ما تبقى من بنى الطبقة العاملة العراقية

آراء وأفكار 2024/05/15 09:53:52 م

ما تبقى من بنى الطبقة العاملة العراقية

رزاق عداي

الطبقة العاملة التي تحدث عنها - كارل ماركس - قبل اكثر من مئة وثمانين عاما في ذروة المجتمع الصناعي ، ليست هي ذات الطبقة اليوم ، فقد وصفها في كتابه الشهير (البيان الشيوعي) بانها الطبقة الاكثر ثورية ، والتي تتحمل مسؤولية التغير ،

لكونها تمتلك قوة العمل ، العنصر الاساسي في النظام الراسمالي ، وكانت لا تاخذ ما تستحق مما تقدمه من قوة العمل المنتج ، وهذا هو ما يمثل اس الاستغلال الذي يقع على كاهل هذه الطبقة ، والذي يعتبر الطاقة التي تغذي الثورة المستمرة ، اليوم والبشرية عند الحافات الاخيرة من المجتمع التكنولوجي ، باتت متحفزة لتدشين المرحلة النووية ، وفي مناخ الوحشية العولمية، لابد ان تتغير المفاهيم والمصطلحات ، والاطارات العامة للنظرية ، وما زالت الماركسية تقرا بصفتها علم دراسة تناقضات وازمات النظام الراسمالي ، فعلى الوعي السياسي للطبقة العاملة من خلال طليعتها ، ان يدرك معطيات واقعه الراهن والمحلي ،ليضع البرامج والسبل التي تناسب ممكناته ، فالطبقة العاملة العراقية اليوم غير واضحة المعالم ، في ظل تغلغل التشوهات في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية ، فمن الصعوبة بمكان ادراك توجهات الاقتصاد العراقي اذا قيض لنا ان نعتبره انموذجا ، من خلال ادراك تداخل المنظومات والقوانين ، بين اقتصاد مركزي واتجاهات القطاع الخاص ، مما يترك تداعياته في توجهات الطبقة العاملة العراقية والفواعل الاخرى في الخريطة الاقتصادية ، ناهيك عن الازدواجية والتشويش في البنية الايديولوجية لشرائح الشغيلة العراقية المترنحة تحت وطاة الخرافة والاساطير ، مما يجعل غيابها مزدوجا بين جو العمل والبنية المجتمعية الاخذة بالتخلف والارتداد ؛ وهذا يدفعها للذهاب بعيدا في مسارب الاغتراب ، لو تيسر لنا أن نعقد مقارنة بسيطة سياسية -اجتماعية بين الطبقة العاملة العراقية في العهود الجمهورية مع فعاليتها في العهد الملكي، نجد فرقا كبيرا لصالح الاخير، فمع أنها كانت حديثة الولادة، فهي آنذاك اكثر وعيا في اصطفافها الطبقي، واكثر قدرة على تحسس كيانها كطبقة مستقلة في النسيج الاجتماعي، وهذا وفر لها دورا مهما في دائرة النشاط السياسي العام.

بعد 1958 تداخلت الايديولوجيات وتعددت، وعلى اثر ذلك انخرطت الطبقة العاملة في تيارات اخرى لا تمثل مصالح بالدرجة الاولى، حتى بلغ الامر أن الدولة في الثمانينيات من القرن الماضي عمدت الى اصدار مرسوم جمهوري الغى عنونها الدال عليها تاريخا، بحجج واهية مثيرة للضحك والسخرية.

التشويه الكبير الذي تعرض له النسيج الاجتماعي العراقي بعد 2003 كانت الطبقة العاملة العراقية تحملت الحصة الاكبر منه، فرغم ما أشيع عن تبني المنهج الديمقراطي في العمل السياسي وفي نهج الحكم الذي بدا يسمح بفضاء نسبي من الحرية، والذي قد يتيح لبقايا الطبقة العاملة ان تعيد تنظيم نفسها من جديد، نجد ان حضورها في الساحة العراقية في غاية الضعف والفعالية، وهذا ما تجسد في السلوك الانتخابي الغريب، الذي عبرت عنه شرائح الشغيلة والعمال البسطاء في خياراتهم الانتخابية، التي ذهبت الى ايديولوجيات وبرامج لا تمت لمصالحها بصلة، او ما تمثل في البرامج الانتخابية لواجهاتها السياسية التقليدية، والتسويات المريبة التي عقدتها هذه القوى السياسية الناطقة بصوت الطبقة العاملة العراقية مع قوى لا ترتبط معها بقواسم مشتركة في حدها الادنى.

الخطر الاكبر الذي اصاب الطبقة العاملة أتى بالدرجة الاولى من نقص الوعي للتغيرات على المستوى العالمي والمحلي معا، ولا شك ان الديمقراطية اليوم هي من تمثل المناخ العام على عموم العالم، فالانزياح في المفاهيم بات يحصل على مدار الزمن السريع، فما لم يتم تفهم متطلبات وشروط الديمقراطية، مقترنا بالعمل السياسي للطبقة العاملة في طليعتها حصرا، فان الامور ذاهبة الى نتائج غير محسوبة وغير مرضية.

في العراق لم يعد من الغرائب وصف سلوك احزاب الطبقة السياسية بأنه يجمع بين المتناقضات، ولعل موقفهم من الديمقراطية يعد الاكثر تناقضا وغرابة في الوقت نفسه، السياسيون في العراق يعملون ليلا ونهارا على تدمير ما له علاقة بأْسس النطام الديمقراطي، ولعل اهمها المساءلة والمحاسبة والنقد، ولكنهم في الوقت ذاته يعتبرون وسائل الديمقراطية، وتحديدا الانتخابات، وهي الوسيلة لبقائهم في السلطة وممارسة الحكم.

الخطاب التقليدي في وصف الطبقة العاملة يجدها الشريحة الاجتماعية الأْكثر اكتسابا للوعي الثوري - القادر على التغير، اذ تمتلك قوة التنظيم وتماسكه، وفي المناخات الديمقراطية الحديثة، لم تغب هذه الطبقة عن المشهد السياسي في بلدان العالم، سوى أن مناهجها العمل السياسي تغيرب وفقا لتغير الخطابات الايديولوجية، ففي الحقب الديمقراطية تكون العمل النقابي المطلبي المنظم هو الواجهة في عمل هذه الطبقة، معززا بسياقات ديمقراطية، وتخلص اغلب الدراسات والبحوث الجديدة، الى أن العمال هم في طليعة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، وهم الاقوى في التحشيد ضد الديكتاتوريات، وغالبا ما ينتهي الامر بحلول الديمقراطية، فهل في العراق نشهد احتشادا لبقايا طبقتنا العاملة في المستقبل؟

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top