حين يمتزج الكذب بالصدق

حين يمتزج الكذب بالصدق

المدىمثلما يحدث دائما، أعقبت حملة الاعتقالات الأخيرة التي حدثت في الموصل ومحافظات أخرى، موجةٌ من الاحتجاجات السياسية التي وجدت في الاعتقالات تعسفا حكوميا ورأت في الأشخاص المقبوض عليهم ضحايا أبرياء لذلك التعسف المفترض.

السياسيون الذين استنفروا لاستباق القضاء أعلنوا براءة المعتقلين من تهمة الانتماء لتنظيمات قاعدية أو صدامية، من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الاستفسار من الجهات الحكومية المختصة عن دواعي الاعتقال ومدى شرعيته..وهو استنفار حدث في كل الحالات المماثلة، وستكون الدوافع الإعلامية والرغبة بالظهور بمظهر حماة الحريات وحقوق الإنسان ومنع الظلم والتعسف هي التفسير الأكثر مقبولية لهذا الهياج.وفيما لا يستطيع أحد أن ينكر أن السجون دائما لا تخلو من مظلومين، وإن من الواجب الإنساني والوطني الدفاع بكل قوة عن أولئك المظلومين والعمل على منع الظلم ورفعه..فإن المنطق يذهب مقابل هذا إلى العمل عمليا، وليس دعائيا، على تأكيد براءة البريء من خلال توفير المعلومات التي تؤكد البراءة وتدين الجهة المتعسفة لإنهاء حالات الظلم.للآن لم تلحظ الناس سلوكا من أية جهة سياسية أو مدنية يذهب هذا المذهب الذي يوفر المعلومات ويقدم الحقائق التي تحرج جهات الاعتقال وتدينها، برغم أن أبرياء فعلا كانوا قد اعتقلوا وتأخر إطلاق سراحهم، وبرغم أن الحصول على معلومات تؤكد براءة البريء ليس بالأمر العسير..وهذا ما يدعو إلى التفكير في أن الدوافع الإعلامية ومعها الشوشرة السياسية هي التي تحرك الكلام العام المفرغ من أية حقائق ومعلومات عن تعسف وظلم بحق أبرياء مظلومين، مما يفقده صدقيته ويجعله عرضة مباشرة للتشكيك وعدم الوثوق به، وهو الأمر الذي يحدث أيضاً لكثير من التصريحات الأمنية الحكومية التي تتحدث عن القبض على مجرمين ومطلوبين متورطين وقد يتبين بعد حين أنهم لا مجرمون ولا متورطون مطلوبون.بخلاف هذا فإن هذا الهياج من الممكن أن يُفَسَّر على أنه تضليل للسلطات وتحريض عليها وإعاقة للجهد الأمني وتوفير غطاء للجريمة والمجرمين. ومن المؤسف أن الكثير من حالات الهياج الإعلامي السابقة كانت تنتهي بما لا يخدم سمعة المهيجين ولا يفضح متعسفين ظالمين، وبما يؤكد أما طابعها الدعائي الإعلامي أو دوافعها السياسية غير البريئة.وقد كان من الممكن تبرير ذلك السلوك قبل سنوات والعثور على مسوغاته، أمنياً وسياسياً وثقافياً، ولكن بعد النضج المفتَرَض لسياسيين ومسؤولين والذي وفره الإستقرار النسبي وتراجع دوافع الثأر والإنتقام والعصبيات والجهل في الإجراءات الأمنية لن يكون ممكنا القبول بهذه السلوكيات السياسية التي لا تخدم الأمن كما لا تخدم الأبرياء الحقيقيين الذين تضيع حقوقهم في امتزاج الكذب بالصدق وضياع الحدود بينهما في غمرة التهييج والدعاية الإعلامية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top