الرواية اليهودية..إعادة (كتابة / قراءة) تاريخ الطائفة روائياً

الرواية اليهودية..إعادة (كتابة / قراءة) تاريخ الطائفة روائياً

من جملة ما أفرزته حقبة الكولونيالية البيضاء في العراق هو الاهتمام بموروث أبناء الطائفة اليهودية العراقية, سواء ما تمثل ذلك في مستوى الكتابة الصحفية عن منجزات الطائفة ودورها في العراق, أم ما تجسد على صعيد الدراما بمسلسل (سليمة باشا) وتسليط الأضواء على الحقبة التاريخية آنذاك, يعززها على صعيد نشر المنجز الروائي السردي لروائيي الطائفة اليهودية وتسويقه, إذ اسهمت تلك النصوص الروائية في رفد المكتبات العراقية في إضاءة راسب تاريخي مغيب.

وابرز ما يلحظه قارئ تلك النصوص, يتجلى في التمثيل السردي الذي يسعى الى تحديد الوضع الثقافي والأدبي لأبناء الطائفة في العراق، اذ تشير تلك النصوص الى محاولة إثبات الحضور بالغياب عبر الاهتمام بالموروث الثقافي العراقي في حقبة دخول العراق مجال التحديث, بما ينطوي على تكوين الهوية من تعدد يندرج تحت مؤطرات ذلك، وفي مقدمتها تصوير البيئة الشعبية العراقية بدءا من اللغة المحكية (ونعني تحديدا اللهجة الشعبية لليهود البغاددة) ومعمارية البيوت البغدادية وتصاميم جزيئاتها ومحيطها التخطيطي في الشوارع والأزقة والمحال التجارية, وخصوصية الأزياء العراقية والأكلات الشعبية والألعاب والطقوس والمعتقدات الغيبية وغيرها كثير .. فهي ذاكرة الحنين للوطن والتي تحيل على هوية وطنية سعت النصوص الى تأكيدها بقوة, وتأتي في مقدمتها تعطيل المفاهيم المتعلقة بصهينة كل اليهود ومنهم يهود العراق, والتذكير بالتلاحم الوطني لابناء الشعب العراقي في انتفاضة الوثبة المعروفة، فضلا عن إسهام أبناء الطائفة في الحراك الفكري والسياسي، ولاسيما في انتمائهم الى تيار الحزب الشيوعي المضاد فكريا للحركة الصهيونية ودورهم في منظمة عصبة مكافحة الصهيونية وكشفهم عن خصوصيات تلك الهوية التي كانت مغيبة ومسكوت عنها لفترات طويلة في تاريخ يهود العراق - بحسب ما طرحته تلك النصوص- واذا كانت علاقة السرد بالهوية تقدم من خلال تأكيد الهوية الثقافية, فأنها تطرح في سياق آخر, رؤيتهم للاخر, والذي لايتم الا عبر عميلة وعي الذات الذي ينطلق من الفخر بمنجزات الذات - بوصفها ممثلة للطائفة- ودورها في بناء الدولة العراقية الحديثة, بدءا من إقامة اقتصاد متين، أسس له وزير المالية (ساسون حسقيل), ظل معمولا به حتى يومنا هذا فكرة مقايضة النفط بالذهب لا بالجنية الإسترليني, ام على مستوى التعليم, حين كان ابناء الطائفة من السباقين الى تأسيس المدارس في البلد ام على صعيد الفن والموسيقى .. وفيما يتعلق بتصورهم عن الاخر, فلقد قدموه بوصفه المختلف دينيا فحسب, ولم يقف ذلك الاختلاف عائقا امام حالة التداخل والاندماح بالآخر, والذي تمثل في زواح المسلم باليهودية او علاقة المسلمة باليهودي, كما قدمها الروائي (سمير نقاش) على وجه الخصوص وهو ما يكشف عن وجود مساحة للحوار في ضوء المشتركات, فما يفرقه الدين ويعدّه أحد تابواته, قد تجمعه الإنسانية بوصفها مظلة, تسعى الى التسامي على كل ما من شأنه الإساءة إليها او تكبيلها, وعلى أساس ذلك الحوار الخلاق الذي تقدمه النصوص سعى أولئك الروائيين الى ترسيخ هوية منفتحة تؤسس لعلاقات متوازنة وفاعلة بين أطياف الشعب الواحد.
