النحات محمد مراد العبيدي: أوهم عزلة على (جدران هشّة)

النحات محمد مراد العبيدي: أوهم عزلة على (جدران هشّة)

يتذاكى الفن بنزوع تأثيراته الفكرية والجمالية على إنقاذ أرواحنا من مشاعر الإحساس بالغبن والأسى حين يتسامى بالإسهام في  تخفيف وطأة شعورنا الدائم بالقلق وإبعاد شبح الخوف عن مسلمات مشاعرنا المتوالدة جراء توافد حشود الهواجس، التي يفضي أغلبها - نهاية الأمر- حيث العزلة وقتامة ظلالها المقيتة، ولعلنا نفضي باستهلالنا هذا تمهيداً لتقييم إسهامات النحات (محمد مراد العبيدي-تولد بغداد 1960- ماجستر نحت من كلية الفنون الجميلة/2004) في أتون تلاقي وعيه النقدي عبر استثارات النحت ولعاً وتأثيراً في مواجهة الجدار الذي أضحى قدراً يومياً شاخصاً في مسارات تصادمنا الحتمي، ليس له من مفر سوى تقويض هذا الاحتدام بنوازع الفن ومساند التعبير عنه والتصدي له بالجمال الروحي والمقاومة النفسية التي مهد لها (محمد مراد) بعد إقامة عدة معارض ومشاركات آخرها كان معرضه الشخصي الذي أقيم على قاعة جامعة (البلمند) في بيروت نهاية العام الماضي بعنوان (جدران هشة) أحتوى على واحد وثلاثين عملا نحتياً بأحجام مختلفة ومسميات عناوين ناورت بتقريب مساعيه التحليلية التي اتبعها تورية وجدلاً موضوعياً مع غاية وعيه الأمثل من خلال مفازات التعبير ومساند الترمز نهجاً واتحاداً لتضمينات وتفويضات الحداثة في تمرير عناصر و نواتج جماليات حضارة وادي الرافدين دراسة أكاديمية وفهماً تطبيقياً في توضيح أغلب سماته الدلالية والنفسية والحدسية تضميناً في توريد معاناته الذاتية مضيفاً ومحفزاً لها وفق جمع ترسبات اللاشعور الجمعي لما يعانيه وما نعانيه جميعاً من تكبيل للأمنيات والأيام وسعة الأحلام وبراءة الحرية عبر نزهة التمتع بطبيعة الحياة التي تغيرات معالمها وعلاقاتها بسبب زرع ووضع حواجز ومعيقات وجدران اسمنتية صلدة في عموم  شوارع المدن والممرات تحت شتى مبررات الحجج والتسويغات في قطع سبل الوصل والتوادد مع ذكريات الماضي وتطلعات الغد وما تكون وترسخ في عقول ووجدانات وعواطف الناس و روحية وحيوية المجتمع الذي نحيا فيه ويحيا فينا.

   سعى (محمد مراد العبيدي) في متن معرضه هذا إلى تطويع وتوريد نوازع وعي مثقف ومبصر لصلاحيات النحت في تمرير مصدّات وجوه حائرة وأقنعة غائرة تستند على هيئات وأجساد لينة... طرية سهلة وحادة في ذات الشأن من القوة والضعف معاً، وبما يعزز من صدى وبراعة القيمة الدلالية للنتيجة التي سعى إلى تحقيقها الفنان عبر إصراره على وضع تماثيله بنسق حر ومقيد في معنى القيمة الكبرى لذلك إصراراً، حين تجسدت بأوضاع وحركات وعلاقات نجحت في إيهامنا بجعل بعض تلك المنحوتات كما لو أنها غابات كثيفة من أشلاء وبقايا أطراف تزاحم ظلالها على قاعدة العمل أو على خلفية معينة ومختارة في إظهار هواجس الاكتظاظ  والانزعاج والضيق و الشعور بالأسى الروحي الإحباط الملازم للخوف والتوجس الذي راح يحيط بأرواح  مخلوقات هذا النحات البرونزية من أجساد بقامات طويلة نسبية وأقنعة مائعة بوجوه مهشمة مصابة (بداء العزلة)، يقال أن الإنسان لا يستطيع النظر مباشرة إلى اثنين الشمس والموت، لعل بعض منحوتات النحات(محمد مراد) قد فاضت بوفرة معنى ما ورد في موضوع الإنسان والشمس ومهابة الموت، لأن العزلة- بحد ذاتها- هي الوجه الآخر للموت الذي يصفه أبو الطيب المتنبي بهذا البيت الدامي والمنقوع بمرارة الإحساس بقسوة وبشاعة الموت حين يقول:

(إذا تأملت الحياة وصرفها

تيقنت أن الموت ضرب من القتل).

