هل ستنتهي الرأسمالية؟ وماهو البديل؟

آراء وأفكار 2024/05/14 11:04:31 م

هل ستنتهي الرأسمالية؟ وماهو البديل؟

ميشيل نيجيناس

ترجمة: عدوية الهلالي

لقد لاحظت وجود مصطلح دقيق يظهر بشكل متكرر في الاعلام ويطلق عليه اسم: الرأسمالية المحتضرة وقد ظل الأساتذة يدّرسون هذا المفهوم للشباب لمدة عقد من الزمن كجزء من أيديولوجيتهم ما بعد الحداثة، لكنه دخل الآن في الخطاب الاشتراكي الأمريكي السائد.ولكن كيف يبدو عالم إنهاء الرأسمالية؟

يتم تقديم إنهاء الرأسمالية كعالم في أزمة دائمة بسبب ثقل الاستغلال المدمر للصناعة. إن خطاب الأزمة يتغذى (ويولد) الخوف العام من الدمار الشامل الوشيك حيث تواجه الإنسانية انهيارًا تامًا لكل شيء.انهيار النظم البيئية. انهيار مناخي يؤدي إلى الانقراض الجماعي (انهيار التنوع البيولوجي). انهيار زراعي (مع وجود عدد محدود للغاية من المحاصيل التي لا تزال ممكنة على تربتنا). انهيار ديون العالم الثالث. انهيار صحي... كما تواجه الإنسانية الدمار الناجم عن اختلالات الغدد الصماء (المبيدات الحشرية والمواد البلاستيكية والمواد الكيميائية) والأمراض المزمنة غير المعدية (التي تسببها الأطعمة فائقة المعالجة).

لقد استخدم الناشطون والنخب الخضراء الثرية شبكاتهم ونفوذهم لتحويل الخطاب الغربي إلى أزمة ليس لها سوى حل واحد: يجب علينا الخروج من الرأسمالية، والتجارة العالمية، والنمو الصناعي، والتمويل الدولي. إنهم يعظون من منظور العدالة الاجتماعية والمسؤولية البيئية والتركيز على التنوع.

إن الحلول الجذرية المقدمة في المشروع المناهض للرأسمالية هي، بصراحة، أكثر من تبسيطية، بل إنها غبية بشكل خطير.إن محاولة الجمع بين العديد من حملات الخوف المصطنعة لتصوير الرأسمالية في مرحلتها النهائية، لتحل محلها أيديولوجية جديدة وعلاج طبيعي، ليست انتهازية فحسب، بل إنها مضللة للغاية..

إن أصحاب النفوذ في البلدان النامية ليس لديهم ببساطة الوقت الكافي للتسامح مع أحلام الغرب الثري الذي أصبح منغلقاً على نفسه إلى الحد الذي جعله غير قادر على فهم كيف ولماذا تمتع بمثل هذا الرخاء. إذا كان الباحثون والمبتكرون والصناعات في جميع أنحاء العالم يريدون الهجرة إلى أسواق تعتمد على رأس المال، فسيكونون موضع ترحيب في العديد من البلدان النامية. ومن جنوب شرق آسيا، ويمكن أن أؤكد أن هذا لم يعد وضعا افتراضيا.

ومن خلال شن هجماتهم الرامية إلى تقليص التصنيع وتقليص النمو على الرأسمالية، لا يعتقد الأكاديميون والناشطون أنهم يعيدون مجتمعاتهم إلى العصر الحجري. إنهم يفترضون أن الجميع سيعيشون مثلهم، وأن البشرية سوف تتقدم بفضل الإعانات الحكومية الوفيرة وتمويل المؤسسات.وخلال أزمة كوفيد 19، اعتقد الناشطون المناهضون للمختبرات أنه لا ينبغي تسجيل براءة اختراع للقاحات أو العلاجات، وأن الحكومات ستكون قادرة على البحث وإنتاج وتوزيع المليارات من اللقاحات (شريطة أن يكون لديها القدرة).

تقوم المؤسسات الآن بتمويل الأكاديميين لإجراء دراسات حول التعرض البيئي والصحي للمواد الكيميائية. وتقوم المؤسسات الآن بتمويل شركات محاماة الضرر لرفع دعاوى قضائية ضد الشركات (ليس للفوز، ولكن للإضرار بسمعة الشركات وإبقائها في الخلف).كما تقوم المؤسسات الآن بتمويل صانعي الأفلام لإنتاج وترويج الأفلام التي تتناسب مع حملات النشطاء.