   ولما كانت الكتابة السردية عندهم هي الوسيلة الدفاعية لإثبات حق العيش أسوة بالآخر وتأكيد جذور الانتماء الحقيقي عبر تأكيد الهوية, فقد جعلوا من تشكيل المتخيل الفني احد المحاور لتلك الوسيلة الدفاعية ولاسيما طبيعة معالجتهم للفضاء الروائي في تلك النصوص، ونعني به تحديدا (المكان والزمان), إذ إن يتعلق بالمكان فلقد تشكل في نصوصهم وقف ثنائية (الغيتو/ الغيتو المضاد)فمن اهم ما يميز الجماعات اليهودية في كل دول العالم هو انعزالها في محيط خاص تجري فيه تعاملاتهم الخاصة ومناسباتهم واعيادهم وطقوسهم الجنائزية وغير ذلك,  اذ يطلق على ذلك المكان بالغيتو, ربما ينطلقون في ذلك من عقدة (الشعب المختار) ونظرية (نقاء العرق), فهو-اي الغيتو- وان كان صفة دينية, فقد اتخذ في نصوص مع الروائيين العراقيين اليهود منعزلا مضادا, فمن جملة ما افصح عنه المكان لديهم، وبخاصة ما أكدوه في الانعزال في منطقة خاصة في “إسرائيل” تسمى (رامات غان)  اطلقوا عليها بـ (رامات بغداد) اي حدائق بغداد, كون سكنتها من العراقيين فقط, فعلى الرغم من سعي سياسة “إسرائيل” الى عزل ابناء الطائفة في العالم في مكان واحد هو ما يسمى (دولة إسرائيل) بوصفه الغيتو الديني العالمي لهم, فإن يهود العراق فرضوا على أنفسهم داخل ذلك (المنعزل) منعزلا مضادا, وفي ذلك تأكيد لهوية وطنية ظلت تؤرقهم وتتذرع بها ذاكرتهم خوف الذوبان حتى لحظات رحيلهم الأخيرة عن الحياة, ولاسيما ما نجده مع الروائي (سمير نقاش) و(إسحاق بار_موشيه) .
  أما معالجة الزمن فقد جاء متوقفا شبه متلاش فيما بعد, اذ تؤشر بنيته احتفالها بالذاكرة. فزمنها ذاكري خاص, يتوقف في حقبه الأربعينات, تلك الحقبة التي استدعت حادثة الفرهود وقانون إسقاط الجنسية العراقية والترحيل القسري, ويبدو أن اهتمام الروائيين بتلك الحادثة وتداعياتها وتوقفهم الطويل عندها هو محاولة إضاءة المنطقة المظلمة والمغيبة في تاريخهم, اذ تجمع النصوص الروائية برمتها ان أهم أسباب حادثة الفرهود .هي ليست كما روج لها مؤيدو التيار القومي, بان سببها هو احتفال أبناء الطائفة بفشل ثورة مايس التي ساندت فيها ألمانيا ضباطها ووقفت ضد بريطانيا, إنما هو مصادفة هروب رشيد عالي الكيلاني واتباعه الى إيران بعد فشل الثورة, مع احد أعياد الطائفة الذين خرجوا في ذلك اليوم لزيارة مرقد النبي (يوشع) محتفلين وبكامل زينتهم, ولم يكونوا يعلمون بتلك الهزيمة, فمحاولة تصوير تلك الحادثة من كل الجوانب استدعت سكونية في السرد, كون الحادثة مثلت حجر الزاوية الذي دارت حوله نتاجاتهم الادبية والروائية على وجه الخصوص .وعلى وجه العموم فان تلك البنية تقدم قراءة لتلك الحقبة التاريخية حيث يتداخل فيها خطابان: خطاب السياسي وخطاب الادبي, ويبدو ان مكمن الاهتمام بها كونها تمثل اهم مراحل تأكيد الهوية الوطنية التي تسعى النصوص الروائية الى تقديمها منطلقة من فكرة بندكت اندرسون (التذكر من اجل النسيان), لذا فلا غرابة ان تسود تقنيات الإبطاء نصوصهم السردية فكأن زمنهم الروائي لايجد امتداده وكأنه انتفى فأصبح العالم بعده عدما .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top