قناديل :بحوث الإبداع الحديثة وتوصيف الديمقراطية

قناديل :بحوث الإبداع الحديثة وتوصيف الديمقراطية

 لطفية الدليمي هل الديمقراطية فكرة إبداعية؟ هل الإبداع يشترط الغموض الذي لا يفتح مغاليقه سوى المبدعين؟ يذكر (البروفيسور جيه ستيرنبرغ) في مقدمة كتابه الكبير (التفكير الإبداعي وبحوث الإبداع العالمية) ترجمة الدكتور عبد المحسن شلش السراج – ما معناه أن نظرة الناس تختلف إزاء موضوعة التفكير الإبداعي، فقد يعتبر  شعب ما  أن فكرة  الديمقراطية  هي من صلب التفكير الإبداعي،  بينما يرى أشخاص آخرون  وربما سلطة دولة ما أو رؤية عامة لدى شعب، أن الديمقراطية قضية غير إبداعية

  بالمطلق، ففي الولايات المتحدة  تعد الديمقراطية فكرة غير إبداعية كليا  حيث أنها من المسائل التي يجري التفكير بها وتطبيقها وهذا  يعني أنها فكرة تعاني من الوضوح بسبب إمكانية فهمها من قبل الجميع، ولذا فلا يمكننا اعتبارها قضية إبداعية بينما نجد شخصا في بلد آخر يمتلك فكرة عن الديمقراطية قد يعتبره البعض مبدعا  - في الأقل - وهو يواجه ( أفكار الحكومة) المستبدة.  وتختلف نظرة الدول أو حكوماتها عن الفكر الإبداعي – فالتعميمات حول الفكر الإبداعي تتقارب بخاصة  لدى الحكومات التي تتوهم وتعلن أنها تعزز الإبداع لدى مواطنيها، غير أن أفعالها تشير إلى تجاهلها المحكم  لتعزيز الفكر الإبداعي وإسناد المفكرين، ويذكر (سترينبرغ) أن الحكومات  الشمولية تعتمد في دوام وجودها على تجاهل بحوث الإبداع ويتعرض فيها المفكرون والمبدعون إلى تهديدات لحياتهم لأنهم يطرحون أفكارا  تخالف ما تؤمن به السلطة.  إن الحكومات التي  تم انتخابها  عبر عملية التصويت  سرعان ما تتجاهل  تفكير وأحلام الشعب الذي انتخبها وآخر ما تفكر فيه هو قبول الفكر  النقدي والمبدع الذي يهدد وجود هذه الحكومات وهي تزيف فكرة الديمقراطية  وتحصر عملية الدمقرطة في صناديق الانتخاب التي تعد  واحدة من عشرات الأسس التي تكون الجسم الديمقراطي لأية دولة ولا تختلف في هذا عن النظم الديكتاتورية  قامعة الحريات .. لقد تطرقت في هذه القراءة  الأولية - لكتاب  التفكير الإبداعي  إلى نموذج (التضليل) الذي تتخذه  بعض الحكومات  في الترويج لديمقراطية كسيحة   تضاد  التفكير النقدي والإبداعي  الذي  يضطلع به  المثقفون والمبدعون والمفكرون وتضع نفسها في مصاف المعصومين وليس من حق  الحريصين على المصلحة  العامة – توجيه النقد لها أو تأشير أخطائها    او التصدي لفساد منظومتها وإلا اعتبرتهم أعداء معلنين لسياساتها  فهي  ترى العالم من منظور أيدلوجيتها  لا من منظور مصلحة الوطن، وتقسم الناس  إلى   عدو  وصديق  وهو التطبيق  الديكتاتوري  المستند  إلى  فكرة الثنائيات المتقابلة – الأبيض والأسود والشر والخير ومن هذا المنظور  فإن من يمتلك السلطة   سيكون   في موقع الخيّر  والمنقذ وما الآخر الذي ينتقده غير عدو يسعى لتهشيم سلطته فيعمد إلى إقصائه ومعاقبته وتتصور حكومات كهذه  أن سلطتها باتت مقدسة  لأنها  كسبتها كاستحقاق  وإرث   يعوضها  عن قمع   تعرضت له سابقا   فتستخف  بمن  يختلف مع نهجها ورؤيتها الواحدية للعالم والإنسان - ومن باب الاستخفاف بكل فكر نقدي  تبدأ - وفقا  لمبادئها  المتزمتة - بتحجيم الحقوق  الإنسانية  لمن يختلف معها فكريا ومنهجيا وتحظر الحريات العامة التي يكفلها الدستور كحرية المعتقد والتفكير  وحق التعليم  والتنقل وحق العيش الكريم والنقد وحق التظاهر  وحق  محاسبة  الفاسدين وترى في كل إشارة إلى هذه الحقوق الأساسية استعداء على هيبتها، لأنها    باختزالها  الديمقراطية إلى حدها الأدنى في التصويت  فإنها  تمسخ  فكرة الديمقراطية التي  تشترط  أساسيات ملزمة كنهج للحكم السديد في النظم الديمقراطية. (سأقدم  لاحقا  - قراءة ثانية لكتاب التفكير الإبداعي) 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top