هواء في شبك: (أبو مرقال)

هواء في شبك: (أبو مرقال)

عبد الله السكوتي لم يكن على عادته المعهودة، أراد أن يكسر روتينه القاتل ويلغي فكرة التعرض إلى عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة ، وكانت لديه أسبابه فالقوات الأمنية أصبحت قوات مناسبات ، نشطة في الأعياد ومراسيم أداء الزيارات، ولذا قرر التجوال في شوارع بغداد وأزقتها، خاطب نفسه: هي فرصة لاقتحام أحياء بغداد بلا خوف فالاسترخاء بعد لم يطل القوات الأمنية.

 طرح الفكرة على زميل له واخذ الاثنان يذرعان الشوارع التي كانا يتسكعان فيها أيام زمان، هي متعته الجميلة. ابتدأ مشواره من شارع السعدون باحثا عن المكتبات التي تحول الجزء الأكبر منها إلى أسواق لبيع المواد الغذائية أو محال لبيع الأدوات الطبية مستعرضا دور السينما التي خلت من روادها لتهجر إلى غير رجعة ، ذهب بعيدا في تناول مأساة بغداد فهي الأخرى لها مأساة خاصة بها تختلف عن باقي المحافظات ، سأل نفسه : أهذه بغداد؟ ردد: ان هذه المدينة لا أعرفها ، إنها مدينة شاخت وألقت بظلال حزنها على أبنائها وعقّب متكلّما مع زميله : أترى بغداد العجوز ؟ فضحك الآخر مستغربا من وصفه وأجابه : (ليش عجوز؟) ، رد عليه بأنها : عجوز لأنها لم ترَ النور منذ سنوات طويلة فالظلام يلفها ليلاً وهي مدعاة للخوف نهاراً ، يسري الخدر في جل مفاصلها وأنا أتوقع في كل حفرة بسيطة عبوة ناسفة وفي كل سيارة مركونة أسلاكاً ومفرقعات ولذا أنظر من خلال النوافذ باحثاً عن خيوط تدعوني كي ألوذ بالهرب ، سمع صديقه يقول : دع هذه الهواجس وقص عليّ قصة مع شاي نشربه في أول مقهى نلتقيها ، اقتنع بالفكرة وراح يسرد : يُحكى أن غراباً سأم مشيته بعد أن رأى القطاة وطريقة سيرها الجميلة الأنيقة المتّزنة فأراد تقليدها ولبث زماناً يحاول ذلك ولا يستطيع إحكام تلك المشية ، أصابه اليأس وأراد العودة إلى ما كان عليه فلم يفلح ولذا بقي على مشية نشاز يقفز من خلالها من مكان إلى آخر فلا هو أدرك مشية القطاة ولا عاد إلى مشيته القديمة ولذا قال فيه الشاعر : إن الغراب وذاك قول سابق/ في سالف الأزمان والأقوالِ حسد القطاة فرام يمشي مشيها/  فأصابه ضرب من العقّالِ فأضاع  مشيته وضيّع مشيها            ولذلك سمّوه أبا مرقالِ فصاح صديقه وكأنه حلّ لغزاً عصيّاً (يعني ضيّع المشيتين مثل ما يكَولون) . فردّ عليه صاحبنا : نعم (ضيّع المشيتين ، هسّه افتهمت؟) فأجاب الآخر:( نعم ، الحكاية مفهومة ولا تحتاج إلى مزيد من الشرح والتعقيب إلا اذا وددتَ أن تضيف شيئاً ) فردّ عليه: (لا داعي للإضافة لأن الأمر هواء في شبك!). ومع هذا فقد نظم أحدهم بيتاً من الأبوذية يقول : (سكَيته الشهد يا هالناس مر كَال وظل دومه اعله صدري يدوس مركَال صرت مثل الغراب أنوسم مركَال تيّهت المشي وشلون بيّه)

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top