مكتبة البصرة الاهلية .. تواصل حضاري وثقافي عمره 85 سنة

مكتبة البصرة الاهلية .. تواصل حضاري وثقافي عمره 85 سنة

يرجع تأسيس المكتبة الاهلية في البصرة الى عام 1928م كانت دكاناً صغيراً ضمن دكاكين عديدة محصورة بين مدرستين؛ إحداهما المدرسة الإسلامية، والأخرى الرحمانية الواقعتان في مكان جامع البصرة الكبير حالياً، ولم يأت اختيار هذا المكان اعتباطا وإنما لأهمية هذه المنطقة، لوجود دائرة المحاكم والبلدية والأوقاف وكذلك لوجود مسرح وسينما ومحاذاتها لنهر العشّار الذي كان رافداً تجارياً ،تأتي بواسطته البضائع إلى أسواق البصرة القديمة أي أنها باختصار كانت مركز البصرة الرئيسي، ومن ثم بدأت اتصالات المكتبة بمراسلة دور نشر في مصر بالدرجة الأولى مثل دار (الهلال) التي تصدر المجلات السياسية والأدبية والفنية فبدأت هذه المجلات تصلنا عن طريق مطار البصرة الدولي مباشرة ونحن بدورنا نسوقها إلى أسواق البصرة وبعد ذلك إلى بغداد، مثل مجلة الهلال، والمقتطف، والرسالة، وروايات الهلال، وكتاب الهلال، وكتابي والعديد من المجلات مثل المصور، وأخر ساعة، والكواكب، والاثنين، وروز اليوسف والعديد غيرها .

فترة ازدهار الكتابة

وقال غازي فيصل صاحب المكتبة التي ورثها عن أبيه المرحوم فيصل: كانت الفترة الذهبية التي ازدهرت بها المكتبة ورواج الكتاب وذلك بقيامنا

بالاتصال بدور النشر اللبنانية التي بدأنا باستيراد الكتب منها وهي دار

العلم للملايين ودار الطليعة ودار الآفاق ودار العودة وغيرها، وجلبنا

خيرة عناوين الكتب في مختلف الاختصاصات الأدبية والتأريخية والدينية

فازدهرت عملية رواج الكتب وزاد عدد القراء خصوصاً كنا نبيع بأسعار زهيدة جداً وذلك لرخصها من مصدرها لقوة العملة العراقية في حينها ، ومن هنا أصبحت المكتبة خلية نحل من كثرة روادها.

ومن ابرز رواد المكتبة يقول: أبرز رواد المكتبة من أدباء البصرة القدامى من الجيل الأول ـ إن صح التعبير ـ القاضي السيد عباس شبر والقاضي الشيخ علاء الدين خروفة والأستاذ محمد جواد جلال اللغوي المعروف والشعراء كاظم مكي حسن وسالم علوان الجلبي وعبد الواحد العطار وكاظم الصائب ومقبل الرماح والقاضي محمود العبطة وكذلك القاضي مصطفى علي الذي أصبح وزيراً للعدل في تلك الفترة، أما من الجيل الثاني فالناقد الأستاذ الدكتور علي عباس علوان  والراحل القاص الرائد محمود عبد الوهاب رحمه الله والمرحوم بدر شاكر السياب والمرحوم محمود البريكان. أما الرواد المخضرمون فمنهم القاص المبدع محمد خضير والكاتب جاسم العايف والشاعران محمد صالح عبد الرضا وكاظم الحجاج غيرهما.

السياب في المكتبة

ويضيف فصيل: وأتذكر حين كان يأتي الشاعر الكبير بدر شاكر السياب إلى المكتبة يهوى الجلوس على رزم الصحف بجانبي وأحيانا يطالبني بورقة وقلم  بعدها عرفت انه كان يكتب العديد من القصائد التي كانت  تلج الى مخيلته لكتابتها في لحظة التوهج .

