جمهورية الهند بدلاً من نينوى !

آراء وأفكار 2012/12/16 08:00:00 م

جمهورية الهند بدلاً من نينوى !

لم أكن أول عراقي يصل إلى أكرا في مقاطعة أوتار براديش الهندية ، ويتحنط  هناك دهشةً أمام جمال تاج محل العمراني  أو أسطورة فاتحبوري سيكيري أو روعة ريد فورت، إلا أنني الوحيد الذي سُمح له بالبقاء على ضفاف نهر يامونا عشرة أيام متواصلة، وسماع النسخة الأصلية من قصة بناء تاج محل ورؤية التحف المحجوبة فيه التي لا تُكشف لغير الهنود الأصليين.

كل هذا بفضل صديقي راجي كابور الذي استقل معي بداية شهر كانون الأول الجاري حافلة إكسبريس شاتابدي من دلهي، وجاب بي العديد من المدن الهندية قبل أن يزرعني في أكرا، ويسقيني من سحرها.

 راجي صحفي طيب القلب جمعتني به دورة تدريبية في اسطنبول قبل سنتين، ملامحه البهاراتية  مبتسمة على الداوم،  ينحني لأي سيدة ملفوفة بالقماش تصادفنا في الطريق، ويربت باستمرار على رؤوس الصغار.

   هو شديد الالتصاق بهنديته، يتحدث بخشوع تام عن أي مكان أو بناء أو حتى شارع نمر به، وكأن المدينة بأسرها معبد مقدس.

قال لي وهو يجثو على ركبتيه قرب بركة الماء أمام تاج محل : " شاه جاهان شيد هذا البناء الضخم، تخليداً لذكرى زوجته ممتاز محل التي توفيت وهي تضع مولودهما رقم 14 "، ثم راح يمشي مسرعاً قبل أن يلتفت فجأة ويرفع ذراعيه إلى الأعلى وكأنه يؤدي أغنية : "واحدة من عجائب الدنيا، بناها عشرون ألف عامل طوال عشرين سنة".

 كان يهز رأسه باستمرار وهو يتابع قصة البناء : " قافلة من 1000 فيل أتت بالأحجار الكريمة، بلور وماس وفيروز من سريلانكا والصين وإيران وأفغانستان"، ثم نظر إلي وكأنه تذكر شيئاً للتو " البريطانيون احتلوا بلادي لمدة 100 سنة، وأخذوا معهم كنوز تاج محل وغيرها من الأماكن". ثم أشار بأصبعه المحناة إلى البعيد حيث يقوم بناء أبيض ترفرف فوقه أعلام : " مجالسنا المحلية، مشغولة بالمهاترات والمشاكل بين السيخ والمسلمين والهندوس وغيرهم، ولا أحد يسأل عن ثروات البلاد المنهوبة .. لا يطالبون بها ".

  قمت على الفور بتغيير موجة الكلام لكي لا أنخرط في حديث عميق عن مجالس أخرى مشابهة في غرب أسيا، ورحت أعدد له أسماء الممثلين الهنود الذين تدافعت في ثمانينات القرن الماضي من أجل الحصول على تذاكر لمشاهدة أفلامهم في سينمات حمورابي والسندباد والأندلس، وكيف أنني بكيت لموت فيرو الذي أدى دوره أميتاب باتشان في فيلم الشعلة، وتعلمت الشقلبة من فيروز خان في فيلم قرباني.

    قلت له وأنا أبعد قرداً حاول خطف حقيبة يدي الصغيرة إن هؤلاء، فضلاً عن فينود كنا ودار مندر وهيما مالين وزينات أمان وأمجد خان وراجش كنا والإخوة راشي وشاشي وشامي كابور، هم صناع بوليوود الحقيقيون، وإنني اعتزلت مشاهدة الأفلام الهندية مع مطلع التسعينات، عندما اكتشفت السينمات في الموصل سبيل جان وهوليا أفشار التركيتين الخليعتين، وتوصلت بقدرة عجيبة إلى عرض ستة أفلام لهما في آن واحد.

راجي تألم لأننا الآن بلا دور سينما أو قاعات مسرح أو متنزهات أو ملاعب .. رفع رأسه إلى السماء ودعا بكلمات لم أصطد منها سوى (خديده، ودنيا، وموسول، وحفزيهيه )، ترجمها لي ونحن نسير على شاطئ يامونا، إنه طلب من السماء أن تمنح الموصل راحة في الدنيا والآخرة، وأن تحفظ أهلها.

راجي أفصح قبل ليلة من انتهاء سفرتي الهندية عن سر حبه لي. قال بعين دامعة إن جده كابور الكبير كان يعمل ملاحظ عمال في مشروع سكة حديد الموصل، وأنه كان يعرف ( ملا عسمان موسولي وباب توب وجيسر آتيك وهسنة ملس ).

   عندما أردت العودة من الهند لم أودع راجي كابور ولم أركب حافلة اكسبريس أو أية طائرة. لم أكن هناك أصلاً لكي أعود، فأنا لم أغادر الموصل منذ أشهر، وكل ما في الأمر إن مسؤولاً محلياً جدا من نينوى همس في أذني ناصحاً خلال إحدى الندوات قبل أيام أن أترك الحديث عن الصراعات والانقسامات السياسية في المحافظة، أو مشاكل المواطنين وهمومهم، مؤكداً أنه وزملاءه يقومون باللازم تجاه "محافظة الموصل" .. وها أنا أمتثل لنصيحته وأتحدث عن جمهورية الهند، بدلاً من نينوى التي لا يعرف المسؤول أنها محافظة! 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top