المدى في بيت أم عــوف تستذكر مع ولدها قصيدة الجواهري

المدى في بيت أم عــوف تستذكر مع ولدها قصيدة الجواهري

حين تجاوزت السيارة قضاء علي الغربي باتجاه محافظة ميسان، لم تسعفني أولويات الذاكرة بابنة أختي مديرة الثانوية في القضاء بقدر ما أسعفتني باستذكار قصيدة الجواهري (أم عوفٍ) التي ولدت هناك، فقلت مع نفسي لا بد أن أعود لأسأل عما تبقى من تلك المرأة التي خلدها الجواهري بقصيدته، وحيكت عنها الكثير من القصص لكن لم ير احد صورتها، ولم يعرف احد اسمها الحقيقي، وما الأسباب التي دعت ذلك العملاق الذي تتمنى الملوك والرؤساء أبياتا منه أن يكتب عن تلك المرأة مثل تلك القصيدة العصماء؟ وهل هي حقيقية أم أنها من نسيج خيال الشاعر؟
كل تلك الأسئلة الكبيرة حملتها بعد أيام من وصولي إلى المحافظة وعدت منها باتجاه علي الغربي الذي يبعد عن مدينة العمارة (100)كم، وكان بانتظاري هناك الشاعر والإعلامي نصير الشيخ الذي يعمل بشبكة الإعلام العراقية في مكتب علي الغربي، ويرافقني السائق المسيحي وائل جلال دانيال الذي كان رفيقي ومرشدي طيلة أيام رحلتي في ميسان.