وعن المكتبات التي رافقت تأسيس المكتبة في المدينة يقول فيصل: من المكتبات التي رافقت مكتبتنا في وقت تأسيسها مكتبة الحاج رشيد الشيخلي ومكتبة السيد محمود القدسي ومكتبة حسين عبد الصمد (وهو عربي من مصر) وهذه المكتبات الثلاث من المكتبات التي عاصرت مكتبتنا منذ تأسيسها في عام 1928م، وفي فترة الخمسينيات ظهرت بعض المكتبات الأخرى مثل مكتبة عبد الله فرجو ومكتبة الجميع لصاحبها المرحوم ألياس دورنة ومكتبة صبري ومكتبة دار الكتاب وهذه المكتبات انقرضت جميعها ولأسباب مختلفة قد يكون أحد الأسباب وفاة صاحبها وأسباب أخرى.

حضور النساء

وبشأن الحضور النسوي يوضح فيصل: ترتاد النساء المكتبة ومن مختلف الفئات العمرية وابرز ما يستهويهن من الكتب كتب الطبخ والشعر والروايات الرومانسية وكتب تفسير الأحلام والكتب الدينية إضافة الى أن بعضهن طالبات دراسات عليا يبحثن عن مصادر ضمن اختصاصهن .

ومن المواقف التي هي من الطرافة والغرابة أيضاً كما يذكر فيصل بين الفترة والأخرى يأتي لنا شخص يطلب منا إبراء ذمته لكونه في فترة طيش الصبا قد أقدم على أخذ كتاب من المكتبة  ــ بغفلة منا طبعاً ــ دون أن يدفع ثمنه..!

وفي احد الأيام  كان احد الكتاب المعروفين توفي - رحمه الله - يبقى

كثيرا في المكتبة يطّلع ويقرأ بعض الكتب والإصدارات، وعندما حان وقت

مغادرة المكتبة أغلقت عليه الباب وهو في داخل المكتبة لم انتبه إليه إلا

بعد سماعي طرقات على الباب من داخل المكتبة !

أبرز صحف البصرة

وعن أبرز الصحف التي كانت تصدر في العهد الملكي هي البلاد لروفائيل بطي، والأخبار لآل ملكون، والزمان لتوفيق السمعاني، ومن المفارقة أن جميع أصحاب هذه الصحف الثلاث هم من أخواننا المسيحيين وكذلك جريدة اليقظة لسلمان الصفواني، والكرخ، والعراق، كلها صدرت في بغداد. أما الصحف التي صدرت في البصرة فمنها: الثغر لشاكر النعمة، والمنار لعبد العزيز بركات، والناس لعبد القادر السياب، والخبر لكامل العبايجي، والبريد لرجب بركات، أما بالنسبة لاحتفاظنا بنسخ منها فقد كان لدينا أرشيف كامل لبعض تلك الصحف ولكن للأسف تعرض للحرق ضمن محتويات المكتبة في عام 1991م .

لكن الآن أثرت ثورة التكنولوجيا في الاتصالات والانترنت والفضائيات على حركة بيع الصحف، ولكن تبقى قراءة المطبوع ورقياً لها

طعمها ونكهتها الخاصة عند النخبة من القراء.

ويؤكد  فيصل أن المعاناة كثيرة وتتلخص بالآتي من أبرزها كثرة تنظيم معارض بيع الكتب ـ التي تكون بمناسبة أو دونها ـ والتي تكون مدعومة عادةً من جهات سياسية او دينية مما يؤثر على بيع الكتاب تجارياً، وتأخر وصول الصحف من بغداد إلى المحافظة لأسباب النقل أو قطع الطرق، مضايقة الستوتات التي تتخذ من واجهة المكتبة كراجاً لها، والمشكلة الرئيسية للمكتبة هي أنها ومنذ 85  عاماً مضت على تأسيسها وهي لم تزل دون محل ملك أو عقار مؤجر تابع لأملاك الدولة كونها انسب من  العقارات التجارية، ولم تحصل على أي دعم من الحكومة المحلية في المحافظة لمنحها قطعة ارض بإيجار رمزي لكي نشيد لها بناية تليق بها كصرح ثقافي للبصرة .