  لقد صنف الفنان مساعي احتجاجاته من خلال منجزات (جدرانه الهشة) بنفس ومنحى دلالي حاول اختزال قيمة الصمت كمعادل موضوعي للإفصاح عن جوهر الخطاب الفني والجمالي عبر تثوير ثوابت المشاركة الواعية و صهر معاملات الاتحاد ما بين بنية العمل وخلاصات نواتجه الإبداعية، متمثلة بترتيب خمسة وجوه منفذة بمادة(الفايبر-كلاس) تماهت بارتداء أقنعة لونية صريحة وبألوان مختلفة (أبيض/أحمر/أسود/صفر/وأزرق) توهم من يعتقد أنها ولدت من رحم قالب واحد، أنجز عليه استنساخ ذلك الوجه الحائر والمعبر بنسخ عدّة ثم انبرى بتلوينها(بالأبيض والأحمر والأسود والأصفر والأزرق) ليحول ذات الوجه إلى مفارقة حزينة وقاسية، استمالت بمرير تلك الدعابة الموجعة جراء فرط إحساسها المضني بالعزلة التي تحولت إلى دعابة تضليلية ممتعة، لكنها حزينة موجعة- كما قلنا- بسبب تقلبات وتبدلات شكل ونوع وطبيعة تلك المشاعر التي حاول الفنان بثها على وجوه أبطال تلك السيمفونية التعبيرية، فما من أدنى شك -بعد الآن- أن يشي ويمهد لتحولات الوجه الواحد حين انتحل عدة وجوه كانت تنشد الخلاص وترتل بصمتها هدوء تلك الوحشة القاتلة، لتوحدهم في الكشف عن معنى كثافة وقتامة ظلال العزلة،التي أحيا (مجدها) ملاك ذلك المعرض، معيداً فكرة (نحت الظل) في بعض مهارات الخوض في بناء وحدات الأعمال النحتية غلى ضوء ما يعلن ويفيد من تماهي واستنجادات تجربة النحات (العبيدي) من وجع استغاثات جدرانه الهشة، ومفازات دخوله مثابات التولع بالحنين وبتنامي عوالم الانصياع للشجن الحاني والمزروع بأمل الذكريات وتشظي العواطف ونبل المشاعر عبر نواحٍ إجرائية تستند إلى تفاعل ذهني ربما يشي ويتجانس بنفس نوازع الهم الوجداني الذي ألمّ يوماً بالفيلسوف (نيتشه) ما جعله يجهر بالقول؛(ما قيمة فضيلتي إن لم تجعل مني إنساناً عاطفياً).

لقد تواصل(محمد مراد) في تبني استدرار عطف المشاهد والمتتبع لأعماله بشيء من التماثل والاتحاد الروحي مع مقومات الجمال متمثلا بالمرأة، من جهة ومن تبادل قيم الصراع الروحي والنفسي من ناحية ثانية، حتى أضحى ذلك تنوعياً لحاجة الواحد للآخر(الرجل والمرأة) في تكثيف سطوة العزلة وتنامي العتمة على مقدرات وأرواح الاثنين معا، ما عمق من أواصر تلك المشاركات الوجدانية والحلمية في الكثير من جوانب الاهتمام ومتعة الاندغام ومحاولات ضخ سيل من وجع الذكريات وأحزان قصص وحكايا عن نساء وأصدقاء الفنان حين راح يبغي عشق الصمت ملاذاً وتعويضاً مؤجلاً خشية تقادم المخاوف ومجاهيل القلق واستيضاحات كل ما سعت محتويات معرض (محمد مراد العبيدي) الأخير في بيروت  لتقريب سلطة الوحشة السكون أمام ترددات البوح اضطراراً من خلف جدران الصمت و مناعة التفكير والتواصل التي تفرضها- غالباً- غشاوة ذلك الصمت المريب بانتصاب محدداته المفروضة والمقحمة بحضورها المكتظ بالإيهام ونوازع الشك والخوف المطبق على أرواح تلك الكائنات اللائذة بأحلام يقظة وتراتيل حزن وبكاء كتوم وأصم مثل بلادة تلك الجدران التي رآها الفنان هشة، فاستفاض بتحطيمها بمعول الفن رادعاً وتحريضاً لنحر كل محاولات إعاقة الحياة تحت أية ذريعة كانت، فعلى الحياة-كما نادى بيكاسو- أن تمضي... فالحياة هي نحن.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top