(يا طيور الطايرة مري بهلي)
بعد وصولي لدائرة نصير الذي استقبلنا بحفاوة مع السيد عدنان نعيم عباس مدير إذاعة وتلفزيون علي الغربي الذي ذكر للمدى أن القضاء بصورة عامة سكنته ذات طابع عشائري، وهو من الاقضية الهادئة في المحافظة ويبلغ تعداد مواطنيه (30) الف نسمة، والعشائر الرئيسية فيه هي بني لام والكعب والسادة البخات، ومن سكنتها الأصليين الأكراد الفيليين.
وكان في القضاء احد النوادي الاجتماعية التي كان يرتادها الشاعر الجواهري، ومن مطربي القضاء قحطان العطار وسعدون جابر كما يقول عباس، وتشتهر المدينة بزراعة الحنطة والشعير، فضلا عن زراعة الخضار في البيوت البلاستكية كما يوضح الصديق نصير الشيخ، وهم يتحدثون غنّى القلب مع سعدون جابر "يا طيور الطايرة مري بهلي.... يا شمسنا الدايرة ضوي الهلي..  سلميلي وغني بحجاياتنه... سلميلي ومري بولايتنه".
إبعاد واسترضاء
ستار جبر موسى البخاتي باحث وأكاديمي، ويعتبر احد مؤرخي قضاء علي الغربي، يقول إن مجيء الجواهري إلى المدينة كان بمثابة إبعاد مع استرضاء من قبل السلطة آنذاك، وذلك بعد قصائده التي هاجم بها الوضع السياسي القائم آنذاك، أو من خلال صحفه كالرأي العام والانقلاب اللتين تعرضتا للغلق عدة مرات من قبل الحكومات المتعاقبة على السلطة في العهد الملكي، والمؤرخ عبد الله الجبوري يشير في كتابه عن الجواهري الى انه بعد قصيدته التي ألقاها بمناسبة تتويج الملك تم تكريم الجواهري وذلك بإعطائه قطعة ارض زراعية في منطقة علي الغربي، مساحتها (4000) دونم وتقع على الجانب الأيمن من نهر دجلة وتسمى المنطقة بالكبسون وهي مقتطعة من ارض حنين أبو ريشة احد مشايخ بني لام، وأصدرت وزارتا الداخلية والري كتابا رسميا بتزويده بمضختي ماء لسقي الأرض كما يقول البخاتي.
وكان وصول الجواهري للمنطقة عام 1953، حيث وجد المناخ الملائم لبقائه وهو المعروف عنه عدم الاستقرار في مكان محدد لمدة طويلة، فريف علي الغربي في ذلك الوقت زاخر بالشعر الشعبي، وكان حين يسمع شعراء علي الغربي الشعبيين يقول الشعر الشعبي ترجمان القريض، وهذا ما أشار إليه الفنان التشكيلي فهد الصكر في مقال له نشر في "طريق الشعب".
مناخ وطبيعة خلابة
فضلا عن وجود مناخ صحي لا سيما أن علي الغربي معروفة بالهواء النقي والطبيعة الساحرة التي تتمتع بها المدينة في خمسينيات القرن الماضي كما يبين البخاتي، وفضلا عن قصيدة أم عوف هناك قصيدة الراعي وصف بها الجواهري تلك الأجواء الرائعة التي تعيشها المدينة التي تحدها إيران من جهة البادية والاهوار من الجنوب ومن الشمال تحدها غابتان ويخترقها دجلة، والجواهري ترك الأرض الزراعية بيد المزارعين وكان يشرف عليها فقط، والجواهري عندما جاء إلى علي الغربي وجد السيد محمد علي العلاق وهو شاعر مترجم له في شعراء الغرب ومترجم له في أعلام أعيان الشيعة، وللجواهري قصيدة مدح للسيد محمد علي العلاق اسمها الربيع بمناسبة عقد قرانه عام 1924، وكذلك وجد شخصا آخر هو الشيوعي الشاعر الشعبي جاسم مجيد الخيون وهو عم الباحث رشيد الخيون والطبيب حزقيل، وقسم من بيت الخيون ابعدوا من الناصرية إلى علي الغربي وأعطوا أراضي زراعية أيضا قبل الجواهري، وكان يطيل الجلوس عند صديقه الطبيب حزقيل، وواقعة قصيدة أم عوف يتحدث عنها القاص عبد عون الروضان الذي كان والده شرطيا في علي الغربي أيام وجود الجواهري وكان حاضرا أثناء كتابة الجواهري للقصيدة التي ألفها بعد إقامة ام عوف وليمة غداء له.
كرم المرأة الريفية
وسبب الوليمة كما يقول البخاتي إن الناس لبساطتهم كانوا ينظرون للجواهري على أساس انه رجل دولة ومتنفذ، وكانت هذه المرأة الكريمة تريد أن تثبت لرجل الدولة كما تعتقد كرم أهالي الكبسون ومحبتهم للضيوف على الرغم من حياتهم البسيطة، وبعد الوليمة سألها الجواهري هل لديها طلب ممكن أن يحققه لها ردا للكرم الكبير وروح الضيافة العالية التي تجسدت عند تلك المرأة الريفية، فطلبت منه أن يتدخل لإعفاء ولدها عوف من الخدمة الإلزامية خاصة وان ابنها كان متزوجا حديثا وفعلا تدخل الجواهري واعفي عوف من الخدمة العسكرية، ويضيف البخاتي نقلا عن صاحب المكتبة العسكرية أبو سعد بان الجواهري لو أتاه شيطان الشعر يترك كل شيء ويقوم بنظم قصيدته، فطلب من المتواجدين معه مثل الدكتور حزقيل وكذلك ابو سعد ووالد عبد عون الروضان وغيره من الضيوف في وليمة أم عوف أن يكتبوا له صدر كل بيت من القصيدة وبعد ذلك يقوم هو بتكملة عجز كل بيت، وما أن انتهى من الوليمة حتى قام بإكمال قصيدته الرائعة (ام عوف) المكونة من (109) أبيات، وفي اليوم الثاني تم إرسال القصيدة للنشر والتي خلدت أم عوف للأبد، وبالنسبة لسكنه يقول البخاتي كان يسكن في فندق صغير اسمه فندق محمود ملا حسن، وكان يذهب للمزرعة نهارا إما على فرس أو في سيارة، وللتاريخ نقول على الرغم من صداقتهم القديمة لكن السيد العلاق قاطع الجواهري لسببين أولهما انتماؤه السياسي كشيوعي والثاني لكونه يحتسي الخمرة كما يقول البخاتي.
تزوج من فتاة عمرها 18 عاماً
وعن الفترة التي قضاها الجواهري هناك يقول البخاتي من عام 1953 الى عام 1957، بعدها سافر إلى سوريا للمشاركة في أربعينية تأبين وزير الدفاع السوري عدنان المالكي، ثم عاد إلى علي الغربي وبعد ثورة 1958 عاد إلى بغداد، ولم يعود إلى القضاء بعد ذلك التاريخ.
الجواهري أثناء وجوده في القضاء تزوج من فتاة عمرها 18 سنة من عشيرة البودراج واستأجر احد البيوت في علي الغربي واسكنها فيه، وطلقها بعد مغادرة المدينة ووكل محاميه ابن السيد كاطع العوادي بإكمال دعوى الطلاق، وقد عقد عليها في محكمة بداءة علي الغربي وكذلك الطلاق اجري في نفس المحكمة، وتلك الفتاة كما قيل لي والكلام للبخاتي ما زالت على قيد الحياة وموجودة في بغداد الآن، علما أنها لم تنجب أولاداً من الجواهري.
وعن مجيء أم خيال إلى علي الغربي بعد سماعها بخبر زواجه يقول إن طالب الخياط وهو احد وجهاء علي الغربي وكان الجواهري يجلس في محله أحيانا يؤكد ذلك، لكنه لم يعرف أسباب مجيئها، والكبسون هي قرية تتوسط القرى الممتدة ما بين شيخ سعد ومركز القضاء وهي تبعد 7كم عن القضاء، وسميت بهذا الاسم لوجود كبسول خراطيش المدفعية البريطانية فيها، لكن الأهالي بلهجتهم سموها بالكبسون، والى يومنا هذا يطلق على الخط الناقل للكهرباء من المركز الى القرية يسمى بخط الجواهري، وأنا أناشد المسؤولين  في المحافظة والقضاء من خلال جريدة المدى بإقامة نصب للجواهري وإطلاق اسمه على احد شوارع المدينة، وعزا ذلك الى ان الجواهري كان يجلس في قاعة معينة في احدى دول العالم لمدة ساعتين ويسارع المسؤولون بتسمية القاعة باسمه، فكيف الحال إذا أقام في مدينة وعايش أهلها لعدة سنوات، لذا اعتقد انه من الواجب أن ننجز هذا الأمر الذي يستحقه شاعر العرب الأكبر.
الدليل الى الكبسون
خرجنا أنا ونصير ووائل باتجاه بيت ابنة أختي بعد أن اتصلت بها وطلبت منها أن تحضر لي سمكا مشويا، وكان بانتظاري شاب اسمه ستار جبار أرسلته للدلالة على البيت، وكان ستار خريج المعهد التقني العاطل عن العمل بانتظاري ليكون مفتاح طعام معدتي ومهنتي لأنه صديق احد أحفاد عوف ابن أم عوف في الثانوية.
أكلنا السمك وأسرعنا باتجاه قرية الكبسون التي تبعد بحدود 7كم عن مركز القضاء، لا أخفيكم فرحي ولهفتي وأنا ادخل القرية التي تقع على ضفة نهر دجلة، قرية من بيوت الطين تملأها الماشية والبط والدواجن الأخرى، شدني منظر امرأة سومرية ترعى بأغنامها وبيدها مغزل تحوك به وهي تسير، وأشجار الأثل والصفصاف تملأ الطريق.
ومن روائع الصدف أن الشخص الأول الذي قمنا بسؤاله هو حفيد عوف واسمه سعد زامل عوفي، لكن الجواهري أبدله الى عوف  وليس عوفي، وأرشدنا الى بيت جده الطيني الواسع وهو عبارة عن ساحة واسعة تتوزع فيها الغرف الطينية.
(نوفه) التي أحبها الجواهري
استقبلنا الحاج عوفي عند الباب على الرغم من الشيخوخة التي بدت على الرجل، لم أتمالك نفسي في السؤال ليسبق حتى سلامي قائلا له هل تتذكر الجواهري، ضحك قائلا وبلهجته الجنوبية (جا شلون) بمعنى كيف لا اعرفه، وسأترجم لهجته الجنوبية إلى الفصحى ثم قال "لقد كتب عنا أنا وأمي قصيدة أم عوف، وحتى اخذ لنا صورة وكان كلما يأتي لمزرعته يطلب مني أن أصاحبه في السير بالمزرعة، ويؤكد عوفي ان الجواهري قضى ليلته في خيمتنا بعد أن قامت والدتي بذبح خروف له وكذلك أربع دجاجات، وكان معه 25 شخصا بين مدنيين وشرطة، وجميعهم كانوا في بيتنا الذي كان يسمى (صهوة)، ومجيئه كان في فصل الشتاء. ويبين عوفي بان الجواهري كان يرتدي الزي الرسمي (سترة وبنطلون) كما يقول عوفي، وفي احد الأيام رافقته لمدة ساعتين وسألته حينها لماذا لا تحمل مسدسا فرد علي قائلا "أنا عصبي وسريع الغضب.. وإذا ما حملت مسدسا لن أتوانى عن قتل من يغضبني"، ويؤكد عوفي أن الجواهري خطب شقيقته (نوفه)، لكن رئيس عشيرة السراي التي ينتمي لها عوفي رفض ذلك وقال للجواهري"أنت ابن مدينة والفتاة لا يمكن ان تعيش معك"، وأضاف عوفي قائلا"الجواهري مات على نوفه وقال للشيخ اطلب ما تريد بس الشيخ كله لو تعادلها بالذهب ما اطيكيها" وهذا حكم التقاليد علينا، ويضيف عوفي على الرغم من رفض الشيخ للجواهري لكن بقيت علاقتنا مستمرة، والدليل على ذلك  انه حين تزوج  من امرأة دراجية أي من عشيرة البودراج، أخذت خروفا له كهدية لزواجه وكانت فتاة جميلة ووصفها عوفي بقوله"والله مره"، وحين سألته عن الفتاة قال"خوش بنيه وخادمتني"، وقال لي أعطي الخروف لعائلة محتاجة.

