بين أمراض الإسلام السياسي وأخطاء العلمانيين ..أين الحل؟

آراء وأفكار 2013/07/22 10:01:00 م

بين أمراض الإسلام السياسي وأخطاء العلمانيين ..أين الحل؟

يعد (الإخوان المسلمون)في مصر القوة الأقدم والأكثر انتشارا في الوطن العربي،إذ تأسست في العام 1928 ومارست نشاطها السياسي في العام 1938،وأعلنت ان (دستور الأمة هو القرآن الكريم) ،وهدفت إلى (أن تقوم في الوطن دولة إسلامية تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي )،وتعرضت إلى اضطهاد السلطة العلمانية لأكثر من نصف قرن.ومع أن دورها لم يكن فاعلا ولا مبكرا في إسقاط نظام مبارك فإنها تسلمت السلطة في انتخابات ديمقراطية في اكبر بلد عربي.ومع ذلك فإنها لم تعمّر في الحكم سوى سنة واحدة في تجربة تؤكد لكثيرين فشل الحكم الديني في إدارة الدولة وشؤون الناس..وتسقط أو تعطّل شعار (الشرق الأوسط الإسلامي ) الذي بشّرت به إيران بعد تسلم الإخوان السلطة في مصر،ليعزز سيطرة الإسلام السياسي على السلطة في العراق،ونفوذ حزب الله في لبنان وإسناد النظام في سوريا،وسيطرةالإسلام السياسي الليبرالي في تركيا.

