ ما هي برأيك الوسيلة التي يجب أن نقوم بها في تخليد رموزنا الفكرية والأدبية، كي تكون منهج عمل مع أي منهم.. غير ما نفعله في أغلب الأحيان مع ذكراهم.. وكأننا نقيم مجلس عزاء جديد لهم؟

سؤال توجهنا به لبعض مثقفينا، عن الوسيلة التي يتعامل بها العالم المتحضر على أستكار رموزه الفكرية والثقافية، ومقاربتها بما تفعله الدولة مع نظرائهم في العراق، غير التأبين، وإقامة طقوس العزاء لهم، ومن ثم نسيانهم.

علاء المفرجي

 

- 1 -

الفنان المسرحي عزيز خيون

أيَّ شكلٍ من أشكال الاحتفاء بالشغيل الثقافي العراقي، أوان حياته، او بعد رحيله عن هذه الدنيا، يعني الكثير، وكأنه بطاقة محبة، وإضاءة منطقة التخصص التي يُبدع من خلالها، وتعظيم لجميع الإنجازات التي توسّلَ منها الخدمة والفائدة، وكأننا نُربت على أكتافه ونقول: شكراً على كدّكَ في الحياة - نضالك ، شكرا لأنك تحركتَ وفي كل الظروف ، لم تشكو ، ولم تعتذر ، ولم تنتظر ، شكراً لك علىَ ما أنجزت ، وشكراً لأنك قيمة ومثال للتباهي والفخر ، وأنك رمزٌ وطني به يحتذى . طبعاً وهذا بديهي أنا مع الاحتفاء وتكريم المبدع وهو حي ، نمنحهُ سانحةً من السعادة والسرور ، ان جهوده لم تذهب سُدىً ، وها هي ثمار الذي زرعه حيةً بين يديه لكن في رأيي ، وهذآ ليس موضع جدل واختلاف عليه ، أن الاحتفاء والتكريم ينبغي أن يُصار لأن يكون ملموساً ، وذا معنى في حياة المبدع ، وحتى بعد رحيله ، بمعنى أن يتم إيصال وإبراز ما أنجزَ وتميّز لكي تكون الأجيال على درايةٍ به ومعرفة ، أن تكون هذه الآثار الإبداعية عامل تثقيف وتنوير وتغيير في حياة الناس ، وأن تكون خالدة لا أن تطويها سُتُر النسيان وطواحين الزمن ، أن تعيش مع الجماهير ، أياً كان هذا المُبدع فيلسوفاً ، فناناً ، شاعراً ، روائياً ، مُفكراً ، أُستاذاً جامعياً ، ومعمارياً ، لآ يكفي أن نرثيه بعد موته ، أو نُقيم مجلساً لتأبينه واستذكار مزاياه ونكتفي بهذا الأمر ، نعم على المستوى الإنساني وكما أسلفت هذا مهم ، لكن الأهم من كل هذآ تخليده من خلال إظهار وإدامة منجزه المعرفي ، في أُطروحة جامعية ، في مناهج الدراسة ، احتفاء بإقامة مُؤتمر وحلقة دراسية عن هذآ الرمز الفكري والأدبي ، وجمع ما تحقق في مطبوع ، إطلاق اسمه على أحد الشوارع والصروح ، أو جائزة ذات قيمة تحمل اسمه ، أو تحويل منزله إلى مُتحف. يحكي سيرته وما أنجز ، او من خلال شريط سينمائي أو مسلسل إذاعي وتلفازي يُعرّف به وبآثاره ، أو تخليد حضوره بنصبٍ مهيب في احد الفضاءات المهمة من هذآ العراق … ، أي كل ما من شأنه أن الذاكرة تؤكدهُ وتهتفُ باسمه في كل حين ، ان يكون حضوره عباره عن حوار يومي بينه وبين الناس ، عامل افتخار به والسير على هَديِهِ ، ثم إن الاحتفاء وتكريم رموزنا الفكرية والثقافية هو مظهر حضاري يُؤكد اهتمام الوطن بقاماتهِ العِظام

الشاعر إبراهيم البهرزي

جرت العادة ان ينعي المثقفون أصدقاءهم الراحلين من اهل الادب والفن باستذكار سريع غالبا ما ينسى قبل حلول أربعينيته ،وازعم ان بعض الناعين لم يكلف عناء السؤال عنهم لسنين سبقت رحيلهم .

اجد ان خير ما يكرم فيه الأديب هو اقتفاء اثره الإبداعي الموروث ، فالكثير منهم لا يجد دوما الفرص المتاحة لاشهار نتاجهم وتظل بين أوراقهم حتى تنسى تماما خاصة ان لم يكن بين وارثيهم من يهتم بالأدب ، والرأي ان تكون هناك لجنة تتابع مع ذويهم هذه الآثار وتحقيقها وضبطها ونشرها ، او الشروع بإصدار مطبوع دوري وليكن اسمه (الخالدون ) مثلا يعنى بنشر نتاجات الراحلين من الادباء وإحياء مناسبات رحيلهم في مواقيتها ويكون الأفضل لو خصصت مكافئة نشر مجزية تمنح لذويه عما تنشره الدورية من نتاجات الراحلين تكون بلاغا مؤثرا لهم عن أهمية الراحل في نفوس زملائه من الأحياء .

