اختزال الدين في الأيديولوجيا..لاهوت التحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي (القسم الرابع)

آراء وأفكار 2013/01/15 08:00:00 م

اختزال الدين في الأيديولوجيا..لاهوت التحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي (القسم الرابع)

قرأت افتتاحية المجلة عدة مرات، محاولاً القبض على مفهوم واضح لـ" اليسار الإسلامي" ومن أجل الحصول على إجابة محددة لسلسلة من الاستفهامات الحائرة في ذهني، من نوع: هل اليسار الإسلامي علم كلام جديد، أو لاهوت تحرير، أو فرقة كلامية تستوعب ميراث المعتزلة العقلي، ونزوع الشيعة والخوارج الثوري المعارض، أو هو مسعى لفتح باب الاجتهاد في جميع حقول التراث الإسلامي، أو دعوة للاجتهاد في أصول الفقه تغلب المصلحة على النص، والعقل على النقل، والحاضر على الماضي، أو مذهب فقهي يتصالح فيه المسلم مع الواقع،  وتستجيب فتاواه لرهانات العصر، وتواكب إيقاع الحياة المتغير، ولا تتجمد في لحظة زمانية تاريخية معينة، أو أن "اليسار الإسلامي" كل ذلك وغيره، بنحو يتسع لـ"موقفنا من الماضي، موقفنا من الآخر، موقفنا من الواقع"، وما يحكيه عنه من بيانات نظرية متوالية، حسب تعبير حنفي. وما ورد من تفاصيل أضحت معروفة لدى الباحثين، بعد صدور مؤلفات عديدة في كل واحد من هذه الأقسام. وحسب الدكتور حنفي يستوعب اليسار الإسلامي: "الإسلام المستنير، الإسلام العقلاني، الإسلام العلمي، الإسلام الإنساني، الإسلام التقدمي، الإسلام الليبرالي، الإسلام الديمقراطي، الإسلام البراغماتي، الإسلام الإصلاحي، الإسلام الاشتراكي، الإسلام الوطني، الإسلام القومي، الإسلام الأُممي، الإسلام العلماني" ...فهل اليسار الإسلامي "سوبر ماركت للإسلام"، يضج بتهجين المفاهيم، وتناقضات التراث والحداثة، ويتسع لكل شيء ؟(1)

لم تنبثق هذه التساؤلات بمجموعها في ذهني ساعة مطالعة مقالة"ماذا يعني اليسار الإسلامي"، لوقوعي تحت تأثير حساسية الكلمة وشحنة العبارة في ما يكتبه الدكتور حنفي، بيد أنها توالدت بالتدريج في كل مرة أعود فيها للنص. وكلما طالعت جديدا له، أُصاب بالدهشة من فرط اجترار الكلمات والعبارات نفسها، وإصراره على سكب أفكاره في شعارات مبتذلة، تفتقر لرؤية الباحث المتمرس، وتستعجل إطلاق أحكام قيمة ، بلا تحليل عميق أو تأمل، يكشف عن أنساب الأفكار، والحبل السري الذي تنتظم في سياقه.

