دوكان عين السليمانية التي تمدها بالسحر والكهرباء والماء

دوكان عين السليمانية التي تمدها بالسحر والكهرباء والماء

 السليمانية/ يوسف المحمّداوي
كل شيء هناك من أجل الفرح ،من أجل السرور، من أجل الإنسان، الحسن هناك يقرع بطبوله، يعزف بموسيقاه ،ينشد أغاني السعادة، زرت القضاء عام 2007بدعوة خاصة من دار الحكمة للترجمة، لكن ما أراه الآن يختلف كليا عما رأيته في أول زيارتي لقضاء دوكان ،فالمسافة الفاصلة بين مركز محافظة السليمانية والقضاء التي تبلغ 67كم شغلت بقرى هي عبارة عن مدن يحيطها الجمال من كل حدب وصوب، حتى سيطرة تفتيش المدخل تراها عبارة عن بورتريت فتنة نصبت وسط الشارع، طريقة التعامل من قبل القوات الأمنية المسؤولة عن السيطرة تشعر من خلالها بقيمة الإنسان  وتجلي آدميته، ومدى احترام الإنسان لأخيه الإنسان، شركة أجنبية هي من قامت بنصب تلك المداخل الجميلة وهي عبارة عن مسقفات رفعت بواسطة قوائم من الحديد لونها اخضر فاتح، وهنا لابد ان التفت صوب سيطرات بغداد ومداخلها التي تحيلك الى مدينة خربة محاطة بنقاط تفتيش أصبحت مصدر تعذيب وإزهاق لأرواح المواطنين  الذين جزعوا من تصرفات رجال تلك السيطرات وما تسببه من طوابير الزحامات وسط العاصمة المنكوبة بغداد.
الأخضر سيد الألوان
بالرغم من زيارتنا في شهر حزيران إلا إن اللون الأخضر هناك هو سيد الألوان، حيث العشب والأشجار تتمايل طربا على الطريق الى دوكان، مزارع العنب تتوسط قرى القضاء المنتشرة على جانبي الطريق الساحر وقد بنيت تلك القرى بطراز معماري حديث قرية بور تغفو على سفح سلسلة جبال بيره مكرون ثم تأتي على يسارها قرية بيره مكرون وسميت تيمنا باسم تلك السلسلة الجبلية، وتشتهر تلك القرية بالبيوت البلاستيكية لزراعة أنواع الخضار، وعلى يمين الطريق تتفاجأ بوجود سجن سوسة، وهذا السجن كان في ثمانينات القرن الماضي عبارة عن  قلعة بنيت من اجل إعدام الأكراد وحبسهم ، وخلال حملات الأنفال السيئة الصيت كان النظام البعثي  يقوم باعتقال العوائل الكردية فيها ثم يقوم بإرسال تلك العوائل الى سجن نكرة السلمان في محافظة المثنى والمقابر الجماعية التي اكتشفت في تلك الصحراء دليل واضح بان ذلك النظام كان يقوم بدفن تلك العوائل وهم أحياء وقصة الطفل الكردي تيمور مثال جلي على ذلك. إن (سجن سوسة )هو أول سجن فيدرالي عراقي أي انه تابع لوزارة العدل العراقية لكنه يقع في إقليم كردستان، وقد كان السجن المذكور مشغولا من قبل  القوات الأمريكية .
شقق على الطراز الأوربي
تركنا سجن سوسة في منطقة  سوسي كان لنرى مزارع العنب وهي تتسابق في منطقة موغاغ، وكذلك في مناطق كاني ميران وحاجيتان وجالاخ وكنده شينه وكاني شوك حيث تتصاعد القرى بالسحر مع الجبال، ثم تتفاجأ بالنزول والذهول عند قرى سي كانيان وكوتل وسي وتيمار وتالان وقرية سورو قاوشان حيث الطرق الملتوية وغابات من الشجر تتوسط الجبال كسور جميل يحيط بتلك القرى ،ومع ارتفاع العجلة بنا نحو آيات الجمال القرى تتباهى بفتنتها وكل قرية تقول للأخرى أنا الأحلى، أنا الأجمل.
قطعان من الأبقار على موائد السحر تأكل ما جادت به الطبيعة لها على سفوح تلك الجبال، الطريق يدور بنا كدولاب الهوى والعجلات كأنها أطفال تهوى الصعود عليه، الشجر عنوان رئيسي للبيوت والشوارع في دوكان ،وصلنا عن طريق فرعي الى بحيرة دوكان لنتفاجأ بشقق سكنية بنيت على الطراز المعماري الاوربي  وتوجد داخل تلك الشقق حديقة تتوفر فيها العاب للأطفال ومرآب للسيارة ويسمى المجمع السياحي(قشقولي).
العوائل على ضفاف الزاب
تبلغ مساحة قضاء دوكان 1567كم2 ويقع غرب السليمانية ويتألف من مركز قضاء دوكان  وعدة نواح هي سورداش وخله كان وبيره مكرون وخدران وبتكرد، ويغذي دوكان سنويا اكثر من مليون و200الف دونم زراعي في كركوك وطوز خرماتو، ويزود دوكان مياه الشرب لمحافظة السليمانية وكركوك وكذلك قضاء طوز خورماتو التابع لمحافظة صلاح الدين، ومن الاماكن البارزة في  موقع السد هي منتجع(ته تكي بووك وزاوا) وهي منطقة جميلة تقع وسط بحيرة دوكان يصل اليها السائح من خلال القوارب الموجودة واتخاذ ممر مائي ،وحين تصل هناك تشعر بانك وسط جنائن من الجمال الطبيعي سواء مشاهد الشلالات والعيون والبرك الساحرة المحاطة بالأشجار، ويشكل مجرى الزاب الأسفل منطقة سياحية جميلة ،حيث تحتشد هناك العديد من العوائل وسط كابينات سياحية وعلى ضفتي الزاب لغرض التمتع بعذوبة وبرودة ماء النهر هناك.
كهوف ومنحوتات