إن ما وقع من أحداث درامية يثير تساؤلات تستحق التأمل نوجزها بالآتي: 
*إن الدين الاسلامي احتوى السياسة بتأسيسه الدولة الراشدية وتكيّفها لتحقيق اهدافه،وان تطبيق جوهر الدين في الحياة العامة للناس انتهى بانتهاء الخلافة الراشدية،عدا سنتين من حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز،فيما عملت الخلافات والحكومات اللاحقة على توظيف الدين لتحقيق اهداف الخليفة او الحاكم.غير ان الصراع السياسي الديني كان قد بدأ في عصر الخلافة الراشدية باغتيال ثلاثة خلفاء وما سلم منهم سوى الخليفة الاول الذي تولى السلطة بعد الموت المفاجئ للنبي محمد.فهل يصح القول بوجود (إسلام سياسي) و(إسلام غير سياسي)؟
*هنالك أكثر من نظام حكم بهوية إسلامية(تركيا،إيران،ليبيا،تونس،العراق)..
وهنالك اكثر من تنظيم أو حركة إسلامية:حزب الله اللبناني،حماس..فهل يصح وضعها كلها تحت خيمة الإسلام السياسي ونساوي بين حزب الله اللبناني الذي حقق في العام 1982 انتصاره المدهش على القوة العسكرية الإسرائيلية وبين القوى التي تعمل على إقامة دولة إسلامية في العراق وسوريا؟
*إن عمر الإسلام السياسي يمتد لأكثر من أربعة عشر قرنا وله تاريخ حافل بالانتصاراتوالانكسارات،ونفوذ عميق في لاوعي جمعي يوحّد مشاعر جماهير واسعة بالتعاطف معه والنظر إلى رموزه بوصفهم (منقذين مخلصين)،فيما عمر العلمانيين لا يتعدى مئتي عام وتاريخهم حافل بالهزائم..فهل يصح القول بان الإسلام السياسي قد هزم بعد الذي حصل في "الثورة الثانية"بمصر؟
*انالإسلام السياسي اضطر مأمورا،كما في العراق أو مجبرا من ضغط شعبي أو مسايرة لتوجه عالمي كما في تونس..أن يعلن عن التزامه بتطبيق الديمقراطية آو المواءمة بين الديمقراطية والإسلام.غير أن الإسلام السياسي العربي امتلك عبر تاريخه الطويل خبرة كبيرة في تصفية خصومه،وان لديه التأثير النفسي والديني الكبير في جماهير واسعة لقبول ما يقدمه من تبريرات لما يعدّه الآخرون فشلا في إدارةالحكم،فيما العلمانيون التقدميون مشتتون،ومعتادون على خبرة الاضطهاد وأنهم ما حصدوا في الانتخابات عشر ما حصل عليه الإسلامالسياسي..فهل يعدّ ما حصل في مصر بداية لصعود العلمانيين في البلدان العربية أمأنها مجرد عثرة للإسلام السياسي سينهض بعدها؟
إن علّة الإسلام السياسي انه يعاني من أربع قضايا:فكرية وعملية وحضارية ونفسية. أما الفكرية فانه لا يطيق الرأي الآخر لأنه يرى نفسه ان فكره يمثل جوهر الدين وان الدين اسمى واصدق من كل فكر،وان على الآخر ان يؤمن بأفكاره هو لأنه يعدّها هي الأصلح للأمة.وبهذا فان الحاكم العربي الإسلامي الحالي ورث سيكولوجيا الخليفة في مفهومه للسلطة،وانهفي مظهره خليفة بلا عمامة..فيما جوهر تفكيره مطابق لتفكير الخليفة من حيث موقفه من الرأي الآخر لمنافسيه أو لخصومه.
ولقد اثبت الإسلامالسياسي،وتحديدا في مصر والعراق،انه فاشل في إدارةالحكم.فالمصريون عزفوا عن انتخاب احمد شفيق كونه يمثل في رأيهم امتدادا لحكم مبارك،وانتخبوا محمد مرسي ظنا منهم انه سيكون المنقذ أو الأصلح..فكانان وجد المصريون ان البلد صار في حالة ارتباك وتخبط وأخونة وسوء إدارة،وان من انتخبوه ديمقراطيا صار دكتاتوريا ويتصرف كرئيس حزب وليس رئيس بلد،وأن "موسيليني أرحم من مرسي،وفرانكو أحن من المرشد "وانهم تحولوا بسببهم من الفقر إلى فقر أوجع..فنزلوا،معأغلبية كانت صامتة إلى الشارع وكان ما كان في ثلاثين حزيران.وكذا فعل العراقيون احتجاجا على فشل حكومة يقودها إسلام سياسي في تأمين حاجات أساسية متوافرة في افقر البلدان مع انهم يعيشون في أغناها..لكنهم عجزوا في تحقيق ما حققه أشقاؤهم المصريون لأسباب شرحناها في مقالة سابقة.
وبرغم انالإسلام السياسي يحاول أن يوائم بين أساليب الحياة المتحضرة والقيم الدينية والأخلاقية،لكنه يخلق لنفسه حالة تناشز لا يطيق تحملها،تدفعهإلى التضييق على حريات الناس باسم الشريعة كما حصل في مصر بزمن الإخوان وما حصل مؤخرا في العراق من غلق للمنتديات الاجتماعية والمقاهي الليلية وتدمير للممتلكات واعتداء على أصحابهاأدى بعضها إلى سقوط ضحايا. لأنه يغفل حقيقة كبيرة هي ان جيل الشباب في المجتمعات العربية يشكل اكثر من 60%،بينهم وقادة الإسلام السياسي هوة واسعة في الفكر والثقافة والقيم والميول والتطلعات وأساليب التواصل الاجتماعي. وانهم هم الذين كانوا السبب في الإطاحة بالطغاة العرب.
أما نفسيا فان الزهو بالفوز الديمقراطي الذي حققه الإسلام السياسي جعله يعيش وهم التفويض المطلق في إدارةالحكم،ورأى نفسه أنه في منأى عن النقد والمحاسبة،وأن الناس يغفرون له أخطاءه ما دام يجاهد في سبيل الله.ولم يفق من هذا الوهمإلا في 30 حزيران 2013..وراح قادة الإسلام السياسي يصفون المحتجين ضدهم بنفس ألفاظ الحكام المستبدين أمثال القذافي.
ان الشرط الأساس لتطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات العربية وازدهار بلدانهم هو الاستقرار السياسي..المفقود من أول يوم أطيح به بأول حاكم مستبد بثورة شعبية في تونس ثم في مصر،وقبلها بعشر سنوات يوم أطاح التحالف الدولي بأقسى طاغية عربي في العراق.ومنأيامها اثبت الإسلام السياسي عمليا انه غير قادر على تأمين هذا الشرط:الاستقرارالسياسي..فأينالحل؟
إن الحل لا يكون بتسلم العلمانيين للسلطة لأنهم لن يستطيعوا أيضا تأمين الاستقرار السياسي اذا انفردوا بها..بلان في تسلمهم السلطة ستكون الكارثة،لأن دعوات قوى الإسلام السياسي ستلقى قبولا واسعا في الشارع وستطيح بهم وتعيد قوى الإسلام السياسي بزخم اقوى واضطهاد اقسى للتقدميين بشكل خاص.
إن العلمانيين يرتكبون الأخطاء بتسفيه أفكارالإسلاميين دون الاقتصار على تشخيص فشلهم في إدارةالحكم،وهم أوهموا انفسهم أو يمنونها بتحقيق ما يريدونبقبولهم المشاركة بحكومة توافقية يقودهاإسلامسياسي.فهم ليس فقط لن يستطيعوا ان يكونوا طرفا فاعلا في إدارة شؤون الحكم،بل انهم يكونون شريكا في فشلحكومة الإسلام السياسي ويعطونها مبرر ترحيل إخفاقاتها..وهذاهو اهم أسبابإطالة عمر حكم الإسلام السياسي في العراق.فلوكانت قدتشكلت من عام 2010 حكومة أغلبية تمثل تحالف إسلام سياسي وظل حال الناس كما هم عليه الآن من بؤس وانعدام خدمات أساسية..لكان العراقيون قد سبقوا المصريين في الإطاحةبحكومتهم..لكن شفيعهم كان ان " الخصوم"كانوا شركاء في الحكومة!
ان تجربة الحكومة الانتقالية في مصر قد تقدم الدليل حتى لمناصري قوى الإسلام السياسي والعلمانية المؤدلجة،وربما تقنع الشارع العربي ان الحل الأمثل يكون بتشكيل حكومة تكنوقراط بخبرات وكفاءات مستقلة سياسيا يخرجها من الأزمة ويخفض الصراع على السلطة بين القوى السياسية ويحقق شرط الاستقرار السياسي. إلاان هذا غير ممكن لكثرة ما في المجتمعات العربية من تنوع ديني وإثني وطائفي وايديولوجي،ولتدني الوعي الانتخابي وضعف الشعور بالانتماء للوطن لدى جماهير عريضة فيها اعتادت العنف في التعامل حتى مع قضاياها اليومية.
نعم،انالحل يكون بمجيء حكومة تؤمن شرط الاستقرار السياسي الذي به تتحقق الحياة الكريمة للمواطن ويزدهر الوطن..لكنه لن يأتي الآن..وقد يكون حالنا في انتظاره حال انتظار بطل مسرحية (الذي يأتي ولا يأتي)!..ما لم تعالج أمراضالإسلام السياسي وأخطاء العلمانيين

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top