العقل السياسي العراقي واشكاليات الأزمة ..تحليل سيكوبولتك

آراء وأفكار 2013/07/28 10:01:00 م

العقل السياسي العراقي واشكاليات الأزمة ..تحليل سيكوبولتك

لا توجد الآن في العراق (دولة)تحظى بالهيبة ويسودها الأستقرار السياسي والأمني،وتعمل فيها المؤسسات بشكل تكاملي لخدمة المواطن وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.فالعراق هو البلد الأول في العالم من حيث حجم الضحايا الذين بلغ عددهم،بحسب تقرير (كوبلر)ثلاثة آلاف قتيل في اربعة اشهر من عام 2013،تستهدفهم القوى الارهابية وميليشيات تابعة لقوى سياسية تطال حتى الأطباء الذين قتل ثلاثة منهم بعد يومين من مصادقة مجلس النواب على قانون حماية الأطباء.وهو الأول عربيا والثالث عالميا من حيث الفساد،وهو الوحيد الذي يدفع رواتب تقاعدية خيالية لأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة والمستشارين..
ستصل نسبتها في ثمان سنوات الى 40% من الميزانية السنوية التي تزيد على 120 مليار دولارا فيما ربع العراقيين يعيشون تحت خط الفقر.والوزارت موزعة وفق حصص حزبية وطائفية وقومية،وكل وزارة تعمل لصالح الجهة التي ينتمي لها الوزير،الذي يعمل على وفق التوجيهات التي يتلقاها من الجهة التي رشحته.
وما يحصل في العراق هو ان السياسة تحكمها مسألتان:
الأولى: الصفقات
 ان التحالفات السياسية حالة مشروعة ان كانت من اجل برنامج يهدف الى خدمة المواطن واعمار الوطن.لكن ما جرى،لاسيما بعد انتخابات مجالس المحافظات،هو صفقات تهدف الى خدمة مصالح شخصية وحزبية وصفها المتحالفون انفسهم بانها فقدت المبدئية والقيم الاخلاقية،واتسمت بالغدر والخيانة.فقد حدث في اكثر من محافظة خلال تشكيل حكوماتها المحلية في حزيران 2013 ان الكتلة(س)التي تحالفت مع الكتلة(ص)تفاجأت بأن اعلنت (ص) تحالفها مع الكتلة (ع) التي هي على خلاف مع الكتلتين لسنين! وهذا هو المقصود بالصفقات..بوصفها ميكافيلية تعتمد مبدأ الغاية تبرر الوسيلة..والغاية هنا مصلحة يحكمها الانتماء لحزب او كيان سياسي وتغليبه على الانتماء للوطن.
والثانية:خلق الأزمات واحتكارها.
  هنالك اكثر من قضية داخلية بالازمة السياسية العراقية: الشراكة الحكومية،النفط والغاز،قضية كركوك والمناطق المتنازع عليها والمادة 140 ،اتفاقية اربيل،الفساد المالي والاداري،مثلث العلاقة بين حكومات العراق وتركيا والاقليم،والمناصب الحكومية الشاغرة،فضلا عن الأقلمة التي تعالت الدعوات لها بعد تظاهرات واعتصامات المناطق الغربية.
   وهنالك عوامل خارجية صانعة للازمة أو تذكيها تتمثل بالمحاور الاقليمية. فلدى العراق ثلاثة ملفات مع ايران: الحقول النفطية المشتركة "مجنون،ابو غرب،الفكه،بزركان،نفط خانه" ،وترسيم الحدود،وشحّة المياه بتحويل معظم روافد دجلة الى اراضيها.فضلا عن الوضع في سوريا وتنامي القوى الاسلامية المتطرفة فيها،وتوتر العلاقة مع دول خليجية برغم خروج العراق من عقوبات الفصل السابع التي فرضت عليه بسبب غزو النظام السابق للكويت ودفع العراق الجديد تعويضات هائلة.
ان الازمة تعني عدم القدرة على الوصول الى حلّ بخصوص قضية بين طرفين او اكثر.وما يجعلها خطيرة في العراق انها مفتوحة على جميع الاحتمالات..فالاختلافات لم تعد قائمة فقط بين تحالف وتحالف آخر كما كانت،بل صارت داخل التحالف ذاته كما هو حاصل في التحالف الشيعي.وثمة مفارقة ان الكيانات داخل التحالفات المختلفة بمن فيهم "خصوم" دولة القانون  لم تستطع تنحية رئيس الوزراء من منصبه برغم اتهامهم له بعدم تنفيذ وعوده واحتكاره سلطات الامن والدفاع وتعيين جماعته في المراكز الحساسة.وما يزيد من صعوبة حلّ الأزمة،انعدام  وجود آليات لحلّها.فمجلس الوزراء يفتقر الى نظام داخلي واضح يحدد أداء السلطة التنفيذية،ويضبط عمل الحكومة.والتقاطعات والتضاربات في الصلاحيات داخل الحكومة ذاتها،وبينها والبرلمان. ووجود مواد في الدستور يصفها قانونيون بأنها (حمّالة اوجه)،بينها منح رئيس الوزراء صلاحيات في غياب قوانين تضبط تلك الصلاحيات واخرى كبيرة تمكّنه من الانفراد بالسلطة،لدرجة ان نائب رئيس الوزراء نصح،مؤخرا،بأن لا يتولى أحد هذا المنصب لأنه لا يستطيع ان يفعل شيئا! واتهام رئيس الوزراء لشركاء له في الحكومة والبرلمان بالتواطؤ مع ارهابيين وبارتباطهم باجندات اقليمية. فضلا عن وجود اتجاه يدعو الى تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية، وآخر يدعو الى منح المحافظات والاقاليم استقلالية تعطي صلاحيات واسعة لحكومات المحافظات،وعدم وجود فهم مشترك بخصوص الفيدرالية بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الأقليم في اربيل..فهنالك من يعد اربيل محافظة حالها حال اية محافظة عراقية،وهنالك من يرى في هذا الوصف اساءة واستفزازا لمشاعر الشعب الكوردي.فضلا عن الخطر المتنامي للقوى الارهابية بتحريرها المئات من اعضائها بسجني ابو غريب والتاجي في واقعة تموز 2013.
