كلام ابيض : الأب الثاني

كلام ابيض : الأب الثاني

جلال حسن ما زلت أتذكر معلمي الاول, في الابجدية الاولى ، وانا ارسم حرف النون كقلب مثقوب، وهو يقول ضع النقطة في الهلال، وانتبه يا ولد! صورة معلمي مرسومة في ذاكرتي كوشم سومري، اعلقها احيانا فوق الرمش واقول:له الفضل في جزالة نطقي ،

علمني القراءة والاعراب ، علمني الحساب والتاريخ ، وتضاريس المدن البعيدة . معلمي كان أنيقا، ومترفا ،ويلبس ربطة عنق حمراء ، ويحمل كتبا ثقيلة ، وحين اسأله عن محتواها يبتسم بإيماءة هادئة، ويقول: ستعرف لاحقا يا ولدي، ان هذه الكتب مثل الفوانيس، تنير الدروب والشوارع والبيوت المظلمة. وإياك أن لا تقتنيها ، انها مثل الخبز الحار . سنين طويلة مرت ولم تفارق \"جيلنا\" صورة المعلم في إطار القدوة الحسنة والاب الثاني ، وثقافته بالعطاء وتوصيل المعلومات المختلفة للطلاب ، بل يتعدى ذلك الى زرع الاخلاق الفاضلة وغرس القيم النبيلة ، وترسيخ مفاهيم الحياة كالتعاون والامانة والتكاتف والتسامح والاخاء والمحبة وبناء الاوطان، والدعوة الى الرفق بالصغيرواحترام الكبير وتثمين العطف وتقدير المعروف والاعتراف بالفضل . فكنا نستلم هذه القيم ،والمثل العليا بطريقة غير مباشرة ليس فيها وعظ ، ولا مبالغة انما كانت تأتي سلسة، وواضحة وتلقائية. المعلمون الاوائل كانوا يستقطعون من راحتهم لشرح دروس اضافية لمن لم يفهم من الطلبة، اثناء الشرح الصفي للمواد الدراسية , وكانوا يحبون عملهم بشكل كبير، ويحافظون على سمعتهم، وكان المعلم يتهيأ لمهنته الجميلة هذه، بعمل تدريبات تجعله قادرا على مزاولة التعليم، من علم وكفاءة وطرق تدريس ومعاملة حسنة، بالنتيجة كان التقدير والاحترام صفة لازمة، ما دفع أهالينا – آنذاك - الى توجيهنا لامتهان هذه المهنة الجليلة، خاصة المعلمات اللائي كنّ يتمتعن باحترام الناس وتقديرهم وطاعة الطلاب ومحبتهم . الان ماذا حدث ؟ وما الذي يجري ؟ نسمع اشياء غريبة عجيبة ، اولياء امور الطلبة يشتكون ويتذمرون من طريقة رمي الطلبة بكلمات بذيئة وسيئة من قبل المعلمين والمدرسين، فيها السب والشتم ، ووزارة التربية تشكل لجانا للكشف عن حالات العنف ضد الطلبة ، بل وتؤكد عبر وسائل الاعلام انها ستقوم بإجراءات احترازية ضد المعلم او المدرس الذي يثبت سبه او شتمه او ضربه للطالب وتقول: ان هذا الفعل المسيء يشكل تعديا على قرار الوزارة ، وتشيرالى انها ستتخذ عقوبات ادارية مثل التوبيخ والانذار، اذا ثبت استعمال المعلم العنف ضد الطلبة . فهل ما يجري الان من ظواهر حياتية، هي جديدة في المجتمع ؟وهل تبدل المعلم ؟ ام تبدل الطالب ؟ اسئلة كثيرة ومريرة ومزعجة . وكلها بحاجة الى حلول موضوعية وجازمة \" قبل وقوع الفأس في الرأس\" . البلدان لا تتطورالا بالتعليم وحده ,و بناء الاوطان لبنته الاولى الطالب ، والبناة الحقيقيون هم المعلمون وحدهم ،ووحدهم من يشير الى بوصلة التقدم والمعرفة والمُثل السامية، فهل نحن بحاجة الى تشريع قانون لحماية المعلم وقانون ثانٍ لحماية الطالب ، هذا ما نأمل أن تجيب عليه وزارة التربية وبسرعة رجاءً! [email protected]

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top