أيهــــــا الخــــــراب ..      جــــــئتُ لأراك

أيهــــــا الخــــــراب .. جــــــئتُ لأراك

صميم حسب اللهتنوعت تجربة الفنان (كريم رشيد) في الإخراج والتمثيل والبحث العلمي، إذ يعد من المخرجين المشاكسين الذين تفاعلوا مع التجارب المسرحية المثيرة للجدل لا سيما تجاربه مع المخرج (صلاح القصب) في التمثيل والإخراج ، فضلا عن ذلك قدرته في إخراج نصوص مسرحية أثارت الكثير من الجدل

 والتي نذكر منها إخراجه مسرحية (الحر الرياحي ) التي كتبها الشاعر (عبد الرزاق عبد الواحد) والتي تعد واحدة من النصوص العصية على الإخراج لما تمتاز من لغة  شعرية من الصعب اختزالها على خشبة المسرح ، إلا أن (رشيد) استطاع ان يضع بصماته الإخراجية عليها، أما في البحث العلمي فقد اختار التعاطي مع موضوع إشكالي كانت الكتابة فيه ولم تزل بمثابة الغوص في بحر متلاطم الأمواج بما يحمل من مصطلحات ومفاهيم متنوعة، إلا أن ( رشيد) استطاع ان يرسم خارطة طريق في دراسته المهمة للماجستير:(جماليات المكان في العرض المسرحي العراقي المعاصر) ، وبعد ان غادرنا إلى بلاد الثلج حيث تتوارد الأخبار عن اشتغاله في تقديم العروض المسرحية على قاعة المسرح البلدي في السويد وعن محاولاته  الجادة في كتابة النص المسرحي والتي كانت آخر ثمارها نص مسرحي حمل عنوان (جئت لأراك) الذي شارك في مسابقة  الهيئة العربية للمسرح وحصل على  الجائزة الاولى في عام 2011 .  لم يكن اختيار عنوان المسرحية اعتباطياً بل على العكس من ذلك فقد أفاد المؤلف من قصدية العنوان في تأسيس فرضيات النص اللاحقة والتي دفعت هي الأخرى بالمتلقي إلى قراءة العنوان على وفق تحولات الحدث في داخل المتن النصي. (جئت لأراك) مفردات لغوية مختزلة امتلكت معاني عدة في داخل النص فهي في البدء تشير إلى لهفة الغائب في رؤية الوطن الحاضر في الذاكرة التي ظلت محتفظة بالتفاصيل التي لا حدود لها .. فالشوارع والأزقة كانت حاضرة في ذاكرة الغائب الذي لم يخف لهفته في رؤية الوطن الذي تمثل ابتداءً في أجهزة الأمن التي استقبلته في المطار تفتش في جسده وروحه عن بقايا الأحلام التي جاء يحفظها في بلاده قبل أن تنطفئ حياته ، لم يمنح المؤلف بطله فرصة مثالية  للقاء بوطنه بعد سنوات من الغربة التي طحنت عمره حتى بات كومة من العظام المتهالكة، بل على العكس من ذلك دفعه إلى مواجهة شخصية (الضابط) الذي لم يدخر وقتاً أو جهداً في رسم علامات السخرية من (العائد) دافعا به إلى استرجاع ذاكرة طويلة من القهر والقسوة التي كان يمني نفسه بأن تكون قد انتهت في بلاده التي جاء ليراها وهو يحلم بأن تكون في طريقها الصحيح في احترام الإنسان ومراعاة حقوقه، وإنما جاء التصور مغايرا لذلك تماماً إذ سارع (الضابط) إلى تجريده من ملابسه  بحجة الحفاظ على الأمن القومي الذي يمكن أن يشكل (العائد) تهديدا عليه ، وسرعان ما أدرك الضابط بان (العائد) لا يمكن ان يعترض نسمة هواء سمح لها بالدخول وعلامات السخرية ترتسم على وجهه وهو (يتفحص أثر جرح قديم في ذراع (العائد) .. أنت أشبه بركام من حطام .. تفضل يمكنك المرور). لم تترك صدمة اللقاء الأول بالوطن آثارها في وعي (العائد) الذي يتملكه حنين عميق إلى بلاده التي طالما كان يبحث عنها في جميع المدن التي كان يجوبها مهاجرا ، وعلى الرغم من انه اختار أن يتزوج من امرأة مهاجرة ، من اجل العيش في رحلة جديدة مع الأوهام التي تتمثل في  قدرته على التكيف مع البلاد التي هاجر إليها، إلا ان ذلك لم يمنعه من العودة إلى الوطن تاركاً الزوجة والأمان والطمأنينة ، إنما حوله المؤلف في إشارة نابهة إلى طراز خاص من  الشخصيات التي تعيش في بلاد المهجر وتظل تعيش قلق الهجرة وما يدفعها إلى التعايش مع الآخر لا يكون كافياً للتعويض عن إحساس المهاجر بل على العكس من ذلك يدفعه إلى التفتيش في ذاكرته عن بقايا الوطن، ومن جهة أخرى فإن المؤلف عمل على تأكيد الاغتراب الذي يعيشه المهاجر وذلك من خلال عدم قدرته على تأسيس عائلة وفي ذلك شعور متجذر في وعي الشخصية التي ترفض بناء أسرة في وطن غريب لا ينتمي للثقافة التي سكنت في اعماق (العائد) . ومن جهة أخرى فإن المؤلف عمل على رسم شخصياته الأخرى بدقة عالية سواء على مستوى الشكل الجمالي او المعنى المزدوج، كما هو الحال مع شخصية (المصور) وهو صديق (العائد) وتكمن أهمية هذه الشخصية في أن المؤلف منحها وظيفة تمتلك القدرة على استعادة الماضي والمحافظة على الذاكرة من خلال صناعة أرشيف صوري للخراب الذي أصاب البلاد في السنوات التي كان فيها صديقه (العائد) يتمسك بذاكرته التي تحجرت على بلاد تركها ولم تزل تحتفظ بشيء من الجمال والإنسانية، إلا أن (المصور) يكشف أمامه حقيقة الدمار الذي حصل في بلاده .. إلا أن الحنين الذي كان (العائد) يحمله في صدره لم يتغير حتى بعد أن اكتشف أن صديقه (المصور) لم يكن شاهداً صورياً على الخراب فحسب بل كان مشاركاً في صناعته بشكل ما، فقد اعترف (المصور) أنه كان سبباً في هجرة (العائد) بعد أن تواطأ مع سلطات النظام السابق في بلاده، الأمر الذي جعل من عائلة (العائد) تعيش تحت مطرقة السلطة القمعية التي كانت تستثمر جميع الأساليب والطرق في القضاء على معارضيها في الخارج وقد كان (العا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top