  ان هذا الكّم المعقد من القضايا الشائكة يفضي الى ثلاث حقائق سيكولوجية:خلق تشوش فكري لدى متخذ القرار يضطره التركيز على القضايا التي فيها خطر عليه،وتعميق روح الشك بالآخر بين الفرقاء في برانويا سياسية،وتقوية الانتماءات والولاءات للأحزاب والعشائر ودول خارجية تفضي بالضرورة الى اضعاف الشعور بالمواطنة والولاء للوطن.
 وما نجم عن هذا الوضع السياسي النفسي المضطرب ان الطرف الفاعل في الحكومة عمد او اضطر الى خلق ازمة بعد اخرى بطريقة (ذكية) تتمثل باحتكارها واستثمارها بما يؤمن له البقاء في السلطة.فهو ان كان على غير وفاق مع الكتلتين (س ) و(ص) فانه يستثمر الازمة في استرضاء (س) لأضعاف (ص)،لخلق ازمة جديدة يستثمرها هذه المرّة عكسيا..وحيثما شعر بتقارب بين قوتين يرى فيه خطرا عليه.فضلا عن أن الأزمة تشكل بحد ذاتها تهديدا لصانع القرار وارهاقا وجهدا نفسيا لتأثيرها السلبي على القدرات والمهارات الذهنية.
ان التشخيص السيكولوجي للسياسي العراقي في السلطة هو انه مصاب بـ(احولال عقل)يريه انه على حق مطلق والآخر على باطل مطلق..وهذا ناجم عن  تعصب طائفي او اثني.فعلّة المتعصب السيكولوجية هي انه يصنّف عالمه الاجتماعي الى مجموعتين:(نحن) و (هم)..يضفي على جماعته الصفات الايجابية،وينسب للجماعة الاخرى الصفات السلبية.والمؤذي في ذلك،انه في حالة حصول نـزاع بين جماعته والجماعة الأخرى فإنه يحّمل الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار،ويبرّئ جماعته منها.يضاف لها حالة خطيرة هي ظهور (اللاعب الوحيد)في فرقاء العملية السياسية،الذي يجمع كلّ خيوط " اللعبة" بيده،ويركّز وفريقه على مسائل الاختلاف مع الفرقاء،ويغلّب مصلحة فريقه على مصالح الوطن..فضلا عن أن سيكولوجية السلطة علّمت المحيطين باللاعب الوحيد أن يقولوا له ما يحب أن يسمعه!،وتضخيم (الأنا)لديه بما يوازي مفهوم (البطل) بالصيغة المشفّرة في العقل الجمعي العراقي: (الزعيم الأوحد)،(القائد الضرورة)،(القائد الرمز...) التي تفعّل حاجة الجماهير المأزومة الى (بطل) تصنع منه دكتاتورا!.
  والشائع في السياسية العراقية ان اطرافها يساوون بين الصراع والإحباط الذي ينجم عنه بالضرورة أن كلّ طرف ينظر الى الطرف الآخر بوصفه عقبة تحول دون تحقيق مصالحه.. من دون أن يدرك أن هذا يفضي نفسيا الى أن تتكاثف مظاهر السلوك العدواني مصحوبة بزيادة حدّة الاحساس بالاحباط،توصله لنتيجة كارثية هي (يقينه )أن الصراع يستلزم نجاح احد الطرفين والحاق الاذى بالطرف الآخر..وهذا أحد أهم أسباب اشكاليات الأزمة في العراق التي ستبقى مستعصية على حلّ عقلاني ما لم تغير القوى السياسية أساليب تعاملها الخاطئة مع الصراع.
ان السياسة والصراع في متلازمة أزلية لأنها متعلقة بتنافس على سلطة وثروة واعتبار اجتماعي وغالب ومغلوب.والمشكلة ليست في الصراع بل في أساليب تعاملنا الخاطئة التي صاغها تاريخنا السياسي والاجتماعي بطريقة فهمنا فيها  الصراع على أنه حالة بين ان تكون او لا تكون..بين أن تبقى أو تفنى!.
وسواء كان الصراع سياسيا" أو اقتصاديا" أو اجتماعيا" فأن حلّه يتوقف على طبيعة ادراكنا له،الناجمة عن نوعية منظورنا الفكري ونضجنا السياسي. فالطرف الذي يتحكم به منظور ان الصراع يعني وجوب التغلب على الآخر والانتصار عليه باية طريقة كانت، يجبره على أن يتعامل مع الطرف الآخر بأسلوب حذر وتأويلي..بمعنى أنه يفسّر أقوال وافعال الطرف الآخر بأن فيها (انّ) حتى لو كانت بنوايا طيبة،فينجم عنه اثارة مشاعر سلبية يفضي تراكمها الى كره متبادل بين اطراف الصراع..فيما المنظور الصحيح هو ان الصراع يمكن ان يكون عاملا مساعدا ومصدر طاقة يمنحنا الفرصة لتعميق علاقاتنا ويجعل اطرافه اصدقاء لا اعداء ويمنح الجميع المتعة والبهجة..غير ان واقع الحال الآن (2013) هو ان العقل السياسي العراقي يتجه بالوطن نحو الهاوية ما لم يعمل على ان يتعافى من امراضه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top