خان الباشا الصغير  أحد روائع عمارة الحداثة البغدادية

خان الباشا الصغير أحد روائع عمارة الحداثة البغدادية

المعمار والاكاديمي  د. خالد السلطاني يكتب في هذه الزاوية التي دعوناها "عمارة..عمارة!"، مرتين في الشهر الواحد، عن منتج العمارة العراقية. وقد نتوسع، مستقبلاً، لتناول منتج العمارة الإقليمية، وربما أيضاً العالمية. سيكون مرمى هذه الزاوية وهدفها، هو لفت الأنظار والتعريف بشواهد تلك العمارة، من وجه نظر خاصة، اعكس بها معاييري النقدية الذاتية (وحتى ذائقتي الجمالية)، وهي تتمعن في الحدث المعماري المنظور وتتأمله. غني عن القول، بأن تقييم ما سيأتي لاحقاً، لا يعني بالضرورة، إلزام المتلقي بنتائجه وتبعاته. انها قراءة خاصة، تضاف إلى قراءات أخرى، يولدها الأثر المعماري الحصيف، هو الذي باستطاعته أن "يشع" قراءات متعددة.

ولنقل، ابتداءً وتأكيداً، بأن ما سيطرح هنا غايته في الأساس إثارة الانتباه لقيمة الأثر المبني، من وجهة نظر مهنية، سأسعى لتكون جدّ موضوعية، وجدّ احترافية، وربما توثيقية أيضاً، نظراً للتغييرات المفجعة، والتشويهات التعسفية الجارية الآن على بعض تلك الشواهد، مشوشة حضورها في الذاكرة البصرية لسكنة وزوار المدينة، التي تنهض فيها تلك المباني، وتتشكل فيها فضاءاتها الحضرية.

نأمل، أخيراً، بأنّ كلّ ما سيكتب هنا، سيكون ذا فائدة معرفية. ونأمل، أيضاً، أن تقديم تلك الفائدة، سيكون ممزوجاً بالمتعة.متعة الفائدة المعرفية،وهو ما نتوق عبرها التواصل مع المتلقي.

المدى الثقافي

قد لا يثير، الآن، المبنى الواقع في منتصف شارع السموأل، بمركز بغداد التجاري، والمسمى "خان الباشا الصغير" (1956) (المعمار: عبد الله إحسان كامل)؛ اهتمام كثر، نظراً لحجب "نخلتين" نمتا صدفة، بجانبه وغطتا جزءاً من واجهته المميزة، الواجهة التي أكسبت المبنى نظارة عمارته، ومنحته التميز والحداثة  في آن. نحن، إذاً، إزاء واحد من أجمل نماذج عمارة الخمسينات، في صيغتها الحداثية. معلوم، أن عمارة الخمسينات، أسست لمرحلة ثانية في منتج عمارة الحداثة العراقية، ذلك المنتج، الذي "عصف" تغييراً وقطيعة بالمشهد البنائي، غبّ ظهوره في بدء العشرينات من القرن الماضي، متساوقاً، مع بدء تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

يهتم المعمار في إيجاد صيغة جديدة (هل أقول استثنائية؟!)، لمفهوم (الجدران الستائرية)، هي التي بات حضورها في المشهد، دليلاً للحداثة، ورمزاً لها. لكن المصمم يحمّل تلك الصيغة "وظيفة" مضافة، ويجعل منها "كاسرات للشمس" أو ما يعرف بـ "اللوفرات" Louvers. وهو بهذا يقتدي أثر المعمار "لو كوربوزيه": أول من استعملها، (وأول من أعاد اكتشافها)، مضيفاً، بها، عنصراً جديداً إلى لغة عمارة الحداثة. كانت الكاسرات، العنصر الأكثر استخداماً في عمارة الخمسينات عموماً. وقد ولع بها كثر من المصممين بمناطق عديدة من العالم ووظفوها في أبنيتهم، برغم عدم تطابق مسوغاتها البيئية والمناخية مع خصوصية تلك المناطق.

يمزج المعمار، مفهوم الجدران الستائرية، مع وظيفة الكاسرات، مضيفاً إليها جمالية آسرة، نابعة أساساً، من تناوب "الشرفات" الخارجية الممتدة بعيداً عن سطح الجدار الستائري "المثقب" بوحدات سداسية، محاطة هي ذاتها بإطارات خرسانية سداسية الشكل أيضاً، مانحة الواجهة المثيرة قوة تعبيرية، يزيدها تميزاً استخدام اللون فيها.

