محمد حسين الأعرجي في الأدب وما إليه..استذكارات شفيفة ومناقشات جريئة

محمد حسين الأعرجي في الأدب وما إليه..استذكارات شفيفة ومناقشات جريئة

قلت مرةً، يوم كلفتني جريدة(المدى) بالكتابة عن الباحث الرصين والشاعر الرقيق الدكتور محمد حسين الأعرجي-رحمه الله-في الملحق الذي خصصته للأعرجي، احتفاءً به وبمنجزه، والذي صدر يوم الخميس الموافق الثالث عشر من كانون الأول/من سنة 2012، قلت، كان أول تعرفي الى الدكتور محمد حسين الأعرجي، يوم قرأت لقاءه الصحفي مع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي نشرته مجلة( الرابطة) المجلة الثقافية التي كانت تصدرها جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف، بعددها الصادر في شهر أيار، 1975، حتى اذا صدر كتابه (فن التمثيل عند العرب) سنة 1978 عن الموسوعة الصغيرة، وفي ضمن منشورات وزارة الثقافة والفنون، اقتنيته، وكان من طبائع الأشياء، وقد توثقت صلتي المعرفية به ان اقتني كتابه المهم الذي أصدرته الوزارة ذاتها في السنة عينها، والموسوم بـ(الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي) وهو في الأصل رسالته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة بغداد، كتبها بإشراف أستاذه واستاذي الجليل الدكتور علي جواد الطاهر-طيب تعالى ثراه ان شاء- وبقيت على صلة ثقافية وقرائية مع ما أحصل عليه من كتابات هذا الباحث الرصين المتعدد الاهتمامات، فمن الشعر بوصفه شاعراً عمودياً محلقاً، الى تحقيق المخطوطات، فضلاً على دراسات رصينة نشرها، ومازال في الذاكرة كتابه المهم (الجواهري. دراسة ووثائق) الذي نشرته (دار المدى) سنة 2002 فضلاً على كونه مقاليا جيدا، التي ترقى مقالاته الى مستوى الدراسات، نشرها في العديد من المجلات والجرائد، خارج العراق، يوم كان يحيا في مغتربه ببولندة، نشرها في مجلات (المدى) و (الثقافة الجديدة) و (عيون) وجرائد(الشرق الاوسط) و(الحياة) و(المؤتمر) وسواها، وقد جمع عدداً من هذه المقالات، ونشرها بين دفتي كتاب اسماه (في الأدب وما إليه) نشرته دار المدى للثقافة والنشر بدمشق، بطبعته الأولى سنة 2003، ولقد وصفه - تواضعاً- بأن ليس له فيه من أمر الكتب الا انه جمع بين دفتين، ولقد كان بودي – لغرض التوثيق فقط – لو ذكر أماكن نشر هذه المقالات وتواريخها.
الكتاب هذا الموسوم بـ(في الأدب وما إليه) والذي جاء بنحو اربع مئة صفحة، احتوى على سبع وثلاثين مقالة، دراسة رصينة عدا مقالات قليلة لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة عداً، كان بينها وبين شقيقاتها الاخريات، بون كبير، واذا أردتم مثلاً فبالإمكان الإشارة الى مقالاته (تعالوا نشتغل جميعاً رقاصات) ص175 و(قضية فلسطين ومهدي البلاغي) ص339 و(تجمعات ثقافية عراقية ولكن للتفريق) ص369 و(شيء عن ديمقراطية الحكام العرب) ص375، واذ يكتب مقاله المعنون (يا حزانى العراقيين أقرأوا: اخوانيات الصكار) ص313 احتفاءً بصدور كتاب لمحمد سعيد الصكار عنوانه (اخوانيات الصكار ومجالسه الأدبية) وقد صدر هذا الكتاب عن دار المدى سنة 2001، وعنوانه يشف عنه، مجموعة مداعبات ومفاكهات مع عدد من اصدقائه، تقترب من امتاع التوحيدي ومؤانساته، او من ديوان (المَلخِيات) للراحل الكبير مصطفى جمال الدين، هذا المقال يثير حفيظة العديد من القراء والكتاب، كونه ينبش في المستور، لابل المعروف