إسطنبول: حين تُرى في المرايا والكلمات والمظاهرات

لطفية الدليمي 2013/06/29 10:01:00 م

إسطنبول: حين  تُرى في المرايا  والكلمات والمظاهرات

(2)
يتحدث الكاتب الصربي – البوسني إيفو اندريتش  عن إسطنبول  في روايته  ( الفناء الملعون ) فيذكر "إن السجن القديم  في إسطنبول  كان قريبا من البوسفور كنقطة تتوزع عندها المصائر البشرية "
السجن المطل على الماء في إسطنبول كما تطل القلاع والقصور والأبراج - يقترح أحلاما بالحرية لسجنائه  المؤبدين ، كل ليلة يربي في أعماقهم آمالا  وأحلاما  ويحرض  في وعيهم  أحلام يقظة  وبذور تمرد ، البوسفور هو ذاته  ممر  للشغف ، شغف   الالتقاء  والتباعد  وتوق  العبور والوصول بين قارتين  فثمة في الماء  طرق  عدة     تؤدي إلى الحرية  لا تنفك تراود السجين المأسور، الهرب  سباحة عبر مضيق البوسفور المعتم أو التحرر بالموت غرقا للنجاة من موت شنيع  على أيدي الجلادين أو النجاة والاستغاثة  بسفن غريبة عابرة ،طرق اسطنبول للحرية كثيرة  جدا سواء كانت في الماء او البرّ  فالمدينة مغوية وساحرة  تحرض  وتستفز العابر والزائر  لتجربة الحرية في موج بحارها  والمضي  بعيدا في براري  القارتين ..
 كلما زرت اسطنبول أجدها  مختلفة تتجدد  وتمضي في صنع أسطورتها ، هي  المدينة المراوغة الزئبقية المائلة على هوى  القارات والأحزاب الإسلامية  والقومية  وغوايات الاتحاد الأوروبي ،تتغير  كما يتغير الموج  في البوسفور الذي يسرق مياه البحر الأسود  ليغرقها في أمواج بحر مرمرة ، لا تعنيني مشاهد  اسطنبول  السياحية  التي  يراها  السائحون في كتب  شركات السياحة و الإعلانات البراقة   فللسائح الاوروبي  أن يتفرج ويندهش  بأسوارها و قصورها و مساجدها وجسورها التي  تعقد  زيجة مختلطة بين القارتين ، لا أبحث في اسطنبول عن مسجد او كنيسة ولا عن قصور تسرد قصصا عن أباطرة وسلاطين فلدينا ما يفيض عن حاجتنا منها ،لا تغويني فيها سوى رائحة البحر التي تملح  المراسي وحفيف شجر السرو  والدردار حين يعلو الموج مساءً ، وتأسرني أزقتها  المنسية التي تطل من نوافذ بيوتها المتقشفة النظيفة وجوه سيدات  ينسجن بالسنارات مفارش ودانتيلات  ويرتلن أغنية عشق عتيقة على إيقاع الحنين وهمهمة العابرين ،أحب فيها  التركيبة السرية  للتوابل الإسطمبولية تفوح  من طبق  في مطعم  وراء سوق ( غراند بازار)  حيث تسمع   صفارات السفن و زعيق النوارس في مياه القرن الذهبي
هذه المرة اكتشفت اسطنبول متمردة على ما يخططون لها ففي ضاحية أرتاكوي المطلة على البوسفور شاهدنا أول مظاهرة  سلمية  لشباب وشابات يحملون ورودا ولافتات ويزحمون شارع الكورنيش بأناقة تظاهرهم، هناك كانت سيدات يعرضن أسبوعيا على منصات مؤقتة عقودا من المرجان والعقيق ويدللن قططهن الناعسة وفي مساء اليوم ذاته بدأت أولى تظاهرات ميدان تقسيم من شرفة مقهى تطل من الأعالي وارتفعت اللافتات والهتافات تستنكر سياسة الاستقطاب و شخصنة الحكم وطمس علمانية أتاتوتورك وتطالب بالإبقاء على مركز أتاتورك الثقافي ومتنزه غيزي  رافضة تحويلهما إلى مركز تجاري استثماري.
 تفتح  اسطنبول  هذه المرة بابها لمرايا  الحنين إلى زمن أتاتورك ،تفتح   بابا  ذهبيا  تنعكس على صفائحه  أيدلوجيات تتنازع وتتعارض وينتصر بعضها  وينسحب الآخر، تختلف آفاقها من عصر لعصر, من عصور الأغريق والرومان و البيزنطيين والعثمانيين حتى الجمهوريين وأنصار الخلافة الإسلامية ولا تزال الايدلوجيات  تتصارع على شاطئيها : الآسيوي والأوروبي بين الأتاتوركيين والأحزاب الإسلامية  وتموج  تيارات السياسة  كما أمواج بحر مرمرة الهادرة  تهدد السفن والملاحين بالغرق وحيث لا  سبيل للحفاظ على جمهورية أتاتورك إلا بالاحتجاج  ورفض  الأسلمة المفرطة للمدينة ولا سبيل للحوار الا بقنابل مسيلة للدموع ذرفها المحتجون وذرفناها معهم  مساء 25 أيار في استقلال جادة سي.
يتبع

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top