«العرّاف» والاستسلام للواقع!

آراء وأفكار 2013/07/30 10:01:00 م

«العرّاف» والاستسلام للواقع!

يواصل الكاتب الساخر «يوسف معاطي» عرض أفكاره العدمية في مسلسله الجديد «العراف» الذي يلعب دور البطولة فيه الفنان «عادل إمام» إذ يقدم شخصية النصاب الذي يمارس عمله بجدية وإتقان شديدين ولكن ضد الأغنياء ولصالح الفقراء حتى أنشأ ثروة كبيرة، وتزوج وأنجب في كل مدينة ذهب إليها وأصبح له اسم غير الآخر في كل عملية نصب، وهذا القالب الساخر معروف تماما في الإنتاج الأدبي والفني العالمي وليس ابتكارا.

وعلى ما يبدو فإن «يوسف معاطي» كان قد كتب هذا المسلسل - وهو كاتب غزير الإنتاج - قبل سقوط حكم الإخوان، بل من المؤكد أنه كتبه قبل هذا السقوط الذي حدث فقط قبل أسابيع قليلة، أقول ذلك لأن «معاطي» واصل سخريته المرة من اليسار واليساريين، بل ومن الاحتجاجات الشعبية التي كانت قد اندلعت بطول البلاد وعرضها قبل ثورة 25 يناير وبعدها، محتضنة بل ومنتجة للشعارات والأهداف التي تطورت مع احتياجات كل موجة ثورية جديدة من «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية» إلى الجيش والشعب إيد واحدة، ثم حين أساء الجيش إدارة البلاد في الفترة الانتقالية الأولى برز شعار «يسقط يسقط حكم العسكر»، وفي ظل الإخوان وبعد انكشاف سيطرة مكتب الإرشاد على الحكم أصبح الشعار هو «يسقط يسقط حكم المرشد».. وهكذا.
وكانت الاحتجاجات السابقة على اندلاع موجات الثورة الثلاثة قد أنتجت بدورها شعاراتها التي رصدها الباحثون وحللوها تحليلا شاملا، وراكمت تلك الاحتجاجات تراثا هائلا من المعارف والأفكار والممارسات الثورية لجماهير متعطشة للعدل والكرامة، جماهير مبدعة عملها جدير بالاحترام لا الإهانة.
ورأى «معاطي» رأيا آخر هو أن مثل هذه الجماهير التي فجرت الثورة كان يمكن أن تنظم المظاهرات دفاعا عن نصاب تحول إلى بطل لها، لا لأنه أنشأ علاقات معهم، أو كافح في صفوفهم بل لأنه أغدق عليهم بعضا من الأموال التي راكمها من عمليات النصب، وهو نفس منطق الصدقة والإحسان الذي تلجأ إليه جماعات اليمين الديني لشراء الأصوات في الانتخابات، وحشد الجماهير الفقيرة في مثل الظروف التي تمر بها البلاد الآن، ولعل المؤلف لا يدري أنه بتلك المشاهد المهينة للاحتجاج الشعبي يصب المياه في طاحونة هذا اليمين الديني الذي يحتقر الشعب.
وتنبع هذه النظرة الضيقة للأمور من فهم محدود لوظيفة الفن حين تراه مجرد مطابقة وتصوير لوقائع وليس الواقع، وفارق شاسع بين الوقائع والتفصيلات اليومية وبين الواقع في تركيبه وتعقيده من علاقات اجتماعية وصراع وأطراف متناقضة ومصالح متضاربة تنتج لنفسها رؤى وأفكارا. 
وحين يختار المبدع أن يتوقف أمام واقعة أو تفصيلية من تفصيلات الحياة دون أن يشير إلى نقيضها وهو يضعها في سياق، فإنما ينطلق من نظرة أحادية سطحية للأمور قد تؤدي السخرية فيها إلى انفجار الضحكات لكنها لا تدعو المتلقي إلى التفكير أو النقد الذي هو إحدى وظائف الفن الحقيقي، هذا النقد الذي يكشف بدهاء عن دبيب الحركة في الواقع «الاجتماعي - الاقتصادي - السياسي» وتسعى قوته المعنوية والجمالية للوصول إلى اللامرئي في هذا الواقع، ذلك اللامرئي الخفي الذي يتفاعل ببطء وبعيدا عن الأنظار لينفجر بعد ذلك في شكل هبات جماهيرية أو ثورات.
ولطالما قيل إن الشعب المصري هو مثل اللبن الذي يأخذ في الغليان دون أن نراه وفجأة يفور.
أما لماذا أصف عمل «يوسف معاطي» هذا بالعدمية فلأنه يساوي بين الأشياء المتناقضة، وفي سخريته الدائمة من اليسار ولغته ورؤاه التي تجلت في الابن الغني المرفه «محمود»، وقراره بأن يتزوج ابنة أستاذه المتشنج الساكن في أحد الأحياء العشوائية، والحقيقة أنه تكرار بالمسطرة للشخصيات اليسارية التي قدمها في «السفارة في العمارة».. إنه إذ يفعل ذلك يسخر أيضا بنفس الطريقة من الابن الآخر «عبدالله» المنتمي للجماعات الدينية المتطرفة ، ورغم أن هذين النموذجين هما في الواقع نقيضان إلا أننا نجدهما عند يوسف «معاطي» متماثلين، وحين يتساوى النقيض بالنقيض ويتماثل معه وتنمحي الحدود بينهما يفقد الوعي كل قدرة على النقد، فاليمين مثل اليسار والرأسمالية مثل الاشتراكية والاستعمار مثل التحرر.. إلخ لا فرق بين رؤية كل منهما للعالم وأدواته للتعامل مع هذا العالم، والنتيجة المنطقية والوحيدة لمثل هذا الطرح هي الاستسلام للواقع القائم دون أمل في تغييره إلى الأفضل.. هذا هو مضمون الفكر العدمي الذي ينطلق منه كل من «يوسف معاطي» و«عادل إمام» في هذا العمل القائم على السخرية المجانية دون أي عمق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top