وعبد الله إحسان كامل، كما كتبت عنه مرة، منحاز "..تماماً لنهج معماري جديد بعد أن ترسّخت لديه قناعة تامة بضرورة إيجاد مسار آخر للعمارة العراقية، مسار يمكن أن يفضي إلى مفاهيمية مغايرة كفيلة بتكريس معالم أفق جديد لها. وبسرعة فائقة طرح تصوراته عن نهجه الجديد المتسم: بنبذه الواضح لاستخدامات العناصر التراثية، وعدوله عن الطرز التاريخية، وتوقه الشديد نحو بساطة الأشكال المعمارية وهندستها، والنزوع إلى استعمال المواد الإنشائية الجديدة المصنعة. وبمعنى آخر، فان سمات العمارة التي ينشدها ينبغي أن تكون، وفقاً لرؤياه، مكافئة لأساليب العمارة العالمية الطليعية من حيث اللغة، والتكوين. ولهذا فان مهمته لم تكن سهلة، مثلما لم تكن مفهومة".

ولد عبد الله إحسان كامل في بغداد عام 1919. أنهي دراسته المعمارية عام 1943 من مدرسة العمارة في ليفربول بالمملكة المتحدة، كما حصل على شهادة الماجستير من هارفرد بأميركا (1952). أسس، مع محمد مكية وآخرين، قسم العمارة في كلية الهندسة بجامعة بغداد عام 1959، بعد ان كان، قبلها، مدرسا في كلية الهندسة لسنين عديدة (منذ عام 1944). وشغل منصب مدير مركز التخطيطي الحضري والإقليمي (1968-72)، كما أسس مع رفعة الجادرجي وإحسان شيرزاد مكتب "الاستشاري العراقي"في 1953، لكنه تركه عام 1965. تعد أغلب المشاريع التي صمّمها عبد الله، بمثابة نماذج مميزة لعمارة الحداثة البغدادية (والعراقية بصورة عامة)، مثل: محطة قطار بعقوبة (بالاشتراك مع فيليب هيرست) (1945)، ومبنى مصرف الرافدين بالبصرة (1948)، والمصرف الزراعي في السنك ببغداد (بالاشتراك مع جعفر علاوي) (1949)،ودارة حسين جميل في المسبح ببغداد (1953)، ومبنى "ادفيش عبود" في الشورجة ببغداد (بالاشتراك مع رفعة الجادرجي) (1955)، وعمارة منير عباس في الباب الشرقي ببغداد (بالاشتراك مع رفعة الجادرجي)، (1956)،ومبنى مصرف الرهون عند شارع الجمهورية ببغداد "الذي شغلته سابقا وزارة المالية" (بالاشتراك مع قحطان المدفعي (1957). كما أنه خطط مدينة المأمون في بغداد (1957)، وله أيضاً يعود تخطيط مدينة آزادي في أربيل؛ وغيرها من المشاريع العمرانية والمعمارية المميزة. توفي في بغداد سنة 1985.

تعليقات الزوار

  • علاء مهدي

    أختيار جيد ومتميز فالدكتور السلطاني يعتبر من القمم العراقية في مجال الفن المعماري وله باع كبير وواسع في هذا المجال من خلال نشاطاته التدريسية والتعليمية والتثقيفية وكذلك مؤلفاته عبر البحوث والمقالات والمؤلفات. إضافة نوعية للمدى أن يكون الدكتور السلطاني مسا

  • hatim g hatim

    مقالة عن العمارة العراقية يستحق القراءة

  • احسان عبدالله احسان

    تحية طيبة اتقدم بوافر الشكر و الامتنان الى الدكتور خالد السلطاني الذي واكب المرحوم الوالد عبدالله احسان كامل اثناء عملهما في قسم العمارة كلية الهندسة جامعة بغداد على هذا الوصف للمرحوم الوالد و من الجدير بالذكر ان الدكتور خالد بشتى المجالات المتحة له يذكر

  • خالد السلطاني

    اود ان اشكر الاصدقاء علاء مهدي و حاتم ج. حاتم واحسان عبد الله احسان كامل لكلماتهم الطيبة عن المقال. واحي صديقي علاء لشعوره الكريم ولاهتمامه بما اكتب واود ايضا ان اشكر السيد احسان، لتفضله بالكتابة وكلمات تعليقه الجميلة. واستثمر هذه الفرصة لاطلب من احسان

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top