الشخصية الفلّوجية

آراء وأفكار 2013/01/30 08:00:00 م

الشخصية الفلّوجية

 حظيت مدينة الفلوجة بشهرة عالمية بعد السقوط عام 2003 وتصدّر اسمها عناوين الأحداث في عامي 2003 و2004،وعاد يتصدرها بقوة في العام الحالي 2013،بل إنه دخل أيضا في صناعة أفلام سينمائية،مع أنها مدينة زراعية "وفلج تعني شق الأرض الصالحة للزراعة ومنه جاء اسمها" وليست مدينة نفطية،ولا بأكبر المدن العراقية،لكنها كانت الأشرس في مقاومة القوات الأمريكية والأكثر صلابة في التظاهرات التي عمت مدن المنطقة الغربية في الأسبوع الأخير من عام 2012 وما بعده،والأولى التي يسقط فيها سبعة ضحايا من أهلها في الصدام الذي حصل بين المتظاهرين ووحدة عسكرية من الجيش العراقي في تظاهرة "جمعة لا تراجع -   24/1/13".
  فلماذا تنفرد الفلوجة في تعاملها مع ما جرى ويجري مع أن مدناً عراقية أخرى عاشت وتعيش نفس الأحداث؟
  إن السبب الرئيس يعود إلى أن للشخصية الفلّوجية خصوصية تختلف عن الشخصية العراقية في صفتين خلقتا فيها قوة هائلة بوجه من يحاول السيطرة عليها بالقوة وتحديا عنيدا ضد من يحاول إخضاعها بذلّة..هما التعصب العشائري والتعصب الديني.فجميع سكان مدينة الفلوجة البالغ عديدها أكثر من سبعمئة ألف شخص،هم من قبائل بدوية الأصل تضم عشائر كبيرة معروفة مثل: البوعيسى،البوعلوان،البونمر،الكبيسات،المحامدة،العزّة،الحلابسة،زوبع...يوحّد أفراد كل عشيرة منها التضحية من أجل الشرف والكرامة  والشعور بالاعتزاز وتباهي كل فرد فيها بهويته العشائرية،فيما يوحّد جموع العشائر كلها الشعور بالنخوة حين يحصل اعتداء خارجي على إحداها، فتتوحد هويات العشائر بهوية قبيلة في حالة من التسابق أيها تكون الأقوى في صد العدوان.  
 إن التعصب هذا خلق حالة تجانس وانسجام جعلت كل فرد من السبعمئة ألف فيها يشعر بالقوة ، ويمنحه الشعور بأنه ما من قوة في الأرض تستطيع أن تذلّه. وقد عززت هذا الشعور أحداث سابقة ولاحقة. فحين حاولت القوات البريطانية في عام 1941 (تأديب)المقاومة فيها ،واجهت دفاعا شرسا من أهل الفلوجة ،ولم يستطع الانجليز دخول المدينة ،بل إنهم تجنبوا دخولها ،لأن الإنكليز لهم دراية بسيكولوجية الشخصية العراقية بفضل الدراسة التي قدمتها (المس بيل) عن عشائر العراق في عشرينات القرن الماضي،لا كما هو الحال مع القوات الأمريكية التي تعاملت بغطرسة وإهانة متعمدة مع شخصية تسترخص الحياة من أجل كرامتها،وتنتقم بشراسة من الذي يحاول إذلالها.وهذا ما فعلته الشخصية الفلوجية ،أو تعاطفت معه، حين تم في 31 آذار 2004 قتل أربعة من شركة بلاك ووتر الأمريكية وجرى سحل جثثهم في شوارع المدينة وتعليقها على جسر قريب من المدينة وإشعال النار فيها.