على الضفة الغربية للنهر  توجد قلعة(سارتكه)وهي قلعة تم تشييدها في زمن إمارة سوران في عهد الأمير محمد وبقيت آثارها شاخصة الى يومنا هذا، اما الموقع الجميل والقريب من السد ويمكن الوصول اليه عن طريق فرعي منشق من الطريق الرئيسي، حيث يضم عدة منابع مائية  وهناك يتكامل نهر(سور قاوشان) بعد لقاء فرعي (زرزي وريزان) وتملأ الأشجار الكبيرة والمتنوعة  ضفتي النهر وفي الطريق المؤدي اليه يوجد كهف زرزي المعروف باعتباره احد الكهوف التي سكنها الإنسان في العصر الحجري القديم، وهناك ايضا  يوجد كهف ومنحوتة (قرقايان) التي اشتهرت كونها مرقد ملك الميدين (كيسخرو).
الملك فيصل وسد دوكان
سد دوكان يقع على نهر الزاب الصغير ضمن محافظة السليمانية يقع على مسافة 67 كيلومترا شمال غرب مدينة السليمانية وعلى بعد 100 كيلومتر من مدينة كركوك وهو سد خرساني مقوس نصف قطره 120 م وطول قمته 360 م. بدأ في بناء السد عام 1954 وانجز عام 1959 وهو أول سد في العراق.
بدأ إنشاء سد دوكان في سنة ( 1954 ) في عهد ( الملك فيصل ) ملك العراق ، وانجز مشروع البناء سنة 1959 ، والشركة المنفذة لعمل المشروع هي شركة ( دوميز بالوت الفرنسية ) بكلفة ( 14 ) مليون دينار سويسري.
المواصفات الهندسية للسد  
ارتفاع جدار السد (5/116) اما ارتفاعه عن مستوى سطح البحر تبلغ(516)مترا، ويبلغ طوله (260)مترا، ويصل مخزون البحيرة من المياه (8/6)مليار متر مكعب، ويبلغ سمك الجدار في الأعلى(2/6)متر وفي القاعدة يبلغ سمكه(54)مترا، وفي عام 1970 تم تأسيس محطة كهرمائية لتوليد الطاقة من قبل شركة روسية.
يستخدم السد لخزن مياه الأمطار وري ما يقارب(1500000)فدان من الأراضي الزراعية في اربيل وكركوك والسليمانية وقضاء طوز خورماتو التابع لمحافظة صلاح الدين، وفضلا عن كونه ينتج (400)ميكاواط من الطاقة الكهربائية بواسطة خمسة وحدات توربينية فانه يقي المدينة من اخطار الفيضانات واسهم بإنعاش الثروة السمكية للمدينة.
جبال كأنها اهرامات للفتنة
دخلنا الى منطقة دوكان العليا من جهة قرية تعتاش على تربية المواشي والدواجن فضلا عن امتهان شبابها على مهنة الابحار بالسياح نحو السد او المواقع السياحية الخلابة التي تملأ ضفاف البحيرة وكذلك مهنة صيد الاسماك، العوائل افترشت الضفاف والبعض صعد الى الزوارق للتبضع من غابات الحسن المحاطة بجبال كأنها اهرامات للفتنة حفرها أزميل الطبيعة الساحرة، شباب واطفال سكنوا البحيرة كسباحين ،قطيع من الماعز والاغنام جاء لضفتها لإرواء عطشه، مركب يحمل شبابا جاءوا من بغداد وهم يرددون أغنية (مركب هوانه)ولكن بصورة محورة(مركب خذاني ...سفرة الدوكاني...رايد حبيب الروح...يكعد مكاني) ،وأنا اسمعهم لم امنع نفسي من الترديد معهم ،ومشاركتهم فرحتهم في ذلك المشهد الرائع.
أمواج من الفضة
قلت مع نفسي لو كان شاعرنا البحتري موجودا هنا هل سيكتفي بأبيات البركة الحسناء ،أم انه سيجن حتما بما تراه عيوني الآن ،لا اعتقد بانه سيكتفي بالقول(يامن رأى البركة الحسناء رؤيتها ....والآنسات اذا لاحت مغانيها.....كأنما الفضة البيضاء سائلة .....من السبائك تجري في مجاريها.....اذا النجوم تراءت في جوانبها ...ليلا حسبت سماءً ركبت فيها....محفوفة برياض لاتزال ترى....ريش الطواويس تحكيه ويحكيها)نعم والله هي احلى وانظر وابهى من الوصف ويعجز اللسان ان يصف البحيرة فرعونة الحسن وهي تتمادى بالتباهي بامواج مياهها حين تخترقها الزوارق لتخلف وراءها امواجا من الفضة، استقلينا المركب باتجاه السد وكان ثمن اجرة المركب للجميع بسعر (20)الف دينار، ثمن بخس ازاء المشاهد الخلابة التي تراها بل ضعف ذلك الرقم من الصور ستملأ العين بها وكذلك عدسة التصوير.
ذروة النقاء والدهشة
أشجار الجوز والعنب في المنتجع  تتراءى من بعيد عبارة عن اعواد ياس بعيدة تفوح بسحرها على المتنعمين بدلال منتجع (ته تكي بووك وزاوا)، الذي يحتوي على برك الماء المتكونة من عدة شلالات وكذلك من عيون الماء التي يعد ماؤها من أعذب مياه كردستان، الورود والزنابق في كل مكان وبألوان مختلفة ،فالأحمر يباهي الأصفر، والأبيض يفاخر الوردي، الأشجار تتباهى بثمارها والورود بعطورها والناس بوجودها وسط جنة حباها الله بكل هذا الحسن، الأوكسجين هناك يبلغ ذروة النقاء والدهشة في قمة الذهول، وكلمة (الله)القاسم المشترك على ألسنة السائحين هناك.
السد ،رفض سائق الزورق ان يقترب كثيرا منه لدواعٍ أمنية كما يقول، عدنا بعد رحلة قمة في الروعة الى ضفاف البحيرة لنجد العديد من العوائل قد استقلت العديد من الزوارق لينعموا بالنعيم الذي عشناه، تركنا المركب واستقلينا السيارة باتجاه دوكان السفلى وهي منطقة سكنية وفي نفس الوقت سياحية ،الشوارع معبدة وكأنك تتجول في مدينة أوربية ،وصلنا الى مسقفات تمتد على شط دوكان وذلك على الضفة اليمنى منه .

