وقفة: نماذج في السياسة

وقفة: نماذج في السياسة

شاكر الأنباريالانشاء هو أن تتحدث كثيرا ولا تقول شيئا. تسوّد صفحات في موضوع ما من دون أن تأتي بفكرة جديدة، أو مفيدة على الأقل. الانشاء هو اللاملموسية، والمراوغة، والتلاعب بالألفاظ. لدينا اليوم في السياسة العراقية كم هائل من الانشاء. ولدينا سياسيون بارعون في الكلام الانشائي.

 يمكن القول انهم سياسيون انشائيون بامتياز. والانشائية في السياسة أداة للتهرب من الاجابة، او اتخاذ موقف، أو مقاربة الوضوح في قضية ملتهبة، كقانون النفط والغاز، وقانون الانتخابات، وحماية الصحافيين، وقضية كركوك، والقائمتين المفتوحة والمغلقة، واعادة كتابة الدستور، وعشرات من القضايا المختلف عليها بين الأحزاب والمكونات والكتل. وهي في جميع مفاصلها تحتاج الى وضوح، وصراحة، وبعد نظر، مع كمية كافية من الحكمة. أحد نماذج السياسي الانشائي هو صاحب الخطاب الوطني الفضفاض. هذا السياسي، عضو البرلمان، أو الوزارة، القائد في حزب سياسي، ما ان يظهر في ندوة او في صحيفة او استطلاع للرأي حتى ينثال على المشاهدين بكلمات شاعرية، تمجد الوطنية والمواطنة، وتدعو الى الوئام بين فئات الشعب، والحوار البناء حتى مع القتلة، وتجاوز الصعوبات بما فيها صعوبات تحديد هوية البلد ذاته. اما لب المشكلة التي تتطلب الحل فيظل هذا الانشائي بعيدا عنه. ولا يرغب في طرح حل واقعي لأية معضلة، كونه يخفي حلا اما عنصريا او مذهبيا، او حلا عفا عليه الزمن لأنه ينتمي الى آليات النظام السابق، وتربيته في السياسة، والاجتماع، والسلوك حتى. ونموذج آخر هو لامرأة عضو في مجلس النواب، تشارك في موضوع حساس يخص المحاصصة الطائفية على سبيل المثال، فاذا بها تجيب وكأنها الألمانية روزا لوكسمبورغ في الانفتاح، والتطور، والتمدن، والانتماء الى الحداثة. هذا رغم انها تلف جسدها ببضعة اذرع من القماش الأسود. وتخفي يديها بقفازين ثخينين يلائمان عواصف القطب الشمالي. وتستخدم لغة ناعمة منقاة لدفع التهمة عن طائفيتها المخفية جيدا تحت ركام الكلمات الانشائية الجميلة. وهذا النمط من النماذج الانشائية يضحك على ذقون شعب بكامله. شعب مشهور بقدراته الأكاديمية وثقافته الديمقراطية وليبراليته في الحياة، منذ السومريين وحتى اللحظة الحاضرة. في الانشاء السياسي يضيع ما هو ملموس ومحدد. والانشاء السياسي عادة ما يصف المعضلة فقط، ويتفيقه بتفاصيلها. يلف ويدور كما لو كان بغلا أعجف في طاحون. اما ان يقترح، أو يجد لتلك المشكلة حلا سليما وعقلانيا فهذا ما لا يخطر على باله. نموذج انشائي آخر يحاول أن يلغي كل تطور ايجابي حصل في السنتين الأخيرتين، لا لشيء الا لأنه ليس الشخص الذي صنع هذا التطور، ولا ساهم فيه. ونموذج مضاد لهذا هو تمجيد كل ما هو قائم بكل سيئاته من فساد اداري، وقضائي، وسياسي، ومحسوبيات، وولاءات، لأنه جزء مشارك بهذا الفساد. ومن هنا يتحول تمجيده ودفاعه الى انشاء لا معنى له، كونه يجافي الواقع. ونحن نعرف ان الواقع هو الحكم دائما في المعضلات الحياتية التي يعيشها الوطن والمواطن. كلام نواب في البرلمان وأعضاء كتل وائتلافات يظهرون في ندوات تلفزيونية، وهم حتى فترة قريبة معروفون أنهم من أعمدة القتل والمذهب الميليشياوي والطائفي والتكفيري يتفيقهون بالوطنية، ورسم مستقبل ديمقراطي للعراق، ما هو الا كلام انشاء محض، يحتاج الى حذف وتشطيب. فهؤلاء يريدون قشمرتنا مرة أخرى، ليتسيدوا المشهد السياسي كي يصبحوا أهل الحل والعقد، بأياد ملطخة بالدماء، ورائحة كريهة هي رائحة الفساد، والرشاوى، والصفقات، وفي بلد يحتاج الى أياد نظيفة، تعيد له ألق تاريخه غير الانشائي، وبناء مستقبله كأي بلد طبيعي على كرتنا الأرضية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top