الغاية من اختيار هذه المسلسلات وعرضها بهذه الكثافة

الغاية من اختيار هذه المسلسلات وعرضها بهذه الكثافة

محمد الكحطيمكن التأكيد أن فضائية الـMBC  هي أول فضائية بدأت بشراء وعرض المسلسلات التركية، كانت البداية موفقة، لكن كثرتها والإفراط فيها هي نقطة سلبية، لعدة أسباب، ولنسأل عن السبب الذي يجعل هذه الفضائية وهي الأكثر مشاهدة في البلدان العربية كما أشارت العديد من نتائج الاستبيانات التي أجريت، الى أن تتوجه هذا التوجه، هل لرخص ثمن هذه المسلسلات، أم لغايات مدروسة مسبقا، هذا السؤال نطرحه على إدارة الفضائية وعلى القائمين بالاتصال فيها، وبالذات من هم وراء قرار شراء وعرض هذه المسلسلات. 

 يمكننا أن نشير إلى بعض أسباب الاختيار. أولا: إن هذه المسلسلات تغطي ساعات بث كبيرة، ففضائية الـ MBC مثلا، تعرض في آنٍ واحد عدة مسلسلات تركية في اليوم في جميع قنواتها التي تبثها على مدار الساعة، وكذلك أبو ظبي ودبي، ويعاد بثها مرات عديدة في اليوم ومن ثم يتم عرض جميع حلقات الأسبوع لكل مسلسل أيام العطل أي الجمعة والسبت والأحد، وهذا يوفر تغطية لنشاطها، لساعات طويلة دون جهد كبير. ثانيا: إن هذه المسلسلات تجذب مشاهدين بأعداد كبيرة، مما يكسب الفضائية قدرتها على الحصول على إعلانات تجارية وزيادة أرباحها. ثالثا: اختيار مسلسلات ذات مضامين تتفق مع نهج القائمين بالاتصال في هذه الفضائيات أو تحقق أهدافا خاصة لمن يمتلكون هذه الفضائيات سواء كانوا أشخاصا أم حكومات، وقد يكون ذلك دون قصد لبعضها. رابعا: دوافع اقتصادية يمكن تقديرها، مثلا نجد اليوم العديد من رؤساء الأموال والمواطنين يفكرون بالاستثمار أو السياحة في تركيا. فكانت المسلسلات وسيلة دعائية ناجحة للسياحة أو الاستثمار في تركيا. خامسا: دوافع سياسية واجتماعية، من خلال عرض تلك الأفكار التي تحوي مضامين سياسية مقصودة في المسلسلات المعروضة، وهي عديدة، منها غرس أسلوب حياة جديدة يريدها المرسل في المجتمع. لقد عالجت بحق بعض المسلسلات العادات والتقاليد المتخلفة في الريف التركي بجدية، وأوصلت رسائل جيدة للمتلقين حول ضرورة إعادة النظر بتلك العادات البالية، ولا بد من نشر التعليم ومحو الأمية خصوصا للنساء في الريف، فهذا الزمان لا يتحمل بقاء تلك العادات كما هيّ. لكن من جهة أخرى قليلة هيّ الأعمال التي عالجت الصراع بين الفلاحين والملاكين أو بين العمال وأرباب العمل، أو عالجت أسباب الفقر في المجتمع. وكأن المطلوب من كل ذلك الزخم الكبير من المسلسلات التركية هو عكس ثقافة الغرب بكل ايجابياتها وسلبياتها، وغرسها في أذهان المشاهد العربي والتركي قبله، فحياة الترف والتحضر وقصص الحب والغرام وغرس الروح الاستهلاكية في المجتمع، وصور الانحلال الخلقي، وتدهور العلاقات العائلية وانتشار المافيات والعصابات وخلق صورة الرجل الفرد الخارق القادر لوحده أو مع بضعة أنفار على تغيير الواقع، وغيرها من المظاهر الاجتماعية الأخرى، ومن خلال التكرار ونجاح هذه المسلسلات فنيا سيتم بالإكراه شيئا فشيئا تغيير سلوك الناس كما خطط ورسم له المنتج والمخرج وكاتب السيناريو وصاحب الفضائية التي عرضت هذه المسلسلات.  والأنكى من ذلك أننا نرى في مسلسل \"وادي الذئاب\" أحداثا سياسية آنية تحدث في المنطقة  المسماة بـ \"الشرق الأوسط\" والمسلسل يرسم لنا كل شيء وكأنه مخطط له أن يغرس في أذهاننا ماذا سيحصل لاحقا لنكون مهيئين لاستقباله دون أي رد فعل، أي امتصاص رد فعل الصدمة مقدما، ومن يتابع هذا المسلسل بكل تفاصيله سيدرك جيدا ما أود قوله. هذا جعلني أتصور أن من بين المعروض الجيد هنالك ما هو سمٌ قد خلط مع العسل الذي نتناوله يوميا دون أن ندري أو نعلم، وأخطر السموم هي سموم العقل، فغرس كل تلك التوجهات والثقافات الغريبة عن مجتمعاتنا سواء العربية أو التركية، بسلبياتها وإيجابياتها، هو ما تهدف إليه معظم الأعمال المقدمة.  وهنا أستعير استنتاج أحد زملائي الذي صرح وبعد نقاشنا حول الموضوع، بأن تركيا كانت يوما جسرا لنقل الثقافة العربية الإسلامية إلى أوربا، واليوم تحاول أن تلعب الدور نفسه ولكن بالاتجاه المعاكس أي نشر الثقافة الأوربية ونقلها إلى الدول العربية والإسلامية، فهل لدينا البدائل...؟ هل عجزت الدراما العربية عن أن تقدم أعمالا توازي الأعمال التركية...؟  هل لدينا نقص في كتّاب السيناريو أو في الفنانين من الممثلين والمخرجين...؟ هل لدينا أزمة إنتاج فنية لا يمكن حلها، ومن يقف وراءها...؟ هل هنالك سياسات تعيق حرية الإنتاج لأعمال تضاهي المعروض التركي..؟ هل هنالك عوائق لحرية التعبير والإبداع في الدول العربية...؟ أنتظر الإجابة من الذين يهمهم الأمر، وأتمنى ذلك. علماً أنا لست ضد عرض المسلسلات التركية أو غيرها، لكن علينا أن نعرف ماذا نختار من مسلسلات، وعدم الاستخفاف بعقول المشاهدين، أو اللعب بمصيرهم، فواجب القائمين بالاتصال هو الرقي بالمشاهد العربي وتنوير وتطوير عقله  وذهنه، أم لديكم أهداف أخرى...؟  فشئنا أم أبينا، لقد أثرت المسلسلات التركية في المسلسلات العربية، وقلت مشاهدتها كثيرا، مما سيضعف الأعمال الفنية العربية، نحتاج إلى تشجيع الأعمال الفنية العربية، بل لتكن ظاهرة كثرة المسلسلات الأجنبية حافزا للفنانين العرب ليقدموا أعمالاًَ أكثر نجاحا. ومن جهة أخرى، على المسؤولين في الفضائيات العربية أن يحسنوا الاختيار من المسلسلات الأجنبية، لا أن يتم عرض أية أعمال

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top