حفلة زفاف
على الطريق العام
هناك أجرة للجلوس تحت تلك المسقفات يستوفيها بعض الذين يشغلون ذلك المكان ويتراوح المبلغ ما بين (10_25)الف دينار وهو ثمن مستوفى من اجل ادامة المكان والمحافظة على نظافته من قبل العاملين هناك لاسيما وان العوائل التي تملأ ضفتي الشط تتناول طعامها تحت تلك المسقفات المحاطة بأقواس من شجر التكي، ولا تتفاجأ اذا سقطت عليك التكي وكأن الشجر يكرم ضيوفه بثمره الذي لايختلف طعمه عن العسل ،وكذلك شجرة الكالبتوز ايضا جادت علينا بظلالها ،الشباب زينوا ضفة الشط بمزاحهم وهم يرشون بعضهم البعض بالماء البارد ،العوائل توسدت الضفتين والملاحظ أن أغلب لوحات السيارات ارقامها بغداد وهو دليل على هروب اغلب العوائل البغدادية من زحامات بغداد وشوارعها المغلقة في كل مناسبة دينية، شاهدنا عرسا كرديا في الهواء الطلق على  طريق العودة الى مركز محافظة السليمانية، حيث الحلقة الكبيرة للرقصة الكردية المعروفة، والفرح الطاغي على المناسبة، تركنا الفرح ونتفاجأ بعدة إشارات تنبيه للسائقين تشير الى وجود استدارة قريبة وهذا من اجل المحافظة على أرواح المواطنين ،وانا أشاهد كل ذلك الفرح والتطور التكنولوجي والعمراني ألتفت صوب مصيبتي بغداد مرددا بحسرة(هلبت كسرنه بخاطر الله).

 والى حكاية أخرى من حكايات هذا وطني

تعليقات الزوار

  • zozo

    ارجو كل من عنده معلومات عن هاذه السجن او يكدر يجيب معلومات ارجوكم اخباري اني عندي اخويه اجانه خبر انو موجود بهاذه السجن

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top