عنبر «مرسي» للتأديب

آراء وأفكار 2013/01/15 08:00:00 م

عنبر «مرسي» للتأديب

اقترح الكاتب والمفكر «صلاح عيسي» على الرئيس مرسي إنشاء عنبر خاص في أحد السجون لحبس من تلاحقهم بلاغات الرئاسة من الصحفيين والإعلاميين، وذلك بعد أن وصل عدد البلاغات التي قدمتها الإدارة المركزية للشؤون القانونية في رئاسة الجمهورية لأكثر من 500 بلاغ ودعوي وسوف يضطر الرئيس في هذه الحالة إلى تخصيص عنبر آخر في سجن النساء للصحفيات والإعلاميات اللاتي تطولهن البلاغات الرئاسية.

وقال «شريف منصور» منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحفيين الدولية ومقرها بنيويورك «إن مرسي يقدم لنا وجهين في الحديث عن حرية التعبير في مصر، واحد يقدمه إلى المجتمع الدولي، وآخر يظهره للصحفيين في الداخل».

وكان الرئيس «مرسي» قد صرح لشبكة السي. إن. إن الأمريكية قبل أيام أنه ملتزم بتعزيز الديمقراطية وحرية التعبير في بلاده، وبعد أيام قليلة جرت ملاحقة قضائية من قبل الرئاسة للزميل «جمال فهمي» وكيل نقابة الصحفيين الذي كان قد وجه في عموده اليومي اتهاما للرئيس «مرسي» بإساءة استغلال السلطة، والتسبب في وفاة الزميل «الحسيني أبوضيف» الذي استشهد قبل أسابيع بعد أن أطلق عليه مؤيدون للإخوان المسلمين الرصاص عن قرب بهدف قتله أمام الاتحادية، وهي الواقعة التي لم يجر التحقيق فيها حتى الآن رغم أن نقابة الصحفيين تقدمت بملف شامل وطالبت بالتحقيق.

وقدم اتحاد الصحفيين العرب في انتخاباته التي جرت في القاهرة قبل أيام ردا بليغا ضد ممارسات حكم الإسلام السياسي في مصر التي استهدفت حصار حرية التعبير وملاحقة الصحفيين والإعلاميين وذلك بإسقاط مرشح الإخوان المسلمين «ممدوح الولي» نقيب الصحفيين المصريين لرئاسة الاتحاد، وهو الموقع الذي طالما شغله النقيب المصري، ولأن العالم أصبح قرية واحدة - فما بالنا بالقرية العربية الصغيرة جدا - فإن سياسة «الوشين» للرئيس «مرسي» لم تنجح، وتعرف العالم كله على الموقف الحقيقي للسلطة المصرية الجديدة ضد حرية الفكر والتعبير وضد الصحافة والإعلام، وهو موقف كان قد انعكس في صياغة الدستور حين لم تستجب الجمعية التأسيسية بالتيار الغالب فيها من قوى الإسلام السياسي لما قدمته نقابة الصحفيين والمجتمع المدني من مقترحات لتحصين الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام على نحو خاص، ووصلت البلطجة ضد الإعلاميين لذروة غير مسبوقة حين حاصر السلفي «حازم أبو إسماعيل» وأنصاره وهو حليف لمرسي مدينة الإنتاج الإعلامي ووقعت اعتداءات بدنية على بعض الإعلاميين.. ثم توالت الملاحقات القضائية الرئاسية ضد الصحفيين والإعلاميين.

وهكذا اتسعت الشقة بين الهدف الأول لثورة 25 يناير وهو الحرية وبين ممارسات حكم الإسلاميين الذي ضاق صدره بها، ولم يكتف الحكم بالإبقاء على ترسانة القوانين المقيدة للحريات الموروثة من العهد السابق بل أخذ يضيف إليها قيودا جديدة سواء في شكل قوانين مثل قانون «منع» التظاهر، أو في شكل مواد دستورية تبيح إغلاق الصحف والقنوات التليفزيونية وحبس الصحفيين في قضايا النشر.. إلخ.

ولكن المجتمع المصري الذي اشتعلت في جنباته الثورة قبل عامين وهو يعتزم مواصلتها حتى بلوغ أهدافها كافة لم ولن يتقبل هذه الممارسات من حكم يدعي رجاله ونساؤهم أنهم شاركوا في إنجاز الثورة ولا يلتفتون للمفارقة حيث يعتدون الآن يوميا على قيم الثورة وأهدافها وحتى شبابها.

ولم يعد وصف ما هو قائم الآن بأنه ثورة مضادة كافيا إذ حقيقة الأمر هو أنه نظام فاشي ديني يمثل أفظع أشكال الفاشية في معاداتها الحرية واستعلائها على الفقراء والكادحين واستخدامها أدوات القوة الإجرامية في مواجهة الخصوم وصولا إلى قتلهم بالجملة بعد إرهابهم ، بدءا من الإرهاب الفكري وصولا إلى العنف البدني.

وكما سبق أن دفع الشعب المصري وطلائعه الثمن المطلوب لإنجاز ثورة 25 يناير من دماء خيرة شبابه من النساء والرجال ومن جراح آلاف المصابين فإنه سوف يدفع بسخاء إضافي ثمن الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في مقتبل الأيام، وقد نضج وعيه بهذه القيم والأهداف.

وتتشكل الآن في رحم المجتمع المصري آلاف الأجنة التي سوف تنمو وتكبر وتولد حاملة رايات الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة بإصرار أشد لأن قوى جديدة لم تكن قد التحقت بالموجة الأولى من الثورة أخذت تأتي إليها بعد أن عرفت أن طريق التغيير إلى الأفضل ليس مفروشا بالورود ولكن بالجهد والعرق والمكابدة والصبر.

ومن المؤكد أن عنابر «مرسي» لتأديب الثوار والتنكيل بطلائعهم لن تجدي فتيلا، بل لعله يتعظ من الطريقة التي سقط بها «مبارك» ويدرك أن خبرة الشعب المصري في هذا السياق هي وراءه وليست مجهولة وأنه قد تمرس جيدا على إسقاط الطغاة.. وسوف يسقطهم حتى لو طال الزمن.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top