أشهد أنها فعلة قاتل مُجَرّب!

فخري كريم 2024/05/15 10:41:47 م

أشهد أنها فعلة قاتل مُجَرّب!

 فخري كريم

يواجهني أصدقاء كلما التقيت بأحدهم عن الجهة التي تقف وراء محاولة الاغتيال التي تعرضت لها في الثاني والعشرين من آذار الماضي عند مغادرتي معرض العراق الدولي للكتاب عائداً إلى منزلي. 

ويتواصل التساؤل حول نتائج تحقيقات اللجان التي شكلها رئيس مجلس الوزراء ووزارة الداخلية وقيادة عمليات بغداد.

وكنت قد أكدت كلما تم سؤالي بأن السيد رئيس الوزراء أبدى اهتماماً ملحوظاً بملاحقة الجناة وكشف الجهة التي تدعمها وتقف خلفها.

لكن ما يلفت النظر بما يرفع مستوى التساؤل، أن الجهات المعنية باتت تلتزم الصمت، بل إن ما وصلني يكاد يعلن أن التحديد توقف عند آخر كاميرا سجلت تحرك سيارة الجناة إلى جهة مجهولة وبالتالي توقف التحقيق!

لم يكن الجواب جديداً في مثل هذه الحالة. فمئات الشهداء الذين سقطوا في انتفاضة تشرين والحركات الاحتجاجية، سجلت ببساطة مريبة ضد طرف ثالث، بدلاً من تسجيلها مثل كل ما ارتكبته من جرائم الميليشيات المأجورة بسلاحها المنفلت خارج سيطرة الدولة.

ومثل هذا الجواب بسيط، بساطة اعتياد ارتكاب كل أنواع ومستويات الجريمة المنظمة في "عراقنا المباع" منذ أن أصبح السلاح المنفلت والميليشيات " الوقحة "، المتوارية خلف شعارات كاذبة لا يجمعها جامع مع وظيفتها الحقيقية!

سأتجرأ وأبرئ رئيس الحكومة، وقادة في "الإطار" المنفرد بالتسلط على إرادة العراقيين، ميزوا أنفسهم بالتعبير عن إدانتهم للجريمة، ووجدوا مؤشراً لتوسع مظاهر الإخلال بالاستقرار الهش وتهديداً لمشروع الدولة.

لقد بادر استنكاراً السيد عمار الحكيم والدكتور حيدر العبادي والسيد محمد الحلبوسي. لكن الصمت المثير للشبهة، بل والهمسات المتشفية ، لقيادات نافذة من الإطار التنسيقي ، وتحرك شبكاتها الإلكترونية المرتزقة في مواقعها بالتشكيك والتشويه لتبرئة المجرمين لا يخرج أحداً منهم من دائرة الشبهة والاتهام!

ملاحقتي بالسؤال ازدادت مع علامات استفهام عن سبب صمتي وعدم متابعتي لمجريات التحقيق والجهات المسؤولة عنها، حول مجرى التحقيق بعد ما نشر عن تبرئة قتلة الفقيد هشام الهاشمي..

لم أجد ما أرد به على تساؤلات الأصدقاء، سوى استرجاع ما كتبته عام ٢٠١٩ حول جريمة ساحة الوثبة والارتكابات المغرقة بالوحشية ، وقد تشكل إعادة نشرها بعضاً من تصور لما يحيط بنا من مشهد سياسي ، بعد أن ظفرت أقلية لا تشكل لوحدها حتى "ثلث معطل" بالهيمنة المطلقة على مقدرات العراق وشعبه، وحولت انسحاب ملفت للقائمة الشيعية الفائزة إلى بداية انقلاب بقوة السلاح المنفلت، بات مستمراً لتفريغ ما تبقى من عملية سياسية فقدت صلاحيتها وباتت في حالة موت سريري، ليصبح العراق رهينة بلا حول ولا قوة لها….

وهذا هو المقال:

 

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل النار في الهشيم جريمة الوثبة . الجريمة التي هزّت الوجدان والضمير والقيم الإنسانية . وتجاوزت من حيث التنفيذ في وضح النهار كل معايير الجريمة التي توضع في خانة التوحش والاختلال العقلي والأخلاقي . ومن حيث دلالتها ومراميها وتوقيتها إنما هي كشف لمن يقف وراءها ويستفيد منها . فهي حلقة في وقائع متصلة من محاولات كسر إرادة المنتفضين من بينها واقعة الجمل ومجزرة السنك والخلاني، ببشاعتها وافتقار مرتكبيها للحساسية الإنسانية . لما خلفته من صدمة وترويع واستهتار واستخفافٍ بقيمة الإنسان وإن كان المجني عليه في حادثة الوثبة "افتراضاً" مشُتَبه به بجرم مشهود. فالمجرم وفقاً لكل الشرائع الدينية والوضعية ، بريء حتى تثبت إدانته أمام القضاء . منذ اللحظات الأولى لانتشار مشاهد الجريمة ، بادرت ساحات التحرير والمتظاهرين وخيامهم على امتداد البلاد إلى شجبها وإدانتها والتبرؤ من مرتكبيها المجرمين ، الذين لا يجمعهم جامع مع قيم ومبادئ وأخلاقيات المتظاهرين الذين قدموا مئات الشهداء وألاف الجرحى والمصابين في سبيل هدف نبيلٍ اختزلوها بشعار " نريد وطن ". وطن مُبتلى من ٢٠٠٣وعلى تتالي حكوماتها بسلطة طبقة فاسدة شددت قبضتها على العراقيين بقوة ميليشياتها المسلحة المنفلتة من كل قيدٍ وحرمة وقانون . وبأدوات فسادها ونهبها للمال العام وتهرئة بنية دولتها التي ما عادت حتى شُبه دولة ، بل أقرب إلى كيان هجين منغولي ، بعد أن تآكل نسيجها بفعل عمليات " الدمج " سيئ الصيت والأثر .