أم عوف اسمها
(زنوبه حواس زبون)
وبشأن القصيدة وكيفية معرفته بها قال عوفي "جاءنا في الصباح وأخذنا أنا وأمي واخبرنا بالقصيدة واخذ لنا الصور. علما أن اسم أم عوف الثلاثي هو (زنوبه حواس زبون).
ويضيف عوفي أن الجواهري أصبح مثلنا رجلا ريفيا وليس الجواهري ابن المدينة والترف، ويسألني عوفي ببساطة الإنسان الريفي "صدك من اجه صدام للحكومة الجواهري شرد"؟ فقلت له نعم فرد علي "صدك هوه ما يرضى بالباطل"، ويضيف عوفي بان زوجته وهي شقيقة زوجته الأولى هي وأخت الجواهري جاءت إلى علي الغربي بعد أن سمعت بنبأ زواجه من الدراجية وجاءت وكانت تحمل مسدسا، ولكن الجواهري أخفى العروس عندنا وأنكر الأمر لأنه كان يخشى من زوجته ان تعرف بالأمر، مشيرا إلى ان قصيدة أمي تدرس بالمدارس والجامعات وفي جميع الدول بحسب قوله، ومع الأسف انه مات غريبا في سوريا، أما أم كامل زوجة عوفي فتتذكر الجواهري بقولها انه طويل القامة وأفندي وكنت أنا من يعد الطعام له حين يأتي لزيارة بيتنا، وكان كريما معنا ودائما يقول لعوفي "اطلب شما تريد لكن ابو كامل يرفض ذلك وتقصد الحاج عوفي الذي حاول بكل صورة أن نكون ضيوفه في ذلك اليوم، لكننا رفضنا ذلك بذريعة العمل وودعناه ونحن نردد مع الجواهري أبياتاً متفرقة من قصيدته العصماء:

