السلاح المنفلت  يُغرق  مشاهير الساحة العراقية بالدم..  من يدعم  ديلفيري الموت  بالرصاص؟

السلاح المنفلت يُغرق مشاهير الساحة العراقية بالدم.. من يدعم ديلفيري الموت بالرصاص؟

 بغداد/ تبارك عبد المجيد

يوما بعد يوم، يتجه الوضع الأمني إلى منحنى أخطر من الذي سبقه، نتيجة استفحال السلاح المنفلت، والذي أصبح يستخدم بشكل علني في توجيه التهديدات والاعتداءات ضد أي شخص يملك رأيا مختلفا، حيث صار السلاح هو المتحكم يمصير البلد.

في الآونة الأخيرة، انتشرت حالات الاغتيالات التي أثارت الهلع في شوارع بغداد، حيث بات العراقيون يطلقون على الدراجة لقب "ديليفري الموت"، فسبق أن اغتالت العديد من الشخصيات البارزة، بما في ذلك الخبير الأمني والباحث المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة هشام الهاشمي، وناشطو الحراك الاحتجاجي مثل فاهم الطائي وإيهاب الوزني في كربلاء، والصحافي أحمد عبد الصمد، والناشطة الاجتماعية ريهام يعقوب في البصرة، بالإضافة إلى العديد من المؤثرين والمشاهير.

وعلى ذات الطريقة، تعرضت "الفاشينيستا" أم فهد لإطلاق نار أمام منزلها مؤخراً، في منطقة زيونة وبرصاصات مجهولة.

بحسب ارقام أعلنت عنها منظمات صحفية، تم قتل اكثر من 495 صحفيا منذ عام 2003، حيث أن بعضهم قضوا نتيجة استهداف مباشر، وفقا للنقابة.

قال علي القيسي، الناشط السياسي، في حديث لـ(المدى)، إن "العراق يُعد من الدول التي تبنت النظام الديمقراطي الذي يؤمن بالحريات الفردية، وهذا ما ضمنه الدستور العراقي لسنة 2005 بنصوص واضحة وصريحة تحدثت عن حق حرية الرأي والتعبير"، مستدركاً بالقول، إن "ما شهدته البلاد من وجود قوى منفلتة تحمل السلاح خارج إطار الدولة وجهات أخرى تتلقى الدعم الحكومي لأسباب سياسية، أدى إلى خلق مساحة غير آمنة للعمل السياسي، إذ أصبحت المنافسة غير عادلة، كما ان السلطة الحالية قد أصبحت متوجهة نحو من يمتلكون السلاح، حيث يتحكم هؤلاء في مسار السياسة والقرارات في البلاد".

وأشار القيسي إلى أن "العديد من الصحفيين والنشطاء تعرضوا لمضايقات عديدة وصلت حد القتل".

واستذكر القيسي بعض الأسماء التي تعرضت للاغتيال، منها الإعلامي فاهم الطائي وهشام الهاشمي، مشيراً إلى أن الأسباب وراء هذه الجرائم تعود إلى أقلامهم الحرة التي انتقدت سلوكيات السلطة، اما قتلتهم فهم أحرار بفضل السلاح المنفلت ايضاً.

واضاف، أن "العديد من اصحاب السلاح أصبحوا أصحاب رؤوس أموال ضخمة، استغلوا أموالهم في العملية السياسية؛ من اجل ضمان استمرار مصالحهم"، وأشار إلى، أن "انتخابات 2023 المحلية شهدت هدرا كبيرا للمال العام، حيث استخدم لتشتيت القوى المعارضة لتلك الجهات الداعمة للسلاح المنفلت، والبعض منهم حاول انتهاج أسلوب مغاير من خلال تبني نهج فكري ديمقراطي أمام الجمهور، وفي الغرف المظلمة يستمرون على ما هم عليه".

