مؤشرات التغيير فـي انتخابات مجالس المحافظات

آراء وأفكار 2013/05/04 09:01:00 م

مؤشرات التغيير فـي انتخابات مجالس المحافظات

لا تعنينا هنا المؤشرات التي تناولها الكتّاب السياسيون، بل تلك الخاصة بالمتغيرات الاجتماعية والنفسية للناخب العراقي..وأولها أن عدد المرشحين كان ثمانية آلاف مرشح  ،بينهم (1200)امرأة تمثل( 265 )كيانا سياسيا و( 50 )ائتلافا شملت( 13 )مليون ناخب في اثنتي عشرة محافظة. وبغض النظر عن اختلاف أسباب كثرة المرشحين ماذا كانت: مادية، وطنية، اعتبارية،تنافسية عشائرية.. فإنها تؤشر زيادة في الوعي الانتخابي بين الناس بشكل عام والمرأة بشكل خاص بغض النظر عن تباين المستويات بين بساطة المؤهل وسذاجة الدعايات وبين كفاءة المؤهل وبرنامجه السياسي.
وثاني المؤشرات المهمة هو أن المرجعية الدينية الموقرة لم يعد لها نفس قوة التأثير على الناخب الشيعي العراقي التي كانت بعيد سقوط النظام الدكتاتوري. ويعود ذلك إلى موقف إيجابي للمرجعية بوقوفها على مسافة واحدة من الجميع ودعوتها إلى انتخاب الأصلح. ويعني هذا، سيكولوجيا، أن الناخب الشيعي لم يعد مسيّرا بما تأمر به المرجعية، وأنه صار يمتلك الإرادة الحرة، سواء في الامتناع عن الإدلاء بصوته أو إعطاء صوته للأصلح، باختلاف مفهومه أو تفسيره لهذا (الأصلح) الذي تعنيه المرجعية. ومع أن هذا يعدّ مكسبا كبيرا، إلا أن المرجعية يبقى لها تأثيرها القوي في الجماهير الشيعية بأوقات الأزمات بشكل خاص.
   وثالث المؤشرات، أن رصيد الإسلام السياسي هبط جماهيريا إلى ما يقرب الثلث أو دونه. ففي بغداد التي يبلغ عدد الناخبين فيها بحدود ثلث مجموع الناخبين في المحافظات الاثنتي عشرة، شارك في الانتخابات بحدود المليون ناخب من مجموع أربعة ملايين. وهذا يعني أن المسيّسين طائفيا والمنتمين إلى أحزاب الإسلام السياسي قد انحسر عددهم لأسباب أخلاقية ونفسية، كشعورهم بخذلان من انتخبوهم أو لنفور نفسي من أعمال فساد مخزية ارتكبها مسؤولون محسوبون على التيار الإسلامي.
   والمؤشر السلبي الأكثر وضوحا هو عزوف النسبة الأكبر من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم..وسببه السيكولوجي الرئيس هو ( الشعور باليأس من إصلاح الحال)، وأسباب أخرى ، بعضها تبريرات غير واقعية، من قبيل: إن الوجوه هي نفسها، إن النتائج محسوم أمرها مقدما، إن المخلص والكفوء لاحظّ له..وأنه حتى لو نجح فسيصاب بعدوى الفساد من المحيطين به الذين إما سيورطونه أو يسهّلون الأمر عليه بأن وجوده في مجلس المحافظة فرصة عليه أن يستغلها بما يؤمّن مستقبل أسرته.
    والمؤشر الخامس هو أن التيار الصدري خسر، على غير المتوقع، عددا من مقاعده ،لاسيما في أكبر محافظتين: بغداد والبصرة. وقد يعزى السبب إلى موقف التعاطف للتيار مع الطائفة السنيّة، وتأييد مطالب المتظاهرين في المحافظات الغربية. وهذا يعني ،سيكولوجيا، وجود نسبة مؤثرة من المتطرفين الشيعة يحملون مشاعر العداء والكره نحو الطائفة الأخرى، وربما دافع الانتقام من المتطرفين السنّة الذين يحملّونهم مسؤولية ما لحق بهم من أذى وجرائم قتل الكثير من الشيعة الأبرياء. وهذا يؤشر ضمنيا  أن المتطرفين من جماهير الشيعة يعمدون إلى صنع قائد قوي يخلقون منه دكتاتورا لمواجهة أخطار يرونها تهددهم داخليا وخارجيا. وهذا يوصلنا إلى المؤشر السادس هو تصدر قائمة (دولة القانون) نتائج الانتخابات في عدد من المحافظات. فبرغم أنها لم تحرز نفس تفوقها في انتخابات( 2009 )الذي مكنها من السيطرة على معظم مجالس المحافظات الوسطى والجنوبية إلا أنها ظلت الأقوى على صعيد القوائم الشيعية. وإذا استثنينا التصويت الخاص وما يشاع عن عمليات تزوير، فإن الناخبين الشيعة الذين صوتوا لها ما يزالون يرون فيها أنها الأصلح لإدارة الحكم ، ولقناعتهم بشعار برنامجها (عزم وبناء)، أو انه لا بديل لها ، أو أنها القوة التي يجب عليهم مساندتها لتأمينها حاجتين سيكولوجيتين لهم: البقاء والأمان.
      ومؤشر إيجابي جديد أفرزته نتائج الانتخابات هو أن سلطة القائمة الواحدة لم تعد موجودة في المجالس الجديدة للمحافظات. وهذا يعني تراجع الخوف من قوة سياسية معينة، ونشوء تحالفات جديدة بين كتل يتوقع منها أن تستهدف إعمار مراكز المحافظات وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، وإحياء دافع التغيير في الانتخابات المقبلة لدى الذين عزفوا عن المشاركة فيها.
والمؤشر الأخير هو فوز (12) مرشحا من التيار الديمقراطي. ومع انه عدد ضئيل وغير مؤثر إلا انه يسجل بداية تحول  إيجابي، وإن على القوى الوطنية والديمقراطية أن تنتبه إلى أن نتائج الانتخابات الحالية تؤشر بداية انحسار المد الكبير لقوى الإسلام السياسي، سواء من حيث نسبة المشاركة الضعيفة التي تعني عدم رضا الأغلبية عن القوى السياسية الفاعلة في إدارة الحكم، أو التنافس الطائفي والعشائري الذي يتنافى وجوهر الديمقراطية، وأن عليها أن تثقف بعض فصائلها. و هناك مثقفون يرون أن نمو الديمقراطية قد توقف في العراق،لأن الديمقراطية أشبه بلعبة كرة القدم لدينا، فإن كان الإسلام السياسي قد ألحق هزيمة كبيرة بالقوى الليبرالية والعلمانية، فإن( 2013 )سجّل بداية انتعاشها، والأمر يحتاج إلى (مدرّبين) في الخطاب الإعلامي يسجلون أهدافا في صناديق التغيير!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top