كنا جماعة من طلاب الدراسات العليا والمدرسين في الحوزة العلمية نرتبط بحلقات نقاشية عفوية، تضيق بشخصين أحيانا، فيما تتمدد إلى خمسة أو ستة أشخاص، حسب وقتنا الفائض، وبرامج كل واحد منا، تشكلت في الثمانينات من القرن الماضي، إثر لقائنا اليومي على هامش حلقات الدراسة والتدريس، نراجع فيها باستمرار أدبيات وتجارب الحركة الإسلامية، وأسباب ونتائج غياب الرؤية النقدية لديها، لاسيما ونحن جميعا كنا من الأعضاء فيها، وأفضت المراجعة النقدية إلى تخلينا بمرور الزمن عنها. ثم انتقلنا في مرحلة لاحقة إلى مراجعة النظام التعليمي في الحوزة العلمية، وسبل تحديثه. وأخيرا في مطلع التسعينات انتقلنا إلى مراجعة التراث، وعمل حفريات في المعرفة الدينية، بالاستعانة بفلسفة العلم والعلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة. وهنا اقترحت على ثلاثة من الزملاء أن نصدر مطبوعة باسم "الرأي الآخر" نكثرها بإمكاناتنا المحدودة، ناطقة بهمومنا وتطلعاتنا في تحديث التفكير الديني في الإسلام، فصدر العدد الأول موشحا بـ"ماذا يعني اليسار الإسلامي" ودراسات أخرى. دهشنا من اهتمام القراء بـ"الرأي الآخر"، وتساؤلاتهم عن اليسار الإسلامي وحسن حنفي، نفدت النسخ وكررنا الطباعة، في العدد الثالث توقفت "الرأي الآخر"، فأصدرت دورية نصف سنوية، في حدود 600 صفحة، تعنى بالدعوة للاجتهاد الشامل في كافة مجالات المعرفة الإسلامية، وتهدف لتحديث التفكير الديني، أسميتها" قضايا إسلامية"، في هذه الفترة تطورت مراسلاتي ومهاتفاتي مع الدكتور حسن حنفي، وبعثت له بأسئلة حوار متنوعة حول الاجتهاد والتجديد عبر الفاكس، فبعث لي بعد مدة قصيرة بإجاباته المفصلة عن أسئلتي، وعنونها هكذا:" قم تسأل والقاهرة تجيب، حوار عبدالجبار الرفاعي مع حسن حنفي". انزعج بعض القراء من صراحة حنفي ومغامراته في التفكير الديني ورؤاه، ولم يقتصر ذلك على المضمون بل تعداه إلى عنوان الحوار، مما اضطرني لتبديله بعنوان آخر لما  ضممته لكتابي المطبوع بعد سنوات" الفكر الإسلامي المعاصر: مراجعات تقويمية". بعد توقف "قضايا إسلامية" في العدد السادس، أصدرت دورية، أسميتها " قضايا إسلامية معاصرة " سنة 1997، كان حضور أفكار حسن حنفي كثيفا في معظم الأعداد، تارة من خلال حوارات المجلة معه، وأخرى بالتطوع بتزويدها بدراساته، حسبما ينسجم مع محاورها المتنوعة. ولم يتباطأ حضوره على صفحاتها إلاّ في العامين الأخيرين إثر انحراف صحته.

عبر مجلة قضايا إسلامية معاصرة تعرف الكثير من الباحثين والدارسين على فكر الدكتور حنفي، في إيران والعراق ولبنان والخليج والجزيرة العربية والمغرب، وعوتبت المجلة وصاحبها على ترويجها هذا النمط من التفكير غير المألوف، الذي لا ينسجم مع المنطق التقليدي الموروث، خاصة أن قضايا إسلامية معاصرة أمست قناة عبر منها فكر حسن حنفي للمجال الشيعي. ذلك أن مطبوعاتنا عادة ما يطغى عليها لون واحد من التفكير، وتفزع من الاختلاف ووجهات النظر المغايرة، وكأن اجتراح مطبوعة لنمط متنوع من التفكير، يصغي لمختلف الأصوات، ولا يخشى الأفكار مهما كانت تقليدية أو تجديدية، وينشر بجوار رأي متحيز للحداثة رأيا آخر متعصبا للتراث، وينفتح على ما يعانده من معتقدات وأفكار، كأن انتهاج مثل هذه الطريقة يجسد عصيانا للعقل السكوني، وخروجا على مشروعية التفكير المحتكرة والمؤممة مسبقا.

مراجعة نقدية للاهوت التحرير عند حسن حنفي:

لاهوت التحرير عند حنفي وشريعتي، يختزل الدين في أيديولوجيا المقاومة والثورة، ويطمس الوظيفة المحورية للدين. الدين أرحب وأشمل وأوسع من الأيديولوجيا.  الأيديولوجيا مظهر وتعبير اجتماعي للدين، تحويل الدين إلى أيديولوجيا يعني: اختزال الإنسان في بعد واحد، و الروح في القانون، والعقيدة في الثورة، والله في الإنسان، والإلهي في البشري، والسماء في الأرض، والغيب في الشهادة، والميتافيزيقا في الطبيعة" الفيزيقا"، والآخرة في الدنيا، والروح في الجسد، والرمزي في الحرفي، والرؤيوي في المحسوس، والمعاد في المعاش، والعبادات والطقوس في المداليل الاجتماعية والتنمية والإنتاج، والديني في الدنيوي. وحين يتحول الديني إلى دنيوي في لاهوت التحرير تختلط الحدود بينهما، فيجري تديين الدنيوي، وتعميم الفهم الديني لكافة حقول المعارف البشرية، وتديين المعرفة في خاتمة المطاف يفضي إلى التضحية بالعقل والخبرة البشرية المستقلة عما هو ديني.