 

(المدى) صحيفة النخبة والأكثر مبيعاً

وعن الصحف الأكثر مبيعا يبين فيصل في الدرجة الأولى الصباح لكونها تمثل رأي الدولة إضافة إلى كثرة الإعلانات التي تخص المناقصات والمزايدات الصادرة عن الدوائر الحكومية والتي تنشر فيها، وتتدرج تباعاً نسبة بيع الصحف الأخرى إلى المدى، والزمان والصباح الجديد والبينة الجديدة، وهذه الصحف هي الاكثر مبيعاً عندنا في  محافظة البصرة .

ويؤكد فيصل أن صحيفة النخبة الأولى هي بالتأكيد المدى لكونها تهتم بالأمور الإبداعية الثقافية وكذلك لوجود ملاحقها اليومية الغنية بموادها المقروءة.

وقال لي الابن البكر  للسيد غازي وهو مصطفى الذي رافق والده منذ الطفولة:  لقد استهواني العمل في المكتبة واشعر بمتعة كبيرة فيها، وتأقلمت مع هذا العالم الجميل لأكمل مسيرتي جدي ووالدي في هذا الصرح الثقافي المهم .

ويضيف: وقد استهوتني الكتابة ونشرت مقالات ثقافية واجتماعية وسياسية في المواقع الالكترونية وبعضها في الصحف ولاقت استحسان العديد من المهتمين بالثقافة والأدب.

ذكريات محمد خضير

وقال القاص والروائي الكبير محمد خضير عن المكتبة: كنت اذهب إلى

العشار، حينما كنت طالبا في ثانوية العشار وكنت اذهب واشتري صحيفتي

اليومية من المرحوم فيصل وبقيت صورته في ذهني ولم يبدل منهجه في عمله المكتبي وبقي أبناؤه الأوفياء يكملون مسيرته في خدمة، ونحن مدينون للأب المؤسس والى الأبناء  في مواصلتهم في توزيع الكتب وكان يتعامل معنا كناشئة.

حقيقةً، المكتبة هي من المحطات المهمة في حياتي، لم أتوقف عن ارتياد

المكتبة إلا أثناء الحروب التي شهدها العراق التي منعتي من الوصول

إليها.

وأتذكر حين جئت إلى المكتبة وقت تعرضها للحرق وهذا حال المكتبات الكبرى، فهي عرضة للحرق كما هي مكتبات المثنى ومكتبات شارع المتنبي، واشتريت منه كتبا في ذلك الوقت، ولكن رد علي هل تبدل ورقاً بورق يقصد أن الكتب المحترقة .

المكتبة الأهلية بفضل غازي وابنه مصطفى استطاعا أن يوثقا الصلة مع

أدباء البصرة، ويجب أن نحافظ على هذه الواحة الثقافية، وتبقى المكتبة

دلالة على عظمة الفكر والثقافة فلا غنى للبصرة عنها .

هذه المكتبة تعد الوجود المعرفي الأصغر والوجود الأكبر للمدينة التي

أدامت العلاقة بين المعرفة والتاريخ وكون البصرة مدينة الوراقين ومدينة

المكتبات.

مؤلفاتي حين أراها في يد الآخرين ينتابني شعور رائع وافتخر أن اختيار

القارئ من بين كتب كثيرة دليل على وعي القارئ، وعندما أقرأ كتابي في المكتبة اشعر بمتعة كبيرة كقارئ، واشعر بأن رسالتي وصلت للقارئ، فالقارئ الذي ينتقي كتابا معينا من بين العشرات من الكتب هذا دليل وعيه.

محوّر أسماء الصحف

وقال الكاتب جاسم العايف: توطدت العلاقة مع أبي غازي كمثقف وكقارئ،

وعلمَ أنني بلا عمل، وجئته من سجنٍ ابتلع ثلاث سنوات كاملة من شبابي،

وتطلعاتي، وآمالي، وأحلامي. فعلّق بسخريته المرة: "زاد رواد المكتبة احد المفلسين والمسجونين سابقاً."

