التشكيل فـي البصرة...  انتباهــة بلفحــة صيـف، ونفحـة شتـاء!

التشكيل فـي البصرة... انتباهــة بلفحــة صيـف، ونفحـة شتـاء!

منذ سنوات والتشكيل في البصرة يعاني الفتور، وضمور الحيويّة، وتُضرِب تجاربه، إلاّ في النادر، عن الحضور وإشهار رؤاها في العلن، كما لو أنّها قررت الانكفاء على ذواتاتها في ظلمات مشاغل فنانيها التي لا يعرف أحدٌ ماذا يولد فيها. ومع الإحباط العام وفقدان الأمل يُقبل العام ويرتحل والتشكيل في البصرة ساكن فوق سطوح تصويريّة فارغة لا تختضّ بلون ولا يخترقها خطّ، في حين تعصف الصور، صور الواقع والحياة، في مشهد مثير يستعرض أشكاله النابية التي تلعب بنا، ولا تجد انعكاساتها في مرايا تشكيلنا المقيم في إضرابه الطويل عن الحضور. والمعارض النادرة التي تقام في البصرة، هي في الغالب، هوامش ملحقة بفعاليات ثقافية كبيرة كمهرجان المربد مثلاً.

غياب قاعات العرض الفنيّة المتخصصة، وعزلة التجارب التشكيليّة عن بعضها، وانعدام التنافس في ما بينها، وغياب سوق تروج فيها الأعمال الفنيّة، وانتفاء الجدوى في كلّ شيء.. كلّ ذلك أدى إلى هجرة فنانين بصريين عُرفوا بغنى تجاربهم الفنيّة وعمقها من مدينتهم إلى بغداد أوّلاً، ومنها إلى الخارج ثانياً من أجل إطلاق تلك التجارب في فضاء متفتح مهتم يستجيب لتطلع الفنان إلى إشهار تجربته وترويجها داخل محيط يستقبل الفن ويعدّه واحداً من أولويات الحياة التي يعيش بها. هناك أيضاً عامل ذاتي يجعل التشكيل في البصرة شاحب اللّون، وهذا العامل كامن في ضآلة إحساس بعض الفنانين بأهمّية مشاريعهم الفنية الخاصّة التي تتطلب الإخلاص وتكريس الجهد والوقت لتثمر، فضلاً عن لامبالاة الإدارة الحكوميّة بالثقافة عموماً، وغياب طبقة وسطى متطلعة تعي أهمية الفنون وتقبل على اقتناء منجزاتها...أسباب تتصل ببعضها وتقف وراء سكون السطح التصويري للتشكيل في البصرة، المدينة مشوّهة المعالم التي تجرّدت فضاءاتها العامّة من أيّ أثر فني كبير شاخص بقيم جماليّة معاصرة...

لكن، يبدو أن لفحة صيف هذا العام ونفحة شتائه قد نبهتا التشكيل في البصرة، وأخرجتاه إلى مواجهة سطوحه الفارغة بأطياف رقدته الطويلة، لتشهد المدينة ثلاثة معارض تشكيلية للفنانين طاهر حبيب، وناصر سماري، وهاشم تايه أقيم أولها أواخر أيار، وأقيم الثاني أوائل حزيران في بيت البصرة الثقافي. والمعرضان سبق أن حصل كلاهما على فرصة الظهور في قاعة دار الود، وهي قاعة فنيّة حديثة أسّسها التشكيليّ باسم العسماوي في مدينة بابل. أما المعرض الثالث فقد أقيم في قاعة جمعية الفنانين التشكيليين مطلع تشرين الثاني الفائت.

محنة اللّون في معرض الفنان طاهر حبيب

         لا تقول العبارة القصيرة، التي افتتح بها الفنان طاهر دليل معرضه، شيئاً عن موضوع المعرض (محنة اللّون) ولن تسعف المتلقي في القبض على رأس الخيط الذي يصله بمحنة لون في أيٍّ من لوحاته العشرين؛ فهذه العبارة مصوغة بإنشاء شعريّ غائم.. يكتب طاهر: "أنا والمتلقي ندخل معاً إلى عوالم الأرواح والأساطير المغموسة في عجينة الأفكار الحزينة للكائن الذي بُعث منذ الخليقة من خلال فضاء اللّوحة".