وفي ختام حديثه، حث القيسي على ضرورة تطبيق قانون الأحزاب بصورة حقيقية، للتخلص من السلاح ومخاطره، وضمان ممارسة الديمقراطية الحقيقية في العراق، ويأمل ان تتخذ الحكومة ستراتيجية حقيقية لنزع السلاح من كافة الجماعات الخارجة عن القانون، وعدم الاكتفاء بشرائه من المواطن البسيط.

هل نجحت الداخلية بشراء السلاح من المواطنين؟

بدوره، يقول الباحث في الشأن العسكري، عماد علو إن "ملف السلاح المنفلت في البلاد لا يزال شائكاً ومعقدا، ويرى أنه من الملفات التي صعبت على الحكومات المتعاقبة بعد 2003 السيطرة عليه، لعدة أسباب ذكرها لاحقاً.

ولم يتوقف الامر عند صعوبة السيطرة، بل يبين علو لـ(المدى)، أن "المشكلة تفاقمت"، ويلاحظ ذلك من خلال ما يتداول في الاخبار من القبض على أسلحة حديثة ومنوعة دخلت مؤخراً، بيد العشائر والجماعات الإرهابية المنظمة.

ولا يستبعد علو وهو لواء ركن متقاعد، وجود ابعاد وتأثيرات سياسية لملف السلاح المنفلت، كما أن العديد من المتورطين بهذا الملف هم من السلك العسكري، ممن يستخدمون السلاح دون أوامر او ضوابط قانونية، بحسب علو الذي استذكر حادثة قضاء الإصلاح التي ذهب ضحيتها العميد مدير استخبارات ذي قار إثر نزاع عشائري.

ويؤكد، أن "أسباب ومبررات انتشار السلاح لا تزال غامضة على الدولة والجهات المعنية تحديدا وزارة الداخلية، مما يجعلها لا تستطيع وضع الحلول والمعالجات الناجعة، وبالرغم من اصدار تعليمات من قبل وزارة الداخلية وتخصيص مبالغ لحصر السلاح بيد الدولة عن طريق شرائه من المواطنين، لكن الواقع يُظهر أن تلك الحلول لم تؤد غرضها"، وأضاف أن السلاح لا يزال يستخدم في النزاعات العشائرية وحتى في المشاجرات البسيطة، كما يباع في بعض أسواق العاصمة والمحافظات وهناك تجارة مستمرة. وانتقد إجراءات الحكومة في حصر سلاح، حيث يرى أن ذلك "شجع المهربين على ادخال السلاح وبيعه للحكومة، بالتالي الاستحواذ على التخصيصات المالية التي خصصت لشراء السلاح من المواطنين"، مؤكداً "غياب أي تقدم ملموس في إجراءات البرنامج الحكومي في هذا السياق".

بحسب ارقام اطلع عليها علو فأن هناك ما يقارب 13 مليون قطعة سلاح لا علم للدولة عنها، وهو ما عده علو بالأمر المقلق والخطير حيث يهدد السلاح الامن المجتمعي والسلم الأهلي، وأشار الى "وجود سلاح لقوى سياسية تمتلك اجنحة عسكرية لا ترتبط بالدولة".

وحث علو وزارة الداخلية ان تعيد النظر بإعادة تقييم الوضع الأمني فيما يتعلق بالسلاح المنفلت، واتخاذ إجراءات صارمة، ووضع قوانين وتشريعات من شأنها ان تحد من هذه المشكلة، واقترح الاستعانة بالمجتمع الدولي والتواصل مع الدول التي كانت لها تجربة ناجحة تتعلق بنزع السلاح، وان تكون الجهات المعنية في الحكومة من وزارتي الدفاع والداخلية وبقية الأجهزة الأمنية، هي المسؤولة عن استخدام السلاح وفرض النظام. وفي الختام حذر علو من الذهاب نحو تمزيق النسيج الاجتماعي وتشجيع العصابات المنظمة على تهريب السلاح وإدخال كافة مهددات الامن والاستقرار في البلاد، وسيكون هناك ضحايا ما لم يتم السيطرة على هذا الملف.