فكنت اسمع منه حكايات وتشخيصات، حيث كان يحور أسماء الصحف والمجلات.

مثلاً، صحيفة "النور" يقول "الديجور" و"الثورة" يؤكد أنها "المزَوِرة"، أما "التآخي" فهي عنده، "التراخي". وصدرت "الفكر الجديد" فقال لي مازحاً، بعد علمه عن نشري مادة ثقافية فيها، إنها "فقركم الجديد" لفظها بالعامية.

ويضيف العايف: دخلت مساء يوم شتوي بارد جداً إلى المكتبة.. فوجدته، وبعد الترحيب والملاطفة، هالني ما رأيت على الأرض! كانت مؤلفات "دستوفسكي" كاملة بترجمة "سامي الدروبي"، ومن إصدار "الهيئة القومية المصرية للنشر والتأليف". سألته بكم..؟  فقال:"15" ديناراً و"نصفاً"، كان الدينار العراقي، عندها أكثر من ثلاثة دولارات، أطرقت إلى الأرض، ثم تحسرت.. كنت عاطلاً، فكيف بمستطاعي أن أسدد ثمنها إذا اشتريتها؟

عند مغادرتي المكتبة، أثق انه، لمح في عينيّ دمعتين. صاح ورائي: خذها

ولا تهتم بثمنها!!. لم اجب عن ندائه.. وها أنا، بعد كل تلك الأيام

والسنوات، أحس بالندم والألم والخسران الآن. لم ينادني تلك اللحظة بصفته بائع الكتب.. صوته كان صوت أبي، لا لقرابة أو نسب، بل لأنّه صاحب"  المكتبة الأهلية"، التي أسسها في البصرة عام 1928 ، ذاته، الحاج "فيصل حمود".. مانـحُ الكُـتـبِ.

روادها من الكويت

وقال الشاعر والصحفي محمد صالح عبد الرضا: في أوائل الستينات  وحينما كنت طالبا  في متوسطة النضال  كان مروري اليومي بمحلة السيف  حيث المكتبة الأهلية وصاحبها الرجل الطيب  فيصل حمود، حيث كان يجاور جامع السيف جامع البصرة الكبير .. وقد قادتني في بداية اهتماماتي الأدبية الاشتراك في مجلة الأقلام العراقية إلى التعرف عليه وقد ظهر انه يعرف والدي وأسرتنا  لكونه بصريا عريقا ومكتبيا عريقا .

ومع مرور الأيام  كنا  نلتقي  أنا وحسين  عبد اللطيف وأحيانا شاكر

العاشور عند مكتبته التي التقى فيها  قبلنا  خلال الأربعينات مجموعة من

أدباء البصرة القدامى السيد عباس شبر والأستاذ محمد جواد جلال والأستاذ كاظم مكي حسون رحمهم الله.

ويقول عبد الرضا: وقال لي المرحوم فيصل في أحد حواراتي الصحفية معه: كانت مكتبته توزع الصحف المصرية  مثل المصور  والطائف والمقتطف والهلال وابولو والرسالة وكان سعر النسخة آنذاك 4 آنات أي 16 فلسا والصحف مثل العراق وحبزبوز والكرخ والأخبار  سعر الصحيفة (آنه)، وكشف لي المرحوم فيصل: كان للمكتبة مشتركون من الكويت ترسل لهم مجلات وصحف، ومن بين أصدقاء المكتبة محمد تركي رئيس مجلة الأمة الأسبق، وعبد الوهاب محمود، السفير الأسبق للعراق في موسكو، وكان الشاعر الكبير بدر شاكر السياب في أواخر الخمسينيات من رواد المكتبة وكان يجلس على رزمة الجرائد القديمة ونتبادل الطرائف معاً.

تعليقات الزوار

  • لبنى

    اتمنى ان يكون للمكتبة صفحة او حساب فيسبوك او انستگرام

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top