ويبدو أن العنوان- محنة اللّون- قد ضلّل الناقد التشكيليّ خالد خضير على الرغم من أنّه، وحسناً يفعل، لا يقيم وزناً للعنوانات الملصقة بمعارض الفنانين ولا لتقوّلاتهم عن أعمالهم التي يراها مادة لغويّة خارج بَصَريّة، يجب ألاّ يُعوَّل عليها في أيّة قراءة لتلك الأعمال. لكنه، هذه المرّة، وقع في فخ العنوان، ففي الاستهلال الذي كتبه لدليل المعرض سعى إلى البحث عن مصدر محنة اللون في لوحات الفنان واعتقد أن هذه المحنة ناجمة عن صراع اللون مع ما دعاه "دكتاتوراً مطلقاً يعقلن اللّون"، على حدّ وصفه، وهذا الدكتاتور، كما يرى خالد، هو الخطّ، مع أن هذا الأخير، في لوحات الفنان طاهر، اكتفى بوظيفته المعروفة في تحديد أجزاء كائنات بشريّة وأشياء أخرى والإحاطة الخارجية بها من أجل التلميح بهويّاتها، أو أشكالها الخاصّة. ومع هيمنة اللّون على مساحات السطح التصويري وفضاءاته في اللوحات كلّها، واجتياحه الأشكال التي رسم حدودها الخطّ، فإنه لا سبيل إلى الحديث عن صراع لون مع خطّ حافظ على وظيفة محددة لم تعق اللون من التحكّم بالسطح التصويريّ وصنع الأثر الجمالي فيه.

ومع خلوّ هذا السطح من أية مساحة فارغة لم يملأها اللّون بمادته ويمكن أن تدخل معه في تضاد، لا يمكن الحديث، كذلك، عن محنة لون في أعمال الفنان طاهر حبيب جميعها. وهي أعمال اهتمت بإنشاء بناء لوني ذي طبيعة هارمونيّة تتفاعل فيه الألوان مع بعضها باشتقاقاتها وتدرجاتها مؤتلفة مع بعضها بعيداً عن التضادات الصارخة التي يمكن أن تشي بصراع، أو تعكس محنة ألوان في ما بينها.

إذن هل هي محنة اللّون أم محنة الفنان؟

أعتقد أنّها، في الأغلب، محنة الأخير في مواجهته مساحة بيضاء فارغة عليه أن يُرينا فوقها فعلَ الرسم وهو يختطف قوى الجسد والروح والتاريخ ويعيد تمثيلها بعناصر لغته الخاصّة على تلك المساحة الفارغة البيضاء، العذاب الأبديّ للرسّام، ومتحديه، ومحنته، وقاتله في النهاية!

 

تجليات الفنان ناصر سماري المفترضة

تُعَدّ أعمال معرض الفنان ناصر سماري (تجليات مفترضة) بنزوعها التجريدي التعبيريّ انقلاباً على رؤيته الواقعية التي أطّرت أعماله السّابقة، ويبدو أنه وجد في التجريديّة التعبيريّة المطهر الذي يغتسل فيه من (أدران) الواقعيّة بنسختها الأكاديميّة التقليديّة قبل أن يواجه مفترقات طرق الرؤية المتربّصة..

قلَبَ سماري، في معرضه هذا، (عادةَ) الرسم كفعلٍ للعين يلتقط، من فوضى مادة مرئية مشوّشة، عناصرَ محددة بعينها تلتحم بعلاقات فتؤسّس احتمالاً لشكلٍ قادم، أو تقترح صورة ينطلق فيها الخيال معيداً إنتاجها بأهوائه الخاصّة...

وبدلاً من انتخاب عناصر معينة، والانطلاق بها، مستغنياً عمّا سواها، فضّل سماري ألاّ يهمل شيئاً من مادته المرئيّة المشوشة، فعلى قماشته تكتلت هذه المادة كثيفة، كما رآها أول مرّة، بفوضى اختلاطاتها ببعضها، وقرر أن يضعها أمام مشاهده الذي سيعاني كثيراً لو فكّر في أن يلتقط هذا العنصر أو ذاك، ويضمّه إلى عناصر أُخَر، من أجل تطمين حاجته إلى أن يرى شيئاً لم يكن ليمنحه الفنان أدنى اهتمام وهو غارق في هذيان مديد لانفعالات متسلّطة تحكّمت بفرشاته وقماشته.

تخضع لوحات هذا الفنان لنزوع افتراسي جارف للمادة اللّونية التي عمل بها كما لو أنّ قوى متوحّشة تُطلق صرخاتها من القاع وتضرب بها السطوح التصويريّة بعدما تمرّغت بألوان كثيفة فوق باليت الفنان المروَّع.

كلّ لوحة هي تمثيل بالألوان لاحتشاد صرخات أعماق متضاربة بعنف، بدلاً من أن تكون معنية بتمثيل مرئيّات محددة. صرخات لم تترك على السطح التصويريّ العريض ولا بوصة واحدة فارغة لتأمّل مطلوب بعد لهاث غير منقطع.. لا بوصة واحدة نرى عليها أثراً لتنظيم جمالي تمكّن العقل من صوغه في ظلّ نزوع عشوائيّ متحكّم.

الرسم في اللّحظة التي تسبق الرسم.. لحظة الإحماء بطابعها العشوائيّ، وبكلّ ما فيها من قلق وانفصال، ذلك ما يُرى في (تجليات مفترضة).

حيـاة هشّـة

هو معرضي الشخصيّ الملوّث الذي خرج من افتراض وجود فنان يعمل بلا تقاليد فنيّة، وبلا ذاكرة في وضعٍ أقرب إلى عدم..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top