يمكن ان تقوم بهذه المهمة وزارة الثقافة او اتحاد الادباء او بالتشارك معا طالما ان الامر له تبعات مالية وان كانت بسيطة ولا تشكل أعباء مكلفة قياسا لما ينفق على مهرجانات ما عادت تضيف للثقافة شيئا مهما .

كما يمكن تكليف عدد من النقاد المؤتمنين بكتابة بحوث او دراسات او عروض معمقة تتناول نتاج الأديب الراحل وضمها في كتاب احتفائي يصدر في ذكرى رحيله وربما تتولى ايضا اعادة إصدار نتاجاته المنشورة سابقا في طبعات جديدة وهذا هو السبيل الأنسب لتكريم من رحلوا فالذكرى لا تستدام بغير الأثر المادي ، والمطبوع هو خير الآثار الباقية.

الأكاديمي يوسف إسكندر

للذاكرة الثقافية وجوه عديدة؛ من أبرزها وأظهرها للعيان استذكار واستظهار الرموز الثقافية المؤسسة لهذه الذاكرة الثقافية لعرق ما أو لحضارة ما. وغالباً ما يكون استذكار المفقودين في ساحتنا الثقافية والفكرية، على نحو العموم، بمجالس التذكر والترحم لهؤلاء المفقودين من رموزنا. وللأسف، فهذه النشاطات غير كافية، البتةَ. فهي أشبه ما تكون بمجلس عزاء تنتهي فاعليته برفع سرادقه وانفضاض جمع المعزين. فبالذاكرة الثقافية حاجة لما هو أبلغ وأسمى وأرسخ من هذا النشاط المعتاد في ساحتنا الثقافية. بنا حاجةٌ لترسيخ ثقافة المراجعة النقدية الشاملة لنتاج رموزنا الثقافية حتّى لا يتساوى في منصات التعزيات والتذكرات الثقافية المنتج الأصيل والمتعلم على سبيل النجاة. هكذا مرّت أسماء ثقافية كانت سائدة ومهيمنة في سوح الثقافة والنشر المختلفة، حتّى إذا ما انتقلت إلى العالم الآخر، ضاعت في زحمة الذاكرة. فالأحرى العود إلى ما ينعش هذه الذاكرة ويحرص على ديمومتها بأشكال متنوعة؛ منها طباعة أعمال الراحلين والعمل على إقامة مؤتمرات وندوات عن نتاجهم الثقافي، وتفعيل مراكز البحوث ذات الصلة بنتاج هذا الراحل أو ذاك.

وهنالك أعمال علمية مجيدة في العالم تكون مهداةً لذكرى راحلٍ من النشطاء الفكريين والثقافيين، فضلاً عن أعمالٍ تهدى في حياة بعض هؤلاء المفكرين والمثقفين، بل تجمع وتطبع بمناسبة مرور ذكرى ولادتهم... ومثل هذه الأعمال ترسخ دائماً في الذاكرة الثقافية لأمة من الأمم رموزهم الثقافية على نحو منتج ودائم في الذاكرة.

الناقد علي حسن الفواز

ليس من مهام الثقافة صناعة الخلود، او حتى تكريس «اصنام الثقافة» رغم أن العقل الشرقي ميّال بطبيعته الى ممارسة هذه الوظائف التي تدخل في سياق التعويض والاشباع الرمزي، أكثر من كونها فاعلية في التعرّف والكشف وفي النقد..

الاحتفاء برموزنا الثقافية يكمن بوعي أثرهم، وبمراجعته بوصفه منجزا تاريخيا، تأسيسيا، يجعل من ذلك الأثر سياقا لتقعيد مفهوم التواصل الثقافي، ولتنمية فاعلية الاسئلة الثقافية، وبما يجعل من الفعل الثقافي مجالا للحوار والجدل والاختلاف والتجاوز، وأحسب أن هذا المعطى، هو ما يجعل الاحتفاء برموزنا الثقافية ممارسة في «الخلود الافتراضي» الذي يعزز التواصل مع منجزهم، والحديث عنهم بوصفهم «مؤسسين» للأثر، وفاعلين في تحويل هذا الأثر الى قوة معرفية لها اداواتها ووسائلها التي تنجز عملها على اساس وجودهم التأسيسي والنقدي في السياق الثقافي..