يا أم عوف عجيبات ليالينا
 يُدنين أهواءنا القصوى، ويدنينا
يدفن شهد ابتسام في مراشفنا
 عذباً بعلقم دمع في مآقينا
يا أم عوف وما آهٌ بنافعةٍ
 آهٍ على عابث رخص لماضينا
يا أم عوف وما كنا صيارفة
 في ما نحب، وما كنا مرابينا
إنا أتيناك من ارضٍ ملائكها
 بالعهر ترجم أو ترضي الشياطينا

تعليقات الزوار

  • علي جاسب

    اه , ثم اه على تلك الايام الخوالي التي مرت كلمح البصر , فهل لها من رجوع ؟ يا ترى بماذا يشعر عوف , أو عوفي ابن تلك المراة , وكيف ؟ كم اتمنى احيانا لو انني عشتها , فقد كانت على بساطتها اياما حلوة لا هم فيها و لا شجن بسيطة كبساطة اهلها وناسها . وتلك الايام

  • علي الذهبي

    الأخ العزيز يوسـف المحمــــداوي المحتـــــرم...... تحيةالودوالمحبةالصادقة: وددتُ أن أكتب اليك للتعارف والتواصل المعرفي اولا ثم لأتزودوأنهل من معارفك الثرة..وحتى لاأطيل عليك أستاذي الجليل..لدي سؤالان أرجومعرفة جوابهما(هل أن صورة

  • ‏ضياء دراجي الاصل‏

    انا ابن الشيخ المرحوم عبود عباس الدراجي صاحب مقاطعة السيلة ولماذا لم يذكر المؤرخون في قضاء علي الغربي علاقة الشاعر الجواهري مع والدي

  • حيدر حيال

    يا أم عوفٍ وآهٌ بنافعةٍ آهٍ على عابثٍ رخصٍ لماضينا

  • احمد

    مقال جميل وانيس، شكراً على ما ارّختم. وارجو تصحيح خطا املائي -بحسب الظاهر- وهو: (وهو شاعر مترجم له في شعراء الغرب ومترجم له في أعلام أعيان الشيعة) الصحيح هو: شعراء الغري وليس الغرب.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top