كل دين يتجسد في تمثلات اجتماعية تعبر عن بنية المجتمع، وتتلون بما يحفل به من ثقافة وتقاليد وأعراف وأنماط سلوك، ولا يمكن أن يكون الدين خالصا وبريئا من التمثلات الأيديولوجية. الدين يتشكل في إطار البنية الاجتماعية، فإن كانت تسلطية قمعية يأخذ شكلا تسلطيا قمعيا، وإن كانت اختلافية تعددية حوارية يأخذ شكلا اختلافيا تعدديا حواريا، بيد أن الدعوة لاختزاله بأيديولوجيا للثورة خاصة، وتوظيف طاقته الروحية، وشبكته المفاهيمية، ورؤياه الجمالية، وجغرافيته الرؤيوية، ونظامه الرمزي، في الثورة فقط، يفضي إلى إهدار مهمة الدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي البشري للمعنى، وطمس أثر المقدس في إلهام المتدين الخبرة الروحية، وتوليد  وصيرورة التجربة الدينية.

الانتحاري الأصولي الذي يقاوم بقتل نفسه، ويتلذذ ويبتهج بالدم المسفوح، حينما يفجر نفسه بمصلين في مسجد أو حسينية أو كنيسة، أو أبرياء في الأسواق والشوارع والمباني، هو ضحية فهمه الخاص للدين، الفهم الذي يختزل فيه الدين في أيديولوجيا نضالية كفاحية، وتوقفه عند ذلك، وعدم قدرته على استلهام أي مضمون آخر في الدين، وعجزه عن استبصار واستلهام الكيمياء المعنوية، والشحنات الروحية، والدلالات الرمزية، والثيمات الجمالية للدين. لا يستطيع هذا الانتحاري التعرف على صورة الإله الذي"وسعت رحمته كل شيء"، وليس بوسعه أن يتحسس محتوى رسالة نبيّه الكريم المبعوث " رحمة للعالمين ".

إن  البيئة الاجتماعية القمعية تنتج تصورا للإله قمعيا، فيما تنتج البيئة الاجتماعية الإنسانية تصورا للإله شفيقا شفافا رحيما، وتتحول إلى حاضنة مثالية لنشأة وتطور" لاهوت الشفقة". وما أحوج مجتمعاتنا  إلى " لاهوت الشفقة" في عصر تضج فيه بلادنا بدعوات الكراهية وإبادة شركائنا في الوطن، ويجند فيه طليعة فتيانها وشبابها من أجل الموت وليس الحياة، لأن" الموت أسمى أمانينا"، فيغدو القتل والقتال مهنة وفروسية في أوطاننا.

مرجعيات شريعتي وحنفي في صياغة لاهوت التحرير:

مرجعيات شريعتي وحنفي في تحويل الدين إلى أيديولوجيا للثورة متعددة مختلفة، بل متباينة ومتنافية، تارة تتوكأ على معطيات العلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة، وأخرى تحيل إلى التراث لتنتقي منه ما تشاء، وثالثة تستعين بالفلكلور والثقافة الشعبية، ورابعة تستقي من الميثيولوجيا القابعة في طبقات التاريخ. المرجعيات المتعددة المتنافية تقود إلى نتائج متعددة متغايرة. إنها مرجعيات حرة براغماتية تنشد تبرير الثورة، والتدليل على ضرورتها وديمومتها. تتشابك فيها سياقات ثقافية تاريخية متنوعة، وتختلط فيها أنساق فكرية متباينة، تقفز من منظومة معرفية إلى أخرى تتناقض معها. من التوحيد إلى المادية التاريخية، ومن المعتزلة إلى عقلانية الحداثة، ومن هايدغر إلى شيخ الإشراق السهروردي، ومن الإمام الحسين بن علي إلى جيفارا...الخ. بأسلوب يجري فيه بناء توليفة هجينة، تعمل على دمج عناصر متناشزة، مقتطعة من أجهزة مفاهيمية متنوعة، وتركب منها مفاهيم مبتذلة مشوهة. فمثلا يستعين الدكتور حسن حنفي بظاهريات هوسرل، ولا يكف عن الإشارة لمقولات وآراء أغلب الفلاسفة والمفكرين الغربيين، لا سيما في العصور الحديثة، مثلما يتحدث عن المتكلمين والفقهاء والفلاسفة والمتصوفة المسلمين، ويخلع على رؤاهم وأفكارهم أقنعة مستعارة من ديكارت وكانت و هيغل وماركس وهوسرل وسارتر...الخ، ويلونها كيفما يشاء، بغية توظيفها كشعارات في النهضة والمقاومة. وهكذا يفعل شريعتي،  عندما يجول تفكيره في فضاءات من عاصرهم من المفكرين الأوروبيين في الستينات، حينما كان طالبا في باريس، مثل سارتر وغيره من الفلاسفة والمفكرين الغربيين. فيخلط مقولاتهم مع مقولات مسلوخة من الموروث الشيعي، ويخلع على تلك المقولات رداءً منتزعاً من منظومات الفكر الغربي، ويلونها حسبما يحلو له، من أجل إنشاء آراء تبرر أحلامه ورغباته الثورية. يشدد شريعتي على تأويل مسار التشيع وميراثه بطريقة معيارية، لا تميز بين الأسطورة والتاريخ، مثلما لا تميز بين ما ينتمي إلى العالم الأرضي، وما ينتمي إلى عوالم رمزية ميتافيزيقية علوية. ويهدف شريعتي إلى وصل مآلات ومصائر ومستقبل وراهن التشيع  باللحظة التدشينية العلوية، وإعادتها باستمرار إلى تلك اللحظة، من دون رؤية للبنية العميقة للاجتماع الشيعي، أو حس تاريخي يستوعب صيرورة التاريخ وتحولاته الأبدية. وكأن العقائد والرؤى والقيم والأحكام الدينية متعالية على الواقع، عابرة للزمان والمكان، وكأنها لا تلامس بنية المجتمعات وتكوينها، وطبيعة التمثلات الاجتماعية وعلاقتها بالمحيط والمعطيات المتغيرة في التاريخ. إن إسلام شريعتي المؤدلج، مهما تكن دوافعه الدينية والعاطفية، يشف عن مقولات اجتماعية اقتصادية مسطحة. إنه وهو يخفض البعد المقدس للإسلام إلى مستوى التاريخ، يعلمنه وينهكه من الدفق المتواصل للصيرورة التاريخية"(2) .

تنتهي الأدلجة التي أنجزها شريعتي وحنفي إلى: "دنيوية الدين"، بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس والممارسات الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي. إن المفاهيم الدينية في غاية الدقة، وإذا ما خرجت عن حدودها الخاصة، فقدت قابلياتها وإمكاناتها. مثال ذلك أن نعتبر الوضوء ممارسة تهدف إلى النظافة والصحة! قد يكون للوضوء أثر صحي، لكنه أولا أثر ضئيل المساحة جدا لدى المسلمين، وثانيا الوضوء ممارسة دينية صرفة. إنه ليس فعلا صحيا، وإنما هو فعل رمزي. وبمجرد أن نجعله صحيا، نكون قد أسقطنا عنه طابعه الرمزي الديني.(3)

 

1- حنفي، د. حسن. الوحي والواقع: تحليل المضمون.دمشق: مركز الناقد الثقافي، 2010، ص29-74.

2- 19 شايغان، داريوش. ما الثورة الدينية: الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة. ص272-273.

3- شايغان، داريوش. "دين ودين پزوهي در روزكار ما در كفت وكو با دكتر داريوش شايغان".  مجله هفت آسمان ع5"ربيع 2000".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top