لدى الباحثين والقراء الجادين، من تقلبات عبد الوهاب البياتي الفكرية والسياسية، وركوبه الموجات في العراق، والعراق بلد مضطرب كثير الانواء والاهواء، ومتقلبها، وليقنع نفسه ويوحي لها، كونه مضطهداً دائما، ويظل مغترباً أزلياً، كي يكسب عطف دول ومؤسسات ثقافية، شانه شأن محمود البريكان، الذي سكت سكوتاً أزلياً مدعياً الاضطهاد، وخلق له مريدين يروجون لهذه الفرية التي لاوجود لها الا في دماغه ودماغ البياتي، وما اضطهده احد، بل كان مضطهداً لنفسه بشكل سوداوي، فاضاع على نفسه، ان يكتب وينشر، اقول، استدعت هذه المقالة شديدة الوطء، والاعرجي ذو قلم باشط قاشط، المعرية لهذا المغترب الازلي ردوداً ومساجلات، فاذا كان للاعرجي بعض عذر في نشر مقالته (لماذا حُرَّفَ الموضوع عن طبيعته؟) ص329 لمناقشة ماورد في رد الروائي والقاص العراقي المغترب في تونس، عبد الرحمن مجيد الربيعي، فما اراه بحاجة الى اعادة نشر مقاله الذي ناقش فيه رد نجاة محمود الالوسي واراءَها والموسوم بـ(لم تنصفيني يا نجاة)ص321
الكتاب الجميل هذا (في الأدب وما إليه) احتوى على مقالات رصينة، ترقى بعضها الى مستوى دراسات، ولاغروَ في ذلك ولاعجب، فهذه الكتابات انما هي نتاج هذا العقل المدقق والقارئ الفطن، والاكاديمي، يوم كانت الاكاديمية، بحثاً وكداً وجهداً وعرقاً تنتج رصانة وعلمية تزين صدور الباحثين الاكفاء، فيها استذكار شفيف رقيق لعدد من اساتذته: الاستاذ النحوي الجليل والشاعر الرقيق ابراهيم الوائلي(1914-15/4/1988)، واللغوي الباحث المحقق الدكتور ابراهيم السامرائي(1923-2001)، والنحوي الكبير الدكتور مهدي المخزومي(1919-6/3/1993)، والتراثي الكبير، ابن جزيرة العرب والمحقق الرصين، صاحب مجلة(العرب) التراثية ابا محمد حمد الجاسر، معترفاً بأفضاله حامداً سجاياه الحميدة، ولكن الموت نقاد، وما أفقر الامة العربية حين تفقد من هو مثل حمد الجاسر، المحقق الناشر، لكني وجدت الدكتور الاعرجي ينسب مقولة (حتى انت يابروتس) الى وليم شكسبير. ص85 وهي كما يعرف الباحثون والقراء المدققون مقولة أطلقها يوليوس قيصر غداة عملية اغتياله التي دبرها اقرب المقربين إليه، والقاها في وجه اقربهم إليه، بروتس وهو يتلقى منه طعنته الغادرة التي اتت عليه واماتته!
كما وجدته هو يصف رزيته بفقد حمد الجاسر بـ(نحن على احر من جمر القتاد) ولعله يقصد جمر الغضا، اذ القتاد شجر صلب له شوك كالابر، ومنه جاء قولهم: دونه خرط القتاد، وهو أقرب الى الشوك او (العاكول) بلهجة أهالي العراق.
وبعد لا ادري كلما ذكر حمد الجاسر، قفز الى ذهني الباحث الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، ولدي من كتبه (اللغة العربية والعولمة) الذي اهدانيه صديقي الباحث عبد الجبار محمود السامرائي.
في الكتاب، استذكار،-كذلك- لاستاذه واستاذي الدكتور صلاح خالص، الرقيق الرهيف كنسمة تشرين، والذي طوحت به السياسة، واحترامه لنفسه ولرأيه، ترى لما تناسيا صلاح خالص، هذا ما تساءَل به الاعرجي، واتساءل انا؟ لقد اهمله حزبه، لانه كان صاحب رأي ويحترم رأيه وفراداته، ومارغب ان يحيا حياة القطيع، وضربته السياسة، فأطاحت به وبمجلته المستقلة (الثقافة) التي كانت واحة حرة لمختلف الاتجاهات منذ اول عدد صدر منها في شباط/1971، وحتى احتجابها اواسط الثمانينات، بعد غضب وزير الاعلام وقتذاك عليه وعلى منهج مجلته المستقل.
