ثقافة التخصص

ثقافة التخصص

خضير فليح الزيديأجد أن الحديث أصبح واجبا عن تعاظم مشكلة حقيقية بدأت تترسخ وتتعاظم في الأدب العربي المعاصر بكل حقوله وثقافته عموما، وفي شمولية الكاتب وتقافزه من حقل أدبي لآخر.. هذه المشكلة تصبح حقيقة ماثلة للعيان أمام المتفحص لاتجاهات الحقول الثقافية فنية أو أدبية، فكلما أصبح المثقف شمولي النزعة والتوجه، طبعا دون وعي منه بحجم وضخامة الإشكالية المتبلورة كظاهرة متكررة.. نجده ممارسا لأكثر من حقل فني أو أدبي ويجمع أكثر من ممارسة ثقافية بل انه يتفاخر بها أحيانا..عندما نجد أن الكاتب غير المتخصص ما زال يعد نفسه شاملا.. هو الكاتب الشامل والكلي المعرفي أو الملحمي الكاشف لهواياته المتعددة. 

الذي لا يستطيع الصمود كثيرا أمام إزاحات عصر الصورة وثورة التقنيات الهائلة.. هنا يتطلب مراجعة حيثيات المنجز والأثر والوقوف على التخصص الأكثر قبولا..  تراه يكتب القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر على السواء، نفس الكاتب أيضا يطبع روايته الجديدة، بعدما تفشى الطبع شبه المجاني ودون أدنى مراقبة من مؤسسات الثقافة أو وزارتها، لفاعلية الكتاب المنتج، والأمر هين إلى هذا الحد بل وربما مسيطر عليه قبل أن يتحول إلى ظاهرة منمّطة في الثقافة، لكن الكاتب/ الشاعر/ الروائي/ القاص وصاحب نصوص ميلودراما المسرح الفقير والمخرج المسرحي أحيانا، بل انه يفاجئ الجميع في إقامة معرضه التشكيلي الأول، ويعد معرضه هذا قد  تأخر كثيرا في إظهار موهبته الفذة.. وربما يحتمل قاموس الثقافة العراقية شيئا من شمولية الفنان/ الأديب، لكن صاحبنا يطرح موهبته بعد أن أكمل الماجستير والدكتوراه في حقل منهجي يختص بعلوم اللغة، إن هذا الشمولي اليوم يتكهن بموت الابيستمولوجيا واللسانيات المتقادمة وولادة منهج نقدي جديد حسب وصفه، بذلك يطرح نفسه ناقدا حداثويا في ملاحقة المنجز الأدبي العراقي في شعريته الجديدة وروايات ما بعد التغيير وكذلك الحركة التشكيلية الدائرة في البلد.. المثقف الشمولي يطرح نفسه أكاديميا وإبداعيا دون أدنى مراجعة لما هو قد ذهب إليه.. التساؤل هنا: كم من هذه الشخصية الشمولية موجودة على ارض واقع الثقافة العراقية المعاصرة اليوم؟ واعتقد تذكرتم بينكم وبين أنفسكم بعض أصدقاء الوسط الثقافي من شمولي الثقافة العراقية.. الذين يضعون أنوفهم في كل حقل او جنس كتابي.. أليست الشمولية بكل أصناف الشمولية حركة بغيضة وتحتاج الى اجتثاث كظاهرة متسطّحة؟ ليس اختصاصي الجملة التي تتكرر في كل لغات العالم إلا هنا.. الجملة التي تتكرر في ثقافات عدة إلا في ثقافتنا.. لكن حياتنا العامة سابقا كانت تلتقط مفردات وجمل مثل ( صاحب المصلحة ) هو أفضل بكثير من النجار والحداد والبناء في شخصية واحدة هذه الأيام .. فهو لا يجيد بحرفية كل واحدة من تلك المهن.. اليوم والكل يعرف ما ذهبت إليه الحقول الأدبية في التخصص الكتابي، بل إن العالم بأسره يتجه إلى الميتا كتابة.. إلى التخصص ما فوق الدقيق.. ليس في الأدب أو الثقافة بل في كل نواحي الحياة المختلفة.. في العلوم كما في الطب المتخصص وفي الهندسة كما في علوم الأحياء المجهرية.. الأمر أذن ومن هذا المنطلق يحتاج إلى أكثر من مراجعة ووقفة تأملية في مراقبة جنس وحقل الكتابة أو المشروع الثقافي الذي ربما يحتاج لعمرين أو ثلاثة أعمار متتالية للحاق في المنجز العالمي المتحقق في هذا المجال أو ذاك.. إذن هناك أكثر من إرباك وفوضى، واعتقد أن تلك الميتا كتابة بحاجة الى دراسة المنجز العالمي المتحقق في إبداعات منجزة وسابقة لما ننجزه نحن على مستوى الأدب وعمومية الحقول الثقافية.. حتى إن الجامعة العراقية العلمية منها والإنسانية ما زالت في طور جد بعيد عن تحديث النظم الداعمة ( للميتاوات ) التي تشترط وضع الأسس الدقيقة والصحيحة في محور التخصص فوق الدقيق.. مثلا تمنح الجامعة العراقية شهادة الدكتوراه في الأدب الجاهلي.. وذلك الأمر هو الأبعد عن صلب موضوعتنا دائرة البحث.. تفترض ظاهرة (الميتا) أن تتخصص الأطروحة في الشاعر الجاهلي المسمى وفي جزء أو ثنائية مهمشة في ظاهرة شعرية للشاعر..  إن تطور مؤسسة عليا تعليمية مثل وزارة التعليم العالي، تقع على عاتقها الانفتاح الكلي على الجامعات العالمية وعلى تحديث نظم البحث وسبل النهوض في الاطاريح الجامعية.. الأمر الذي سيلقي ظلاله بالضرورة على واقع الحياة الثقافية، في اعتماده الأسس الحداثية في حقول ما فوق التخصص، بمعنى أن حراك محور الحياة الثقافية تكون قاعدته العلمية الصحيحة هي الجامعات العراقية التي تعتمد أسس إبداعية/ أكاديمية في تنوير ما خفي من الحياة الثقافية التي ظلت لعقود طويلة تعاني من تقليدية الاطاريح الجامعية واشتغالاتها على العموميات وتكرار مناهج البحث العلمي التقليدية..  

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top