أطروحات غير مجدية في مسرحة الملاحم والطقوس القديمة

أطروحات غير مجدية في مسرحة الملاحم والطقوس القديمة

   د.فاضل سودانيلقد أثيرت بعض الطروحات كتأكيد على وجود المسرح  في بلاد ما بين النهرين ـ السومري أو البابلي ـ  أو حتى في بعض الحضارات القديمة، بدون الاستناد الى البراهين والآثار والملحقات الأخرى التي يحتاجها المسرح وتؤكد وجوده، وإنما فقط استنادا إلى الحدث التراجيدي والشعر والمناحات والطقوس الدينية في سومر وبابل وهي عادة طقوس تراجيدية في جوهرها لأنها تحكي مأساة إلهة الخصب الرافدينية.

 ما أفترضه أنا وفي يقين الرأي هو أن الباحثين لا ينتبهون إلى أن تعدد أصوات القصيدة الدينية  وإيقاعاتها المختلفة في الحضارات العراقية القديمة هو الذي يدفعهم إلى اليقين بوجود مسرح سومري أو بابلي، وهذا التعدد هو إحدى ميزات النواحات الدينية والتراجيدية والطقوسية التي كانت تقام في المعبد، إذن الجوهر الذي نبتدئ  به هو أن هذه الميزات يجب ألا تجعلنا نقتنع بوجود مسرح سبق المسرح الإغريقي إلا إذا أكد ذلك علماء الآثريات في المستقبل. ونخلص أيضا إلى أن ما يدهشنا في حقيقة الأمر هو أن هنالك  طغياناً لميزات  درامية  وتراجيدية شعرية  للشعر الطقوسي  لهذه الحضارات القديمة يتمثل باحتوائه على أكثر من صوت واحد أو إيقاع مما يقربه من الدراما والتراجيدايا. ولهذا ومن ضمن الخصوصية الاجتماعية والثقافية لخلق المسرح يمكن  القول بان طبيعة الحياة في الشرق تجعل من المسرح فرجة يومية سواء كان في فضاء المدينة أو فرجة تمارس حتى بغياب التقنية المسرحية الغربية. وما يفرض هذه الممارسة هو فضاء المدينة الشرقية الذي يدفع الإنسان للفعل الحياتي الغني بالإبداع حتى وإن كان بدائيا.  فالمسجد والمعبد والسوق والساحة العامة والخيمة والفضاءات  العربية الأخرى هي أماكن جاهزة لذلك الطقس المسرحي الديناميكي المبني لا على هندسة البناء الدرامي الاسطوطاليسي الذي يأخذ طابعا هرميا مبنيا على التمهيد للحدث والعقدة (الأزمة) وبعد ذلك الحل أو الانفراج، وإنما نرى بان هذا الطقس مبني على مستويات وطفرات بنائية للحدث والحكاية أو بدونهما، ما دام يعتبر المكان وهندسته ومكوناته والفضاء  المملوء بالرموز والإشارات والدلالات والإحالات وغيرها جزءا من الفرجة. وهذا متوفر بالتأكيد في طبيعة الحكاية والأسطورة الشرقية.  ومن الطبيعي القول بان المسرح والتراث في الشرق يرفضان التكنيك الواحدي الذي فرضته التعاليم المسرحية الارسطوطاليسية والإغريقية والرومانية عموما وكذلك الكثير من التطورات المسرحية التي بنيت عليها مما أغلقت  دائرة التواصل والاكتشاف حتى يومنا المعاصر، إلا في بعض الاستثناءات، وعندما بدأ الكثير من المنظرين  في محاولة لتطوير المسرح الأوربي، فإنهم التجأوا إلى التراث وأساطير الحضارات والشعوب الشرقية كأنتونين آرتو، غروتوفسكي، برشت وبيتر بروك .  ومن هنا يمكن القول بان الشكل الارسطوطاليسي في المسرح المعاصر هو ليس الشكل الوحيد وإنما هنالك أشكال ثقافية غنية أخرى. لذلك فإن المهم لنا والأجدى هو تشخيص درامية وتراجيدية السرد والنصوص والقصائد السومرية والبابلية كشعر ومناحات ومناجات  حوارية مع الآلهة أو الأبطال، والتأكيد على أن الملاحم والأساطير التي وصلتنا متداخلة مع طقوس وفعاليات فيها الكثير من الملامح الدرامية إضافة الى تشخيص السرد الأسطوري والتعدد الصوتي والإيقاعي في القصيدة  المعبدية الواحدة، بدلا من الافتراض السهل الذي من خلاله القول بأن هذه الطقوس والملاحم هي مسرح، وبدون أن نمتلك الأدلة التي تثبت ذلك، فالمسرح يحتاج إلى مكان للحدث الدرامي والى نصوص درامية والى مستلزمات المسرح الأخرى. والسؤال المهم هو كيف يمكن استخدم الدلالات الدرامية والتراجيدية وتأويلاتها التي تضج بها الطقوس والأساطير وكذلك الملاحم القديمة من مختلف العصور في مسرحنا الآن، أو كيف يمكن كتابة مسرحية معاصرة من طقوس ونصوص الحضارات القديمة  كالسومرية أو البابلية أو الفرعونية أو المناحات واللوترغيات في الأساطير الأخرى  أو بيكيت او يونسكو؟ هل يمكن إتباع أساليب الكتابة التي استخدمها برشت أو جان كوكتو أو جان آنوي أو سارتر  وغيرهم في إعادة كتابة النصوص والحكايات أو الأساطير القديمة للمسرح المعاصر؟ ومن اجل كتابة نص  بصري معاصر (وهو ما أدعو له) مستوحى من الفضاء الأسطوري والملحمي السومري أو البابلي أو من تلك الأسرار الفنية والتقنية المتوفرة في ملحمة جلجامش بشكل حر وبتقنية بصرية تخلق مسرحا بعيدا عن هيمنة القوانين الارسطوطاليسة أو تعالي الهيمنة المركزية للثقافة الغربية، بل هو نص ينبثق من فضاء التراث الشرقي ومكوناته بدون ذلك التعصب الثقافي السلفي تعصب الهوية. ولهذا أؤكد بأننا لا نملك مسرحا سومريا أو بابليا لأن مستلزمات وجود هذا المسرح غير موجودة أساساً كما هو الحال بالنسبة الى الحضارة الإغريقية التي نشأ فيها المسرح. ومن هذا المنطلق حاولت استغلال الإمكانات الدرامية والتراجيدية في  ملحمة جلجامش واستغلال القيم الدرامية الموجودة في الملحمة ، كمقاربة درامية بصرية في المسرح المعاصر ونشر النص  باسم( أغاني جلجامش ) في كتابي الرحلة الض

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top