علي النجار.. عن الإيلام والسطوع الداخلي

علي النجار.. عن الإيلام والسطوع الداخلي

عاصم عبد الأمير ثمّة رسوم لا تستجير برواسم تعود إلى ما هو خارج قريحتها، وامتلائها الوجودي. إنها هناك في الجدل الذاتي الذي يحوّل القيم إلى فضاءات مُمرّغة باستفهامات وجودية، وليست معنية باقتراح حلول من نوع ما، لهذا تسير وهي تحمل لغز تشكّلها معها.

علي  النجار أمثولة لهذا الصنف من الإبداع، الذي يطمح من خلاله تثبيت لغز الرسم وجوهره، بعيداً عن أيّة حالة مضرّة تربك حيوية إنجازه الفني وهو يُشيّد ويتمثّل تكوينه الجنيني. ربما لهذا السبب يكشف هذا الفنان عن غليانه الشعوري الذي يسيل على القماشة البيضاء دون أن تخالطه غلظةً عقلية، أو مشورة مما هو خارج الخيال. لهذا تجد خلائقه العضوية السائلة ذات منشأ مائي تتشكّل على هواها، مؤلفة حياة دائمة لها شعاع الكمون الأول. خلائق تنتمي إلى جذرها الخليقي الأول، لكنها الأقرب إلى بكرية الخلق منها إلى حقيقتها الفيزيائية. ثمّة تشاكل مثير يدفع بها إلى ضرب من الاتحاد الوجودي، وكثيراً ما تُظهر كرماً في التفاني وهي تستبدل كينونتها بأخرى، أو تتضايف معها، لا فرق، في مشهدية تعود بنا القهقرى إلى مبدأ التناسخ الذي عرفته وسارت به العقائد في الحضارات الشرقية القديمة بفتوحاتها الأسطورية التي دشّنت مقاربات الإنسان في رحاب المعرفة.ثمّة عود إلى لحظات لها لبوس الوعي الفجري، لكن هذه المرة بعرفانية أعلى، تذكّر نظرياً على الأقل بما فعله فنان وادي الرافدين والحضارات المتعاقبة حين هامت بنزوعها الروحي، جاعلةً من الخلائق توأماً وشريكاً لأصل وجودي واحد. علي النجار وريث هذا الوعي الأسطوري الذي دمج ما هو إنساني بما هو مجهول، مع أنه ليس معنياً بنتائجه الجمالية جرّاء هذا الاتحاد، فكثيراً ما يحدث أن خلائقه تلك لها هيئات منزاحة وأكثر غولية، وهكذا تبدو كأنها ضحية تحمل صبغة احتجاج أكثر منها اعترافاً بوجودها الحر في واقعٍ لا يُريد أن يرى الجمال، والعفّة، والرفاهية بعيداً عن الكوابيس وفنون القهر.هل نقول: إن رسوم علي النجار افتراضية؟ بمعنى تقترح حياة تتشكّل بعلوٍّ خاص، ونضارة قل مثيلها، مقايسة بوجودنا الفيزيائي الزائل، هذا مما لا ريب فيه، ربما لهذا السبب تنحت مسارها الميتافيزيقي الخاص بها، وإذا ما عرفنا أن الميتافيزيقا حتى في توصيفها الأرسطي تعني الكينونة بما هي كينونة، وأن علّة الأشياء في جوهرها لا في الأعراض ،يبدو صحيحاً أن النجار يخاطب الآخر بصيغة نقد الفجوات في الذات الإنسانية التي تدفع بالإنسان إلى تدمير ذاته بذاته، وما يترتّب عن ذلك من نتائج تُنذر بهزائم متلاحقة، ولا أقول وشيكة.لقد تفهّم علي النجار أسرار أطروحته وأهدافها، وكان يمضي قدماً في الحفاظ على نزعة شبه بدائية، التي تجنّب الخطاب من السقوط في الشيطانية التي تركت وراءها كل هذا الخراب والدم والاغتراب، لهذا فهو يقدّم نفسه كرسام يتمثل هيئة شاهد على ما يحدث في عالمٍ غير متوافق مع نفسه، تتقاذفه المصالح المتعارضة، وليس ثمّة حكمة في الأفق للعدول عن ذلك. قلّة من الرسامين تتملكهم النشوة حين تدركهم حرفة الرسم، وهي التي تدفع بهم إلى نبذ الاستعراضية المضرّة، كما أنها جزء أصيل من شخصية هالها ما يفعله الحدس وهو يغذي السطح التصويري بالمدد الروحي، ليصل به إلى لحظة أقرب إلى العرفان، ما عدا ذلك ليس إلاّ سباحة في المظاهر المخادعة للممارسة الجمالية وهي التي لا تصل إلاّ بعوالق الأشياء، وهذا مما يُظهر له الفنان ألف حساب. علي النجار هو الأقرب إلى هذه الصورة، كما أنه يعمل على الدوام على عدم غلق النوافذ بوجه المتخيّل بما يمكّنه من جلب مظاهر الإدهاش، بعيداً عن ميكانيكية النظر ومنظومة الأحاسيس، لهذا تبدو رسومه سخية وتعطي أكثر مما تأخذ. مع ستينيات القرن الفائت، اتضح لدارسي الفن العراقي ونقاده، أن تجربة آتية سيزداد لمعانها مع الأيام رغم ما واجهها من شح نقدي، بما لا يليق والطاقة الكامنة وراء هذه الرسوم، وهي تتعايش مع نفسها، تاركة خلفها نسقاً أسلوبياً نادر الحدوث في التشكيل العراقي فيما لو قورنت بتجارب أخرى مجايلة، وبالذات ممن هرسها الوعي المشوّش للأسلوبية، تلك التي صوّرت الأسلوب بئراً يصعب تداركه. وهكذا بدت تنسج على منوالها وتلوك إنتاجها الفني في طواف لا نهاية له، حتى بدت كما لو أنها سمة مُعرّشة في خطاب الفن المعاصر، لتنتهي إلى ما أسميته ذات مرة بـ(حداثة النمط).غير أن علي النجار متمكّن من مصادر إلهامه، وهي ذاتية على الأرجح، وليست خارجة عنها. إنها من صنع أنامل تدرك مغزى إيقاعها الجدلي، وتُظهر شفافية في التخاطب البصري، وصادره عن مخيلة حرة تريد أن تصنع عالماً مضاداً لعالمنا المتوحّش. إننا ندين لهذا الفنان طواعية أعماله التي لا تتكئ على توصيف منهجي إلاّ على سبيل الفرز الأسلوبي لا أكثر، لهذا فهي تكشف على الدوام سيولة الاستقبال من مرجعياتها، كما أنها قابلة على الدوام لتجديد نفسها في رؤية لعلها الأقرب إلى الميتاواقعية، مع علمي أن هذا التوصيف لا يصب سوى في القشرة الخارجية المخادعة لمنجزه الصاخب بالتحديث، والإيلام، وسطوع الجمال الداخلي، زُد على الموسيقى المنبعثة من تراكيبه التي لها رنين سيكولوجي حزين، لكن بلا زخارف كاذبة.ليس ثمّة ستار عازل بين ما هو مت

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top