الاعرجي محمد حسين، يستذكر صديقه الاديب والاكاديمي الجزائري الدكتور: ابو العيد (بلعيد)دودو، الذي درس في جامعة بغداد، وكان له شرف التلمذة على يدي الدكتور علي جواد الطاهر(1919-6/10-1996) والذي ظل يسدد بعض ما عليه من دين للعراق واهله، الذي علمه اذ قدم مساعدات جلى للعراقيين الذين حلوا في ربوع الجزائر العربية، ملهمة الثوار في عقود خَلَت: الشاعر سعدي يوسف، الناقد والقاص الدكتور ضياء خضير وعشرات امثالهما، حتى اذا التقيا الاعرجي وابو العيد دودو، صدَّقَ الخبر الخُبْرُ، هذا الاكاديمي الباحث الذي قرأت ترجمته لرواية (القط والفأر) للروائي الالماني المثير للجدل كونتر كراس، الحائز على جائزة نوبل للاداب سنة 1999، والرواية من منشورات دار الجمل بكولون بالمانية وراجعت نصها المترجَمْ الكاتبة العراقية المغتربة في المانية الدكتورة سالمة صالح، الذي مازال اسمها في الذاكرة يوم كنا نقرأ مقالاتها في مجلة (الف باء) العراقية حتى منتصف السبعينات حيث غادرت العراق ولدي من اعماله المترجمة رواية (الحمار الذهبي) للوكيوس ابوليوس، التي تعد اول رواية في تأريخ الانسانية. ترجمها عن الفرنسية ونشرتها دارا منشورات الاختلاف بالجزائر العاصمة والعربية للعلوم- بيروت بطبعتها الثالثة سنة 2004، وللباحث الليبي الراحل الدكتور علي فهمي خشيم ترجمة اخرى للرواية ذاتها اسماها (الجحش الذهبي).
كما ان في الكتاب استذكارا للشاعر الكبير عبد الامير (عبود حَصيَّر) الذي اصبح الحصيري الذي كان كما يقول الباحث الاعرجي، يقتل خجله بشرب الخمر فداوى نفسه بالتي كانت هي الداء، فعاقرها معاقرة اوهمت الكثيرين انه انسان سكير لا اكثر ولا اقل، الذي كان يسرق منه شعره ادعياء الادب والشعر وهم كثر، لا بل انه كان يبيع شعره، لمدعي الشعر من الخليجيين، لقاء ثلاث مئة دولار! ولقد كثرت الروايات، عمن اسدى له خدمة، وعينه مصححا لغويا في الاذاعة صباحا، وفي احدى الجرائد مساء، اقول نسبت هذه الفضيلة، التي تدل على رفعة خلق، لوزراء عدة او مدراء عامين، حتى انها نسبت لصاحب العلوج محمد سعيد الصحاف، لكن الاعرجي القريب منه ينسبها لصاحبها الحقيقي وهو السيد صلاح عمر العلي وزير الاعلام الاسبق سنة 1970، الذي سأل الجواهري عمن يراه شاعرا بحق وحقيق، الاعرجي من اجل مزيد من الدقة والصحة، ينسب هذه الرواية، لرواء بن جواد الجصاني والسيدة نبيهة اخت الجواهري الكبيرة، وكان يودها كثيرا، وعندما توفيت ودفنت في دمشق الشام بكاها الجواهري كثيرا، اقول فالاعرجي، ينسب الرواية لرواء، اذ يجيب الجواهري من غير تردد، انه الحصيري بحق وحقيق، فارسل العلي سائق سيارته الخاصة الى مقهى عارف اغا، وطلب من الحصيري مرافقته، وذهب به الى الحمام العمومي واشترى له بدلتين، وغادر الحصيري حياة الصعلكة لكن الى ايام قليلة، اذ يزور محمد سعيد الصحاف بعض اروقة المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون، وكان رئيسها، ليجد الحصيري – وهو يعمل – واضعا كأس الخمر وقنينته على الطاولة، فيطلب منه بأدب ان لو يضع القنينة تحت الطاولة والكأس في (مجر) من المجرات، فعدها الحصيري إهانة وغادر مكان عمله، ليعود الى حياة الصعلكة والتشرد التي شغف بها، وليعود يستدين دراهم من اصدقائه! لكن الدكتور الاعرجي، يروي ان عبد الامير الحصيري، توفي في بيت الخلاء بذلك الفندق الرخيص! اذ دخل اليه ليتبول وقد تعتعه السكر الشديد، وقد سقط ورجل منه خارج بيت الخلاء، واخرى فيه، وكانت يده اليمنى تعالج اغلاق ازرار سرواله، وحصل ذلك مساء جمعة من عام 1977 – تراجع ص 130 من الكتاب.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top