للأسف الكثير منا يتعاطى مع رمزية الرواد، بنوعٍ من الطقوسية، وكأنه يتعاطى مع ابطال خارقين، أو مع قوى غيبية، من الصعب تجاوزها، أو حتى نقدها، رغم أن مفهوم التجاوز هو فعل تاريخي، وأن حقيقة الاحتفاء بالرواد تظل رهينة بكونها ممارسة اخلاقية من جانب، وتاريخية من جانب آخر، أي بوجودها داخل التاريخ، وأن مسؤولية الابناء هي تحويل الاحتفاء الى مجال لتعرّف على وجودهم كصانعي معرفة داخل السياق، وداخل الصراع والتحوّل، وهذه قضية اشكالية، لأنها مثار جدل واختلاف واسعين، فبالقدر الذي يتفق عليها كثيرون، كونها تخصّ الالتزام والاخلاق واحترام تاريخ التأسيس والأبوة الثقافية، فإن هناك من يجدها عقدة، وعقبة أمام التطور والتغيّر والتجاوز، لأن هذا التجاوز يتطلب جرأة في النظر الى الرواد بوصفهم روادا ابدعوا في الزمن، لكنهم ليسوا اباطرة، أو آباء فرويديين، لاسيما وأن المعارف التي لا تجاوز فيها ستكون راكدة، وغير فاعلة، ولا تملك شجاعة النقد الذي يعني المراجعة وصناعة الاسئلة، وربط فاعلية الابداع بسيرة السلالات التي تصنع التاريخ بوصفه وجودا متحولا..

الشاعر والناقد عبد الخالق كيطان

كتبت ونشرت عددا من مقالات الرثاء لمبدعين عراقيين عاصرتهم على الأغلب مع فوارق العمر والتجربة. وأستطيع الآن أن أرسم قائمة بأسماء من سيقوم برثائي أنا الآخر. الأمر هنا تعبير عن سلوى. عن صداقات في أزمنة حرجة وتلويحات متأخرة لبناة في هذا الحقل أو ذاك. المبدع العراقي يعيش ويموت في حيرة من أمره. بين سلطات آثمة وجمهور على الأغلب لا يهتم لأمره. تنتهي حياته إذن عبر مجموعة من استذكارات تنشر هنا وهناك، وحتى هذا لا يهم أحدا!

ما الذي يمكن عمله أكثر من المراثي؟ إعادة نشر أعمال الراحل؟ إقامة ندوات عن منجزه؟ إنشاء تمثال نصفي له هنا أو هناك؟ تسمية شارع باسمه؟ إطلاق جائزة على شرفه؟ كل هذه أفكار نبيلة ولا شك، ولكنها لا تصل إلى جذر المشكلة. وجذر المشكلة أن المبدع العراقي، إلا ما ندر، غير مؤثر في مجتمعه. كل هذا سينسى… وأكثر.

الناقد والقاص حسب الله يحيى

هذه انتباهة نبل ووفاء ونقاء من ثقافية المدى الزاهرة .. ذلك ان رموزنا الثقافية ينطفئ وجودها بعد أيام العزاء التي ترافق الموتى جميعا ؛ مع ان هذه الرموز عملت طوال حياتها ومن دون كلل على ان تخاطب المجتمع , وتسعى جاهدة الى زرع قيم الفضيلة والوعي والجمال والموقف لدى المجتمع , الا ان هذا المجتمع لا يقابلها بعد رحيلها الا بكلمات رثاء في احسن الحالات , ثم تغيب ويرافقها النسيان الى مثواها الأخير .

من هنا أرى ان هذه الرموز الفكرية والابداعية لابد ان نحرص على استذكارها على الرغم من اتهام بعض (الاحياء) الى اتهامنا بأن صفحاتنا الثقافية قد تحولت الى صفحة وفيات , وهذا جفاء لا يمكن القبول به ولا الركون اليه .

ان تلك الأسماء النبيلة التي سهرت الليالي ووظفت كل اوقاتها من اجل تقديم فكرة نيرة او عمل ابداعي متميز ؛ لم تكن تبحث عن مال او وجاهة , بقدر ما كانت تريد ان تحقق حضورا طيبا في المجتمع الذي تخاطبه وتأنس اليه ..

فهل يمكن ان نقابل هذا الوفاء النبيل بهذا الجفاء الجاف والذي لا يبحث عن الذكرى وانما عن النسيان !

من يذكر الاجلاء الذين علمونا من قبل أمثال : طه باقر , علي الوردي , جواد علي , شمس الدين فارس , محيي الدين زنكنة , قاسم عبد الأمير عجام , كاظم سعد الدين, يوسف العاني , محمود جنداري .. ومئات الأسماء المضيئة التي أضاءت لنا الدرب في مسيرة حياتنا ..

ان الدعوة لأحياء أصحاب المنجز الفكري والابداعي , لا يحتاج الى مجرد كلمات استذكار ورثاء , بل ان اهم ما نحتاج اليه هو تذكير الأجيال الحاضرة والمستقبلية بمنجز هذه الرموز .. كأن نقدم معرضا استعاديا او عرضا مسرحيا سابقا مما قدمه الراحل , او مسرحية عنه .. وطبع ما لم يطبع من كتبه او إعادة طبع اهم اصداراته .. فهذا هو السبيل الأهم الى الاعتزاز بهذه القامة الثقافية وتأشير حضورها الدائم بيننا ..

ان هذه الرموز تشكل جزءا حيا واصيلا من وعينا وتكوينينا الإنساني والثقافي والابداعي وهذا ما يجعلنا جديرون بالاعتزاز والاحترام لأنفسنا ولمن سبقونا في العطاء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top