 والفلوجة هي المدينة الأولى في العراق من حيث  كثرة المساجد فيها التي يزيد عديدها على خمسمئة مسجد،أربعة منها بأسماء الخلفاء الراشدين الأربعة. ولطابعها الإسلامي هذا فقد اتخذ منها "المجاهدون" والقاعدة والإرهابيون منطلقا لشن حملات تستهدف قتل الجنود الأمريكيين والمتعاونين معهم من القوات العراقية،وتجاوزوا ذلك إلى إثارة  فتنة طائفية بقتل أفراد أبرياء لكونهم من طائفة الشيعة، ما اضطر رئيس الحكومة العراقية الانتقالية المؤقتة(إياد علاوي) إلى الموافقة على "تطهير المدينة من الإرهابيين"،فتعرضت الفلوجة في 7 تشرين الثاني 2004 إلى معركة شنتها قوات المارينز وصفتها التقارير بأنها أضخم عملية في حرب المدن منذ معركة مدينة هيو في فيتنام عام 1968.
 وكان من نتائج هذه المعركة الرهيبة التي احتلت فيها قوات المارينز حتى مستشفى المدينة،أن اكتسبت الشخصية الفلوجية صلابة استثنائية في مواجهة الأحداث الجسام.فمع أن أهلها وقعوا بين نارين :نار الإرهابيين ومن يعدّون أنفسهم مجاهدين ،ونار المارينز بقوتهم التي لا ترحم، وأنها صارت تراجيديا في فواجع أهلها وما أصابها من دمار، فإن الشخصية الفلوجية ما استكانت بل شعرت بأنها هي المنتصرة،وأنها دون غيرها من العراقيين..أشادت ببطولاتها وسائل إعلام وفضائيات عربية وأجنبية.
  ولأول مرّة يتم التعامل بطريقة صحيحة مع أهل الفلوجة،بتوجه وفد برلماني يمثل الكتل الثلاثة الرئيسة إلى المدينة ،والالتقاء في 27/1/13 بممثلي المتظاهرين للتحقيق في ملابسات الحادث الذي أودى بحياة سبعة متظاهرين.واضطرت البرلمان أن يعقد جلسة خاصة في 28/1/13 لمناقشة قضية الفلوجة.غير أن الشخصية الفلوجية تشك في صدقية أية جهة تمثل الحكومة أو البرلمان.والحق معها،فقد أثبتت الوقائع أن أهل الفلوجة كانوا على حق في الإعلان عن مظالم لحقت بهم،يوم أمرت اللجنة الحكومية برئاسة نائب الوزراء بإطلاق سراح عدد من السجينات وأكثر من ثمانين موقوفا وسجينا،وهذا يعني أن الأجهزة الحكومية المعنية بهذا الأمر لم تكن عادلة، وأنها ارتكبت خرقا قانونيا بتوقيف قريب لمتهم هارب،لاسيما إذا كانت زوجته..وهذا  في قيم الشخصية الفلوجية مسألة شرف لا يمكن السكوت عليها.
وثمة حقيقة جديدة تعرّف عليها العراقيون وصارت أهم مكاسبهم السياسية ،هي أن الشعوب في الأنظمة الديمقراطية لا تخاف من حكوماتها..بل العكس.وإن الحكومة المشكّلة من برلمان منتخب ديمقراطيا التي تستخدم القوة في التعامل مع شعبها،أو تسخر من تظاهرات الناس،أو لا تكترث بمطالبها..تفقد شرعيتها الديمقراطية وهيبتها الاعتبارية.
 إن علماء النفس والاجتماع يعدّون التعصب حالة سلبية لأنه يتضمن موقفا عدائيا قائما على أساس القومية أو الدين أو المذهب،وإنه في حالة حصول نزاع فإن المتعصب يحمّل الجماعة الأخرى ما حدث من أضرار أو أذى ويبرئ جماعته منها.غير أن الشخصية الفلوجية تعتز بتعصبها العشائري والديني وترى أنه لولاه لما استطاعت أن تبقى عصية على من أراد إخضاعها بالقوة .وأنها أعطت الحكومة والعراقيين وخبراء الاجتماع وعلم النفس درسا بأن "التعصب" يكون قوة هائلة ومبررة بوجه إرهاب الحكومة والقوى المستبدة ،شرط أن يكون نظيفا من طرف ثالث يريد السوء بالعراق وأهله.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top