إجراءات لا تحلق بالأفق

المحلل السياسي محمد زنكنة، يرى أن "السلاح المنفلت خارج سيطرة الجهات المعنية، ويخضع لسيطرة المليشيات، التي بدورها تتحكم بالمشهد العام في البلاد وتمارس دور الدولة في عمليات بيع وشراء وتصدير واستيراد السلاح"، ويصف ذلك بأنه "خطير جداً".

وتتمثل خطورة السلاح المنفلت في العراق، بحسب ما أوضح زنكنة لـ(المدى)، بأنه "يزيد من نسب الجريمة والانفلات الأمني، بالإضافة الى زعزعة الثقة بين المواطن والمؤسسة المنية، وخلق ارباك في العملية السياسية"، وأضاف أن "السلاح يخلق دولة داخل الدولة العراقية تتحكم بالمصير العام للشعب".

ويشير إلى أن "بعض المنافذ الحدودية تسيطر عليها المليشيات المسلحة وهي ذاتها من تمارس تجارة السلاح، ومنافذ أخرى تشهد فراغاً امنياً"، مما يدل على غياب دور الدولة الحقيقي وعدم قدرتها للسيطرة على المنافذ الحدودية او تنفيذ القوانين للحد من السلاح المنفلت، وفق رأيه.

وبالحديث عن تأثير غياب الإحصاءات الرسمية في معالجة ملف السلاح المنفلت، يقول إن "الأرقام الدقيقة تغيب في كافة الجوانب منذ عام 1957، اذ لا توجد ارقام دقيقة عن اعداد السلاح او الجرائم او نسب تنفيذ القوانين او الجرائم التي وضعت امام القضاء العراقي وغيرها من الأرقام التي تحتاجها الحكومة لوضع خطط واقعية من شأنها ان تحل هذا الملف وبقية المشاكل"، محذرا من تصادمات أهلية داخلية ما لم يتم الإسراع بوضع الحلول الحقيقية.

يعلق زنكنة على مساعي وزارة الداخلية وبقية الجهات التي أعلنت تبنيها إجراءات تساهم بالحد من السلاح المنفلت، بالقول، أنها "عروض إعلامية، لن تخرج عن كونها حبراً على الورق، حيث لم نر أي ميليشيا او جماعة مسلحة سلمت مقتنياتها من الأسلحة الى الدولة"، مشيرا الى ان هذه "الجماعات تعتدي بسلاحها على الدولة، كما تتسبب بقتل وتهديد كل من يعارض وجودها او يمتلك رأياً مغايراً لا يتلاءم مع مصالحها".

وتتمثل إجراءات وزارة الداخلية العراقية بشأن حصر السلاح بيد الدولة بـشرائه من قبل المواطنين، وأعلنت الوزارة خلال الشهر الماضي تهيئة 697 مركزا في 15 محافظة، لشراء السلاح، وتشكيل لجنة ثانوية وضعت ضوابط عملية الشراء وحددت الأسعار، وبلغت تخصيصات الأموال، مليار دينار لكل محافظة باستثناء العاصمة خصص لها مليارين.

وذكرت وزارة الداخلية خلال الشهر الماضي أن "عميلة حصر السلاح تعد جزءا من البرنامج الحكومي، ووضعت على شكل مراحل لمدى أربع سنوات، حيث كانت السنة الاولى مرحلة تنظيم، وتم فيها استحداث مراكز ووضع استعدادات وتنظيم، والمرحلة الثانية مرحلة المباشرة بتسجيل السلاح وتنظيمه والقيام بعمليات الشراء، وحذر الموسوي بالقول إن " الوزارة ستتعامل مع الاسلحة التي لم يتم شراءها بانها اسلحة خارجة عن القانون في حال الانتهاء من المدة المحددة لتسجيل الاسلحة، وستكون هنالك اجراءات قانونية صارمة".

وأضاف، أن "عمليات التوعية التي اعتمدتها الوزارة أسهمت في إقبال المواطنين على بيع الأسلحة الى الحكومة وهنالك إقبال كبير على موضوع تسجيل الاسلحة"، موضحا أن "السلاح سيكون خاضعا لإرادة وسلطة الدولة".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top