أنطونان آرتو..فلسفة القسوة والعلاج بالمسرح

أنطونان آرتو..فلسفة القسوة والعلاج بالمسرح

أوس حسن

عندما تبلور مفهوم السريالية عام 1924 كان الشاعر والمسرحي الفرنسي أنطونان آرتو قد رسخ وجوده في الوسط الثقافي والفني في باريس،

وكانت مواقفه تلائم طبيعة وأفكار الحركة السريالية التي رفضت طبيعة المسرح السائد، ليتجسد الإبداع بوصفه رحلة إلى الأحلام وبواطن اللاوعي كمعادل موضوعي للتمرد على سطوة العقل والمعرفة العقلانية السائدة. لكن لا يمكننا الحديث عن التمرد في المسرح بل والحياة برمتها دون أن نتوقف انطونان آرتو، فصاحب " المسرح وقرينه" يصل بالتمرد إلى أقصى ذروته وجنونه الخلّاق، إنه تمرد الروح على المادة، تمرد الإنسان على الجسد والافكار واللغة في عالم معطوب.

مسرح آرتو هو مسرح لتحرير الإنسان، فضاء مفتوح على الحرية، لكن ليست الحرية التي نأخذها من هذا العالم، إنها حرية الروح السجينة في عذاب الجسد وشقائه الدائم.

حمل آرتو مطرقته ونسف كل الأصول والأنساق التي كانت معتمدة في المسرح، ومن ضمنها النص المكتوب واللغة والأحداث والأفكار الموروثة. وهو هنا يشبه نيتشه بمطرقته التي هدم بها الأخلاق التي عرفتها البشرية إضافة إلى تقويضه للكثير من مركزيات الميتافيزيقيا الغربية المتمثلة بالفكر والفلسفة والسياسة.

رأى أرتو أن الإنسان في أوروبا والعالم في تراجع وتدهور،لأن الكوارث والحروب والأمراض وتناقضات العالم، قد جردت الإنسان من قيمه الروحية، والمسرح رغم كل التجديد والثورات التي شهدها في بداية القرن العشرين، ورغم طابعه التنويري والاحتجاحي لكنه ظل محصوراً داخل قالبه الفني الذي لا يتعدى خشبة المسرح، لذلك أراد آرتو أن يخرج المسرح إلى الحياة، وإلى الإنسان نفسه في تأمله لذاته وللعالم من حوله. إن المسرح كما يذهب آرتو ليس ميداناً للوعظ الأخلاقي والاجتماعي، وليس مختبراً للتحليل السايكولوجي وعلى الجانب الروحي أن يتجلى بعدة مستويات وأبعاد لتطغى على الجانب الجمالي الباعث على اللذة. من هنا قام آرتو بتأسيس مسرح القسوة، والقسوة في مفهوم آرتو لا تتعلق أبداً بالقسوة الجسمانية أو المعنوية، بل ترتبط هذه القسوة بعذاب الوجود وشقاء الإنسان داخل جسده، وبما أن الرغبة هي وحدها فاعلة في هذا العالم، فالإنسان سيبقى في دوامة لا تنتهي من الألم والمعاناة.

وجد آرتو إن المسرح في أوروبا قد تآكلت جذوره وتعفنت، ولا يمكن للإنسان إلا أن يزداد عزلة واغتراباً في ظل هذا المرض الذي ينخر الحضارة والإنسان والفنون جميعها، وبناء عليه توجه آرتو إلى الفلسفات الشرقية القديمة ومعارفها واستقى من علومها وفنونها، وقد وجدها أكثر تعبيرا ً عن الروح المفقودة في عالمنا الحديث، فوجد ضالته في البوذية والمعرفة الغنوصية

إضافة إلى ذلك فقد تأثر بعالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ وأرائه عن اللاوعي الجمعي والنماذج الأولية عند الإنسان، فقام بتاسيس مسرح يستند إلى وجود يسبق اللغة، لذلك قام بتقويض النص المسرحي المكتوب والتحرر من سلطة اللغة، وتجسيد الكلمة المكتوبة بشكل مرئي وتشكيلي على المسرح، من خلال صوت الممثل وتفاعل جسده مع الجمهور إضافة إلى الموسيقى والإيقاع والحركات الإيمائية للجسد التي تشبه الحركات البدائية للإنسان القديم.