لنفترض أن النشطاء ينجحون في السيطرة على الخطاب وتطبيق أكاذيبهم وترويج الخوف في السياسة. فكيف سيبدو عالم ما بعد الرأسمالية؟ إن العودة إلى الزراعة الفلاحية والزراعة الإيكولوجية (والتخلي عن التكنولوجيات الزراعية والزراعة واسعة النطاق)، مع تزايد عدد سكان العالم، من شأنها أن تؤدي إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، والمجاعة.كما إن الخروج القسري من الوقود الأحفوري من شأنه أن يؤدي إلى معاناة المستهلكين، وانقطاع التيار الكهربائي، والتدهور الاقتصادي والبطالة الهائلة بسبب التراجع السريع في التصنيع.

إن رفض التقنيات المبتكرة وحماية براءات الاختراع والحلول الصناعية سيؤدي إلى هجرة المواهب والمعرفة من مراكز الأبحاث الغربية.ومن المرجح أن يؤدي تراجع القانون والنظام، والطاعة المدنية، واحترام الملكية، إلى زيادة العنف، ونشوء الأحزاب اليمينية المتطرفة، ورد فعل عنيف ضد المشاريع اليسارية.

إن خفض التجارة العالمية والتمويل الدولي من شأنه أن يحد من تدفقات رأس المال إلى المناطق حيث يمكن استخدامها بأقصى قدر من الفعالية. وسوف تحمي الحواجز التجارية الصناعات غير الفعالة وتقمع الإبداع البشري والابتكار والتنمية.

إذا استمرت الجماعات المناهضة للرأسمالية في تعزيز أجندتها ونجحت في إقناع وسائل الإعلام بأن الوقت قد حان للابتعاد عن إنهاء الرأسمالية، فسوف نعاني من عواقب عنيفة. لن ينتظر رأس المال والشركات والباحثون الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي ستتسبب فيه هذه الأجندة المناهضة للرأسمالية عمدًا. ولا تتمتع البلدان النامية بالثروة والأمن اللازمين للانغماس في مثل هذه الإيديولوجية الحالمة. وتبذل الحكومات في أفريقيا وجنوب شرق آسيا، التي تسعى جاهدة لدعم سكانها الضعفاء، كل ما في وسعها لتشجيع النمو وتوسيع الزراعة وتشجيع الصناعة. فعندما تحتاج إلى توسيع شبكة الطاقة، فإنك تبحث عن أفضل خيار من حيث التكلفة والفائدة. وعندما لا تكون المياه صالحة للشرب، فإنك تفضل الزجاجات البلاستيكية.و عندما يتطلب عدد متزايد من السكان أغذية أكثر ثراء، فإنك تتبنى كل التقنيات الزراعية التي تزيد المحاصيل وتساعد المجتمعات الريفية. وعندما تحتاج إلى أسهم خاصة وبنية تحتية، فإنك تتجه إلى التجارة والأسواق العالمية.

ومع وجود قدر كبير من رأس المال في الهواء، فمن المفهوم أن الناشطين الذين يشكلون عالم ما بعد الرأسمالية يعتقدون أن المؤسسات والدول سوف تحل محل الصناعة والشركات في الأسواق الاقتصادية والمالية الكبرى. وبما أن أموال المؤسسات مقيدة في أسواق الأسهم، فإنه في حالة حدوث انهيار، من المتوقع أن تقوم الحكومات بطباعة المزيد من الأموال لإنقاذها. فلم يُنظر إليها أبدًا على أنها أموال حقيقية، لذا فهي لا تؤذي أحداً.

وقد أنشأت المؤسسات نفسها شبكاتها الانتهازية (الرأسمالية)، باستخدام أدوات مثل الأموال المتأثرة من الجهات المانحة لتحويل المزيد من الأموال الخارجية من المليارديرات إلى برامجها، وكسب المزيد من الرسوم، وممارسة المزيد من النفوذ على الدول والمنظمات الدولية. وهناك مؤسسات أنشأتها مجموعات أخرى من المؤسسات ذات الاهتمامات المتقاربة لإدارة الحملات. وهناك أيضًا مؤسسات تتولى مؤسسات أخرى إدارة تبرعاتها.لقد تم الاستيلاء على النظام البيئي للعمل الخيري من قبل المصالح الخاصة والانتهازيين.

ولم تعد المؤسسات تمول الفنون أو المستشفيات أو الطلاب المحرومين. وبالتعاون مع هؤلاء النشطاء الذين يهاجمون الصناعة، تقوم المؤسسات الآن بتمويل الدراسات المستخدمة لمهاجمة الصناعة، والأفلام والمؤسسات التجارية وشركات المحاماة التي تهاجم الصناعة.

بمجرد نجاح المؤسسات في الإطاحة بالصناعة، سيبدأ عصر رأسمالية المؤسسات بشكل جدي، حيث ستستخدم مجالس إدارتها وأمناؤها المليارات الموجودة تحت تصرفها للسيطرة على أدوات السلطة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top