وأول ما تبادر إلى الذهن ، استذكار واقعة الجمل في ساحة التحرير، ثم المجزرة الليلية في الخلاني والسنك . ووقائع القنص المقصودة . وعمليات الاغتيال والملاحقة والاعتقال وإشعال الحرائق في الممتلكات الخاصة والعامة ، ومثيلاتها في مدن وميادين التظاهر والاحتجاج والاعتصام في الناصرية المنكوبة والنجف المحترقة وكربلاء الشهيدة، وسواها من مواقع الاعتصام . وهي ارتكاباتٍ استفزت الضمير الانساني في كل انحاء العالم فاستنكرتها ونددت بها ووجهت أصابع الاتهام إلى الحكومة وأجهزتها الأمنية وميليشياتها .

وقد أفادت تلك الاستذكارات بترابط خيوطها ومراميها ، لتسلط الضوء على الجناة . ولتتكشف بجلاء هوية المستفيد منها الذي أُسدل الستار عنه بقصدية جرائمية ليتبين أنه ليس سوى ما سمته الحكومة نفسها بـ " الطرف الثالث "، لإبعاد الشبهات عنها ، دون أن تعي بأن هذا الطرف ليس سوى الوجه الخفي المفضوح للطبقة الحاكمة المتفسخة وسلطتها المتهاوية . وإذا ما وضعنا كل وقائع الجرائم التي ارتكبتها السلطة منذ انطلاقة انتفاضة اكتوبر دون أن يرف جفن " للأصنام الثلاثة " القابعين في قصورهم الرئاسية ، لاتضح أنها هي المستفيدة من جريمة الوثبة بامتياز . لقد فشلت السلطة السياسية بقوات مكافحة الشعب ، ووسائلها القمعية غير المسبوقة وبإذرعة ميليشياتها المسلحة في كسر إرادة المتظاهرين المصممين على استعادة وطنهم وانتزاع حرياتهم وكراماتهم المنتهكة . فلم يبق أمامها سوى إعادة مسرحياتٍ تدل على سذاجة مخرجيها، وقلة حيلتهم . فاسنسخت واقعة الجمل ، ثم مجزرة السنك والخلاني ، بهدف إثارة الهلع في صفوف المعتصمين وانهزامهم تحت قوة الرصاص العشوائي والأسلحة المتوسطة ، وبدلاً من تحقيق هدفها ، تحولت إلى فضيحة مدوية . ولم يبق أمامها سوى تشويه صورة المتظاهرين السلميين بتوجيه الأنظار اليهم واتهامهم بارتكاب جريمة الوثبة في وضح النهار وأمام المئات من المواطنين .

وفات المرتكبون أن الفيديوهات والصور التي انتشرت لوقائع الجريمة أظهرت قوات الأمن برتبهم العسكرية وهم يقتحمون منزل الضحية ويسلمون جثته لأشخاص وسط الجمهور . لقد تعرض المتظاهرون في ساحة التحرير لكل أساليب ووسائل العنف المفرط ، كما تعرضت لها الساحات الأخرى، دون أن يتخلوا عن سلميتها ، وينكسوا راية عراقهم المُغتَصب . بل إنهم حافظوا على حياة " المندسين " الذين ألقوا القبض عليهم بالجرم المشهود ومن بينهم من كان يحمل السلاح ويوجه الرصاص على المتظاهرين ورجال الأمن في ذات الوقت ، كذلك لم يحاول أحد منهم أن يواجه المعتدين عليهم بأي أداة جارحة حين تعرضوا للهجوم بالسكاكين والعصي فاُصيب العديد منهم بجروحٍ كادت أن تودي بحياتهم .

هل يمكن لهؤلاء المستعدين للموت دفاعاً عن قضيتهم العادلة ، أن يتجردوا من حساسية ضميرهم وإنسانيتهم فيمثّلوا بجثة غلام ويعلقونها على عمود ليتحول إلى مشهد إدانة وتشويه لمن " يريد وطناً " آمناً مستقراً معافى ..!

أشهد أنها جريمة تشبه مقترفيها الذين كانوا وراء "ضياع الوطن" !

تعليقات الزوار

  • د.محمد عزيز زازا

    جثة الغلام التي علقوها على عمود هي مشهد إدانة وتشويه لكل من يريد وطناً آمناً مستقراً معافى ..! هذا العراق يعيش في عصر محاكم التفتيش الإسبانية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top