دعا آرتو إلى مسرح يقوم على الأساطير، والحد قدر الإمكان من اللغة واستبدالها بالإشارات والرموز والإيماءات أو الصرخات الوحشية، وهو بذلك ينتهج أحد طرق مسرح ألفريد جاري الذي كان ذو تأثير واضح كبير على السورياليين ومسرح اللامعقول.

وقد كان يهدف من مسرح القسوة إلى إشعال ثورة روحية عند الإنسان، ليتحرر من الشرور والغرائز المكبوتة والدفينة، من خلال ملامسة النماذج الأسطورية في عقله الباطن، وهذه الأساطير لا تكون مستندة إلى المعرفة الإنسانية المتوارثة كما هو الحال في الحضارة الإغريقية والرومانية والمسيحية، وإنما على الإنسان نفسه وما يحويه عالم اللاشعور من مجاهيل مظلمة

لجأ فيلسوف القسوة على خشبة المسرح إلى طقوس السحر والتنجيم واستعمال الرموز، إضافة إلى الأقنعة والطبول والتراتيل البدائية بهدف التأثير الفعّال على المشاهد بالطاقات الكامنة في اللاوعي وتحريرها من الرغبات المادية وميول النفس الدفينة. بهذا يصبح المسرح خلاصاً روحياً للإنسان من قسوة العالم، وتعبيراً عن الحياة من جانبها الكوني.

إلا أن قسوة العالم كانت أشد تاثيراً من مسرح آرتو، فلم يفلح في أن يجعل الجزء الروحي عند الإنسان يعلو على جزئه المادي والحيواني، كما أن التناقضات التي تجسدها المأساة الإنسانية يكون العقل أمامها مشوشاً و عاجزاً عن الفهم، وحتى المعرفة التي يدعي الإنسان امتلاكها غالباً ما يشوبها النقص والالتباس وعدم الوضوح أمام هذه الأنظمة المعقدة واللامرئية في الوجود.

سقط آرتو ضحية الجنون، وتفاقمت أزماته النفسية في سنوات متفرقة من حياته، وقد عوالج بالمهدئات والصدمات الكهربائية، وقضى فترة زمنية في المصحات النفسية، لكن جنون آرتو لم يكن جنوناً عادياً بل هو لحظات المس والتجلي اللتان تداهمان العباقرة والقديسين والمتصوفة، فينزاح عنهم الستار بين العوالم وتتكشف لهم أسرار الغيب والغياب.

قرر آرتو كأي قديس أو كاهن في معبد أن يطلق العنان لروحه، وأن يحررها من سجنها الجسدي، فكان الانتحار هو وسيلته الوحيدة، وهو أقصى حرية يمكن أن تبلغها تلك الروح الغريبة والمعذبة.

وإذا كان الانتحار كما يراه البعض يجسد جانباً شيطانياً وتدميرياً، إلا إن الخلاص الذي ينشده بعض المبدعين يتجه نحو قيمة روحية عليا تشبه تلك الحالة من السكون أو العدم المطلق خارج الجسد المادي والتي يصل إليها المتأملون في النيرفانا.

عن الانتحار يقول آرتو:.." نحن لا ننتحر وحدنا، فلا بد من جيش من الكائنات الشريرة لاتخاذ قرار في خصوص الجسد في لفتة غير طبيعية، ولحرمان النفس من الحياة.

أعتقد أن هناك دائما ًثمة شخص آخر في لحظة الموت الأقصى يسلب منّا حيواتنا".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top